في الوقت الذي يشعر فيه الإسرائيليون بالذهول إزاء الفوز الكاسح الذي حققته حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، جاء هذا الانتصار ليضع الإسرائيليين أنفسهم أمام لحظة وضوح في الرؤية نادرة الحدوث مفادها أن إسرائيل، بعد أن أصبحت مفاوضات السلام أمراً مستبعدا، ستتخذ في أغلب الظن خطوات أحادية فيما يتعلق بترسيم حدودها وعزل نفسها عن الفلسطينيين.

فبعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، أوضح إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي بالنيابة، أن التفاوض مع حزب فلسطيني عازم على تدمير إسرائيل أمر غير قابل للنقاش. ويأتي هذا التصريح في الوقت الذي قال فيه الخبراء إن إسرائيل الآن تشعر بحرية أكبر فيما يتعلق بتقرير مستقبلها بنفسها.

يقول الخبراء إن إسرائيل، التي يمكن أن تتأثر انتخاباتها التي ستجرى في غضون شهرين من الآن بشكل كبير بنتائج الانتخابات الفلسطينية، من المحتمل أن تركز بشكل أكبر على تسريع وتيرة بناء الجدار العازل الذي يمتد على طول الضفة الغربية. فبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على البدء في بنائه، لم يُنجز من ذلك الجدار سوى أقل من نصفه وذلك في الوقت الذي يقول فيه المسؤولون الإسرائيليون إنه قد ساهم في التقليل بشكل كبير من الهجمات الانتحارية والهجمات الأخرى التي تستهدف الإسرائيليين. وفي المقابل يقول الفلسطينيون إن الجدار سلب منهم الأرض التي يريدونها من أجل بناء دولتهم المستقبلية.

يقول شلومو أفنيري، وهو عالم سياسي ليبرالي في الجامعة العبرية بإسرائيل: «الخلافات بين الجانبين الآن أصبحت أكثر عمقاً وفرص التفاوض غدت أكثر بعداً. والخطوات الواقعية الوحيدة حاليا قد تكون في اتخاذ إسرائيل إجراءات أحادية».

تلك الأحادية هي المنهاج الذي تبناه شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يرقد الآن في غيبوبة، على امتداد خمسة أعوام.

لقد قام شارون بسحب المستوطنين الإسرائيليين والجنود من غزة في الصيف الماضي من دون إجراء أي مفاوضات في هذا الشأن مع الفلسطينيين وترك الباب مفتوحا أمام اتخاذ خطوات مماثلة في المستقبل في الضفة الغربية.

ومنذ بدء مفاوضات السلام المتقطعة منذ عشرة أعوام، ثمة انقسام كبير بين صفوف الإسرائيليين حيال طبيعة التنازلات التي يمكن تقديمها وحيال مساحة الأراضي التي يجب الاحتفاظ بها وحيال ما إذا كانت المباحثات يمكن أن تؤدي إلى إنهاء عقود طويلة من الصراع بين الجانبين. وفي اليوم الذي فازت فيه حماس بالانتخابات بدا أن كل تلك الشكوك قد تضاءلت.

وبين موقف الصقور الإسرائيليين الذين يعارضون تقديم أي تنازلات والحمائم الذين يضغطون دائما من أجل الدخول في مباحثات متجددة حول السلام، اجمع الإسرائيليون على أنه لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات مع حماس.

يقول عامي أيالون، الرئيس السابق للشين بيت ، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، والمرشح البرلماني الحالي لحزب العمل اليساري، إن غياب شريك في التفاوض لا ينبغي أن يمنع إسرائيل من اتخاذ خطوات تهدف إلى الانفصال عن الفلسطينيين. ويضيف إن إسرائيل ينبغي أن تسعى إلى «فض الاشتباك مع الفلسطينيين وتحتفظ بشخصية إسرائيل باعتبارها دولة يهودية ديمقراطية وتتحرك بشكل سريع ومستقل نحو بلوغ هدفنا». ويأمل أولمرت في أن يصبح رئيسا للوزراء في انتخابات 28 مارس كرئيس لحزب الوسط كديما الذي أسسه شارون.

