أثناء مشاركته أخيرا في ملتقى دافوس بسويسرا، التقت صحيفة «واشنطن بوست» الرئيس الباكستاني برويز مشرف في حوار شمل عددا من القضايا الحساسة المتعلقة بالعلاقة الأمنية والاستخبارية بين أميركا وباكستان. وتطرق الحوار إلى ملابسات الضربة الأميركية الأخيرة التي شنتها طائرات من دون طيار على الأراضي الباكستانية واستهدفت عددا من قياديي تنظيم القاعدة.
وأكد مشرف خلال اللقاء على قناعته بأن القبض على أسامة بن لادن لن يحقق شيئاً وأنه يجب فهم طبيعة العالم الإسلامي قبل استخدام القوة العسكرية.وفيما يلي نص الحوار:
* شنت الولايات المتحدة أخيراً هجوماً على تنظيم القاعدة في مناطق قبلية على الأراضي الباكستانية. هل كان هناك تنسيق معكم بشأن ذلك الهجوم؟
-لم يكن هناك أي تنسيق على الإطلاق. نحن ندين ذلك الهجوم وقد عارضناه لأنه يمس سيادة الدول الباكستانية. ولكننا نعرف أن هناك أجانب وعناصر من تنظيم القاعدة في تلك المناطق. وأنا بالفعل أشعر بالأسف لوجود تلك العناصر هناك.
* عناصر عربية وعناصر من تنظيم القاعدة؟
- نعم. نحن نقوم الآن بالتحقيق فيما حدث لمعرفة هوية الذين قُتلوا أثناء ذلك الهجوم.ويحتمل ـوأنا هنا أختار كلماتي بعناية- أن يكون قد قتل خمسة أو ستة عرب أو أجانب أثناء ذلك الهجوم.
* يقال في الولايات المتحدة الأميركية إن عناصر كبيرة من تنظيم القاعدة قد قتلوا أثناء ذلك الهجوم.
- بينما يعد ذلك الهجوم انتهاكا للسيادة الباكستانية، فأنا أعتقد أيضا أن وجود تنظيم القاعدة وعناصر أجنبية في تلك المناطق هو الآخر انتهاك لسيادتنا. دعنا لا ننخدع بما يقوله المتشددون الذين يدّعون أن السيادة تُنتهك فقط في حال أن يدخل عنصر أجنبي البلاد من خلال الجو بشكل غير شرعي.
* إذا كانت هناك معلومات استخبارية أميركية تفيد بأن هناك قائدا إرهابيا مختبئا في مكان ما، هل سيكون هناك تنسيق أميركي- باكستاني في هذا الشأن؟ بعبارة أخرى هل يجب أن تنقل الولايات المتحدة تلك المعلومات إلى باكستان؟
- هناك تنسيق كبير في المجال الإستخباري بين الدولتين.
* الحديث في واشنطن حول أن المعلومات الإستخبارية عمرها قصير ولا تسمح بأي تأخير في اتخاذ عمل فوري.
- كيف يكون هذا. هل يجلسون داخل طائرة نفاثة؟ مستعدون للإقلاع في أي وقت؟ يتعين على المرء أن يُمعن النظر فيما يجري.ولكن الأمر واضح للغاية. هناك حساسية كبيرة ينطوي عليها الوضع، فهذا أمر في غاية الأهمية.
* قمتم أخيرا بفتح حوار مع إسرائيل،وهو الأمر الذي لم يلق قبولا من قبل الجماعات المتشددة في باكستان. إلى أين تسير العلاقة مع إسرائيل؟ ولماذا هي مفيدة لباكستان؟
- إذا كان الأمر يتعلق بعدد قليل من المتشددين فإن الأمر لا يعنيني ولا أهتم به. نحن لم نغير مسارنا فيما يتعلق بالمصلحة الإستراتيجية لباكستان. نحن نؤيد قيام وطن لفلسطين وذلك على الرغم من أننا نعترف بدولة إسرائيل.وبالتالي فإنه ليس هناك أي تغيير في موقفنا. وأشعر أننا يمكننا أن نساهم بشكل أكبر في تلك القضية إذا استطعنا التحدث إلى إسرائيل ولهذا السبب دخلنا في حوار معهم.
