يبرز المؤلف في هذه الحلقة سجل تشيني كجمهوري محافظ يحرص على الوصول إلى السلطة أكثر من حرصه على المبادئ. ويشير إلى المواقف التي اتخذها في الكونغرس من خلال سجل تصويته على بعض مشاريع القرارات التي كانت تطرح لإقرارها، حيث كان يلتزم جانب المعارضة لأي قانون من شأنه أن يجذر إلغاء التمييز العنصري أو يمس بمصالح الشركات الكبرى.
ومن هنا، فإننا لا نتعجب عندما يذكر المؤلف لنا رأي المناضل نيلسون مانديلا، زعيم جنوب افريقيا الشهير ضد التفرقة والتمييز العنصري، الذي وصفه بالديناصور وكبير المحافظين، وقال إنه ضلل بوش الابن في موضوع شن الحرب على العراق.
ويتضح لنا في هذه الحلقة أيضاً مدى جهل الأميركيين بسجل تشيني القذر، حيث يعزو مؤلف الكتاب ذلك إلى انهيار الصحافة الأميركية الجادة فتشيني لا يتورع عن استخدام كافة السبل والحيل والمكائد للوصول إلى أهدافه ويفضل العمل من وراء الكواليس، مما يمنحه صورة الرجل المتواضع أو رجل المقعد الخلفي.
ليس من شيم نيلسون مانديلا أن يسيء القول عن لاعبين بارزين على الساحة العالمية، لكنه يخرج عن هذه الشيمة كاستثناء بالنسبة لديك تشيني.
إن مانديلا رجل لطيف ومهذّب، يعترف، حتى في أصعب الظروف أنه، كحائز على جائزة نوبل للسلام ورئيس سابق لجنوب أفريقيا، يتوجب أن يكون موزوناً في تصريحاته عن الرجال والنساء الذين يحكمون الدول الكبيرة في العالم.
لكن الأمر أكثر من ذلك، فقد كان مانديلا دائماً دقيقاً جداً في ملاحظاته عن الرؤساء ورؤساء الوزارات، مدركاً أنه حتى عندما لا يبدو شخص ما حليفاً صريحاً فإنه قد يكون رفيقاً خفيّاً. ففي المرة الأولى التي قابلت فيها مانديلا، في أوائل التسعينات، ذهلت من حقيقة متمثلة في أنه نادراً ما فوّت الفرص للثناء على الرئيس جورج هيربرت ووكر بوش.
وقد اعترف مانديلا أنه مع أن بوش الأب لم يكن أبداً داعية ضد التمييز العرقي، فإنه لم يكن، مثل الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان أو رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، مدافعاً قوياً عن الأنظمة العرقية التي قتلت وشوّهت وسجنت أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي. كان مانديلا يعتقد أن الولايات المتحدة، بعد أن حلّ بوش محل ريغان كرئيس في عام 1989.
بدأت ترسل إشارات مختلفة إلى حكومة جنوب أفريقيا، التي قامت في وقت مبكر من ولاية بوش، بالإفراج عن مانديلا وقادة آخرين مسجونين من المؤتمر الوطني الأفريقي. كان بوش في واقع الأمر أول زعيم عالمي يتحدث مع مانديلا عن الإفراج عن قادة المؤتمر الوطني الأفريقي؛ لذلك كان الزعيم الجنوب أفريقي يتحدث بلغة جميلة عن بوش.
لكن ذلك لم يكن يعني أنه كان متحمساً إزاء الناس المحيطين بالرئيس الأميركي. عندما قلت أمامه إن كثيراً من الأميركيين قد يندهشون عندما يعرفون أنه كان يحمل مشاعر دافئة إزاء رئيس جمهوري، ابتسم ثم قال إنه أقل حماسة نحو وزير دفاع بوش. فقد قال مانديلا: «لست راضياً كثيراً عن تشيني».
وفي الحقيقة؛ فإن قلة من الشخصيات تستخف بمانديلا، مثل الرجل الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الولايات المتحدة.