غير أن بنيامين نتانياهو، زعيم حزب الليكود، أوضح أن نتائج الانتخابات الفلسطينية قد قدمت فرصة لسماع رسالة الصقور بشكل أكبر. وأضاف نتانياهو أن انتصار حماس جاء نتيجة الانسحاب الأحادي من غزة وأثبت أنه لا يجب أن تكون هناك انسحابات أخرى.

يقول يوفال شتاينيتس، عضو البرلمان الإسرائيلي من حزب الليكود، إن إسرائيل كان ينبغي لها أن تمنع أو تلغي الانتخابات الفلسطينية. واستشهد في هذا الصدد باتفاقيات أوسلو التي تمنع إشراك الجماعات المسلحة وهؤلاء الذين لا يعترفون بإسرائيل. وأضاف أن الهجمات الفلسطينية ضد إسرائيل قد قلت حدتها في الأعوام الأخيرة غير أن شعبية حماس قد ارتفعت. وأكد بالقول: «انتصار حماس يعد خسارة كبرى لنا في الحرب ضد الإرهاب على الرغم من كل نجاحاتنا التكتيكية».

ومنذ اتفاقيات أوسلو، حافظت السلطتان الإسرائيلية والفلسطينية على وجود حوار بشكل من الأشكال.

غير أنه لم يكن هناك على الإطلاق أي اتصال بين حماس وإسرائيل سوى عبر لغة الرصاص والقنابل. فالعلاقة بين الطرفين مشابهة لتلك التي كانت موجودة في الثمانينات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في ظل عدم اعتراف كل منهما بالآخر. ويأتي الانتصار الانتخابي لحماس في وقت تمر فيه إسرائيل بحركة ثوران سياسي ومن المستبعد أن تقوم الحكومة بأي خطوات جوهرية قبل الانتخابات الإسرائيلية.

يقول أفينيري: «حلول الانتخابات يعني انتهاء الزمن المتاح. هناك اتجاه قوي بالإحجام عن القيام بأي عمل الآن». وقد يعني الأمر أيضا أن أولمرت وحزبه سيكون عليها أن يتبنيا خطاً أكثر تشددا لضمان عدم تفوق حزب الليكود عليهم على مستوى القضايا الأمنية.

وقد بدأ الإسرائيليون في نقاش حقيقة ما إذا كان الوجود في السلطة قد يروض حماس ويجعلها أكثر اعتدالا. ويلمح أفنيري إلى أن وجود حكومة تسيطر عليها حماس قد لا يشكل تهديدا بالشكل الذي يخشاه بعض الإسرائيليين. واستشهد في هذا الصدد بحزب الله اللبناني الذي أخذ يقاتل إسرائيل سنوات عدة والآن يشترك في السياسة اللبنانية.

يقول أفنيري: «حماس قد تسلك مسلك حزب الله. شعاراتهم ستتسم بالغلظة وسيظلون مسلحين ولكنهم سيكونون جزءاً من النظام السياسي وسيُكبح جماحهم بشكل أكبر». وآخرون من أمثال شتاينيتس يرون أن حماس تريد إلقاء اليهود في البحر وأنها لم تدخل مجال السياسة من أجل أن تتغير بل من أجل تعزيز أهدافها. ولا تزال الانتخابات الفلسطينية تبعث بأجواء ضبابية حول الانتخابات الإسرائيلية. فخلال الحملات الانتخابية الإسرائيلية السابقة نظمت حماس والأحزاب الفلسطينية الأخرى هجمات مسلحة دفعت الإسرائيليين إلى انتخاب اليمينيين.

في 1996 بدا أن حزب العمل بقيادة شيمون بيريز الذي ينتمي إلى الحمائم يسير إلى تحقيق انتصار بعد اغتيال إسحاق رابين على يد متطرف إسرائيلي. ولكن بعد وقوع عدد من الهجمات الانتحارية أثناء الحملة الانتخابية الإسرائيلية فاز نتانياهو بالانتخابات بفارق ضئيل. وقد بدأ الفلسطينيون انتفاضة مسلحة في سبتمبر 2000، وفي انتخابات الحكومة الإسرائيلية في فبراير 2001 هزم شارون إيهود باراك، زعيم حزب العمل الذي كان قد حاول التوصل إلى اتفاقية شاملة مع الفلسطينيين وفشل.

عن «نيويورك تايمز»