* ما الذي دفعكم إلى اتخاذ ذلك القرار؟
-لقد قلت في البداية إنه إذا كان هناك بعض التطور الذي يشير إلى تقدم في اتجاه حل القضية الفلسطينية، فإننا قد نراجع موقفنا الدبلوماسي تجاه إسرائيل.وأنا أرى أن الانسحاب من غزة مثل قرارا جوهريا اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون.ونحن تصورنا أنه يجب أن يكون هناك تشجيع لهذا القرار باعتباره قراراً في الاتجاه الصحيح،وتصورنا أنه ينبغي لنا أن نأخذ تلك الخطوة.
* ما هي توقعاتك بشأن العراق. هل سترضى الجماعات الثلاث الرئيسية في العراق باقتسام السلطة أم أن البلد سيتجه نحو حرب أهلية؟
-يتعين عليهم اقتسام السلطة. نحن نؤيد وحدة الأراضي العراقية وندعم التمثيل الشعبي ونؤيد التناغم والترابط بين المجتمعات السُنية والشيعية والكردية. والقضية تتمثل في كيفية تحقيق هذا الهدف.
* هل تسببت أميركا في زعزعة استقرار المنطقة بغزوها للعراق؟
- كانت هناك انتخابات في العراق وهذا أمر جيد.وتمت كتابة وصياغة الدستور.ومن الصواب أن يتم تدريب وتشكيل قوة عراقية.وهناك حاجة إلى تعزيز تلك القوة حتى يتسنى للعراقيين تولي زمام الأمور ومن ثم يتسنى رحيل القوات الأجنبية من المنطقة في نهاية المطاف.
* تشير التقارير إلى أن العلاقات الباكستانية الهندية آخذة في التدهور. ما هو تقويمكم للموقف؟
- لم تكن العلاقات الهندية الباكستانية جيدة من قبل مثلما هي الآن. لا يوجد أي توتر ولا يوجد تبادل للنيران على الحدود بين الدولتين....ولكنني محبط لأنه لا يوجد تقدم بشأن القضية محور النزاع،وهي كشمير.
* لقد تقدمتم باقتراح لمنح كشمير حكما ذاتيا.
-لقد تقدمت باقتراحات ولكنهم لم يتقدموا باقتراحات مقابلة. لم يعلقوا على اقتراحاتي ويقولون إنني أتحدث إليهم عبر وسائل الإعلام.
* يقول الهنود إنهم لم يتقدموا باقتراحات بسبب أحداث العنف التي وقعت عبر الحدود بأيادي جماعات إرهابية تدعمها باكستان.
- تلك جماعات تعمل بشكل مستقل من دون أي توجيه من أي طرف وتنفذ الأجندة الخاصة بها... وإذا كانت الهند تعتقد أننا نرعى تلك الجماعات فأنا ليست لدي أي ردود على ذلك النوع من الاتهامات.
* ما مدى سيطرتكم على الجماعات الإرهابية التي حاولت اغتيالكم؟
- سيطرتنا عليهم جيدة للغاية. لقد تمت تصفيتهم، سواء عن طريق القتل أو الاعتقال.
* هل تعتقدون أن باكستان يمكنها أن تعتقل كبار قادة تنظيم القاعدة؟
- نستطيع ذلك في أي وقت يكون لدينا أهداف نرصدها. لقد قمنا بتدمير كل الأماكن التي يحتمون بها. وفي هذا الصدد كانت عندنا بعض الخسائر تمثلت في مقتل نحو 200 جندي.
- في أميركا لا يفهمون لماذا كل تلك الصعوبة في العثور على بن لادن؟
-لأنهم لا يدركون طبيعة البيئة التي نعيش فيها. هناك جبال شاهقة للغاية قد يصل ارتفاعها بين 000,10و000,15 قدم ولا توجد بنية تحتية للاتصالات كما أن هناك بعض الأطراف التي تساعدهم.