* الديناصور
يشير مانديلا إلى تشيني على أنه «ديناصور» و «محافظ رئيسي». وحتى عندما انتقد اندفاع جورج دبليو بوش إلى الحرب في العراق في عام 2003، أوحى مانديلا بأن بوش الابن قد تعرض للتضليل. وقال مانديلا إن الشخص الذي ضلله هو تشيني. وإن نائب الرئيس لم يكن يريد لبوش أن «ينتمي إلى العصر الحديث».
ما الذي يجعل مانديلا، الذي صادق سجّانيه، وغفر لأعدائه، وشارك في جائزة نوبل مع قائد آخر حكومة تمييز عرقي، يعبّر عن الكراهية لتشيني؟ هل هو ببساطة حكم جيد على الطبيعة البشرية؟ ربّما، لكن الرئيس الجنوب أفريقي السابق محلّل قدير لتصرفات الرجال المشهورين.
وهو يذكر جيداً أنه عندما أجبر ديك تشيني المتكتّم جداً والمنغلق، على تسجيل مشاعره الحقيقية، كان باستمرار يقف إلى جانب أكثر القوى رجعية وعرقية وإثارة للاشمئزاز على وجه الأرض. هل يشعر نيلسون مانديلا بالقلق من كون ديك تشيني القوة الدافعة للرئاسة؟ يقول مانديلا: «لا شك في ذلك. فقد عارض القرار بالإفراج عني من السجن».
إن مانديلا لا يبالغ، وهو يقرأ سجل تشيني حين كان يتعرض بانتظام لأسئلة عن العرق والطبقية والحرب والسلام، ويستعير عبارة من جورج دبليو بوش: «الخير والشر». ومن الإنصاف أن نقول إن من بين الأصوات الكثيرة التي أعطاها تشيني في الكونغرس كانت الأصوات العشرة التي أعطاها ضد التحركات للضغط على جنوب أفريقيا لإنهاء التمييز العرقي، كانت الأسوأ.
وربما كان أسوأها تصويته في عام 1986 ضد قرار يعبّر عن إحساس المجلس بأن على الرئيس، عندئذ، رونالد ريغان، أن يطلب من جنوب أفريقيا الإفراج فوراً وبلا شروط عن مانديلا وسجناء سياسيين آخرين.
لكن علاوة على هبّة قصيرة من الانتباه الذي جاء فور اختياره لنفسه كمرشح جمهوري لمنصب نائب الرئيس في عام 2000، فإنه لم يطلب من تشيني أن يقدم بياناً حول سجل تصويته في المجلس. ولو أنه فعل ذلك لما تم التفكير فيه كطامح صالح لمنصب وطني أو كلاعب مهم على الساحة الدولية.
وفي الحقيقة، يمكن القول بنزاهة إن سجل تصويت تشيني حول شؤون السياسة الخارجية تتم مناقشته في وسائل إعلام أفريقيا بصورة أكبر مما يجري في إعلام الولايات المتحدة.
أن يظل كثير من الأميركيين غير مدركين لتطرف تشيني الأيديولوجي هو أمر يوفر دليلاً على انهيار الصحافة السياسية الجادة في الولايات المتحدة. يشكو تشيني مرارا حول الإعلام، لكن عندما تصل الأمور إلى أكثر خياراته غموضاً؛ فإنه ينجو من الثرثرات التي تتناول السياسة في الولايات المتحدة.
يحلل المراقبون الأميركيون، بين الحين والآخر، سجل تشيني كعضو في مجلس النواب خلال فترة عشر سنوات من 1979 إلى 1989، وفق علاقاته الودية مع زملائه في الكونغرس.
وعبرت التقارير الإخبارية، في الأيام التي تلت اختيار تشيني لنفسه للانضمام إلى بوش في تذكرة 2000 الجمهورية، عن سنوات تشيني في المجلس، ووصفته بأنه «مشرّع متبصّر، عميق التفكير، صريح ومتمالك لنفسه»، «ومجبول على أن يصبح رئيساً».