* هل تعتقدون أن الرئيس الأميركي جورج بوش يسير بشكل صحيح في حربه على الإرهاب؟ وهل تعتقدون أن الولايات المتحدة الأميركية تفهم العالم الإسلامي؟
ـ بالتأكيد هناك بعض الثغرات في فهم الغرب للعالم الإسلامي.... إن باكستان تقف ضد العنف والإرهاب والتطرف من أجل مصالحها وليس من أجل الولايات المتحدة الأميركية أو من أجل العالم.
* هل ترون أن الرئيس بوش يسعى وراء الهدف المناسب في سعيه للتخلص من القاعدة؟
-الهدف صحيح.غير أنه غير كامل لأن القوة العسكرية ليست غاية في حد ذاتها.وعلى المرء أن يتذكر هذا.فالقوة العسكرية تتيح لك الوقت كي تستغل كل الوسائل الأخرى من أجل سبر غور القضايا المحورية التي تتسبب في تنامي ظاهرة الإرهاب. فإذا لم نكن نستطيع رؤية ما يقف وراء الإرهاب فإننا لن ننجح أبدا. يتعين علينا التعامل مع التطرف. فالتطرف هو الذي يولد الإرهاب. هل تفكر الولايات المتحدة الأميركية في مخاطبة قضية التطرف؟ نحن لا نفهم حتى ماذا يعني التطرف. نحن دائما ما نخلط بين الإرهاب والتطرف. فالإرهاب شيء والتطرف شيء آخر. كل منهما يحتاج إستراتيجية مختلفة عن الأخرى بشكل كلي.
* ما هي تلك الاستراتيجية؟
-لقد طرحتُ فكرة الاعتدال المستنير التي يجتمع من خلالها العالم الإسلامي لرفض الإرهاب والتطرف ويسير على درب النمو الاقتصادي والاجتماعي.... يتعين على كل دولة مسلمة أن تدرك طبيعة بيئتها وتتصرف في ضوء إمكاناتها وطبيعتها. نحن تبنينا استراتيجية ضد التطرف تمثلت في النقاط التالية:
1- عدم السماح للجماعات المحظورة بالانصهار مع بعضها البعض والعمل على اعتقال قياداتها.
2- منع استخدام الميكروفونات في المساجد بشكل سيئ يحرض الناس على الانضمام إلى العمل المسلح.
3- منع المنشورات والمواد التي تحض على الكره والعنف والعمل على إغلاق المطابع وإيقاف الموزعين والناشرين الذين يساعدون على نشر تلك المواد. فضلاً عن إعادة صياغة المناهج المدرسية التي تتسبب في إشعال الفتن الطائفية والعمل على إعادة كتابتها بالشكل الذي يناسب الجوهر الأساسي للإسلام الذي هو دين يتعامل بشكل أكبر مع مسؤوليات المرء تجاه العائلة والأمة.
4- إصلاح نظم المدارس الدينية والعمل على صهر الطلاب في بوتقة المجتمع.
نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تبنت استراتيجية لمكافحة الإرهاب والتطرف.
* لقد فشلت الولايات المتحدة في تفهم الحاجة إلى استخدام ما هو أكثر من مجرد القوة العسكرية؟
- القوة العسكرية ليست هي الحل النهائي. يمكنك أن تقتل الناس ولكنك لن تحقق شيئا من وراء هذا. يقول الناس: فلتأتوا بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري.ولكنني أؤكد لك أننا إذا استطعنا أن نعثر على بن لادن والظواهري وقتلناهما فإن شيئا لن يتحقق. دعنا نكون واضحين في هذا الصدد.
* لأن قتلهم لا يعني أن المشكلات الحقيقية قد تم حلها؟
- بالطبع. بالله عليكم علينا ألا نكون قصيري النظر. هذان الرجلان لا يعنيان أي شيء. هل تعتقد أن ذلك الرجل الذي يقبع داخل جبال لا يمكن الوصول إليها هو الذي أمر بما حدث في إسبانيا ولندن؟ ستكون مخطئا بشكل مؤسف إذا كان هذا هو تفكيرك! لن يكون هناك طائل من القبض على هذين الشخصين.
ترجمة: حاتم حسين عن «واشنطن بوست»