لقد صورته مقالة في إحدى صحف فيلادلفيا «بأنه مرشح ودود ذو أخلاق عالية ليس منظراً». عند قراءة قصاصاته الصحافية، يمكن أن تعتقد أنه «السيد موافق» بشكل منتظم. لكن تشيني لم يكن أبداً «الشخص اللطيف» المعتدل الذي روّجت له آلة نسج الحكايات الباطلة.
«إنه قادر على أن يظهر هادئاً وعقلانيا جداً، لكن هنالك هذا الجانب الآخر،» هكذا قال مساعد في الكونغرس تعامل مع تشيني خلال المعارك حول تمويل قوات الكونترا التي كانت تسعى إلى الإطاحة بحكومة نيكاراغوا، لفيل ماكومبس، الكاتب في صحيفة الواشنطن بوست، الذي كان واحداً من الصحافيين القلائل الذين كتبوا بجدّية عن تشيني.
وأضاف: « كان هنالك قسوة، تلك السخرية التي تجعله يعزو الدوافع السيئة لخصومه، ويعتبرهم مشبوهين ومؤيدين للشيوعية. كان هنالك سموم، كان يطلق بعض الملاحظات الشريرة. إنه يثير الفزع في نفسي».
* البعوض المزعج
رغم كل المحاولات لتصوير نفسه بأنه مشرّع دمث الخلق ذو عين على التفاهم، فإن الحقيقة أن تشيني كان يكنّ احتراماً ضئيلاً للكونغرس أو أعضائه، وحتى حين كان يخدم في مجلس النواب، فإنه كان يكافح لتقويض قدرة الفرع التشريعي على محاسبة الفرع التنفيذي.
وبعد مغادرته للمجلس ليصبح وزير دفاع، حسبما قال أحد أصدقاء تشيني لصحيفة نيويوركر، بدأ في الإشارة إلى زملائه السابقين على أنهم مجموعة من البعوض المزعج.
وعلاوة على ذلك، كان تشيني منظّراً، فبعد سبع سنوات في مجلس النواب، أشارت إليه الواشنطن بوست بأنه «معتدل». وبدلاً من الاحتفال بحظه بإبقاء آرائه المتطرفة تحت رادار الصحافة الوطنية، أمر تشيني أحد مساعديه بالاتصال بصحيفة الواشنطن البوست ومطالبتها بتصويب.
واستذكر المساعد، وهو ديف غريبن، أن تشيني قال: «أرجو أن تتصل مع البوست وتخبرها بأنني محافظ، ألا يتفحصون سجل تصويتي؟ إن لي سجل تصويت ويجب عليهم أن ينظروا إليه».
لا بأس، علينا أن ننظر إلى السجل. فمن بين 435 عضواً في مجلس النواب، كان ديك تشيني:
* واحداً من أربعة صوّتوا ضد «قانون الأسلحة النارية التي لا يمكن اكتشافها» لعام 1988، وهو إجراء كتب لحظر إنتاج واستيراد البنادق البلاستيكية والأسلحة الأخرى، التي تحتوي على قليل جداً من المعدن، حتى إن أجهزة الكشف عن المعادن لا تستطيع اكتشافها.
وقد أدى القلق إزاء احتمال أن يقوم الإرهابيون بتمرير الأسلحة النارية عبر المطارات وإلى المباني العامة، إلى تصويت أكثر مؤيدي أجندة «اتحاد البنادق الوطني» حرصاً على التصويت مع القانون، لكن ليس تشيني.
* واحداً من ثمانية عارضوا في عام 1987 تجديد «قانون كبار السنّ الأميركيين»، الذي يوفر خدمات التغذية والإعالة للمسنين. ولو نجح موقف تشيني المتطرف، لتمّ إغلاق برنامج الـ 6,1 مليار دولار، وهو واحد من البرامج الرئيسية التي تضمن عدم معاناة المسنين الأميركيين من الجوع.
* واحداً من ثمانية عارضوا في عام 1987 إحياء برنامج التطعيم الفدرالي، الذي كان يقدم التعويض للولايات عن تكاليف توفير المطاعيم للأطفال.
* واحداً من ثمانية عارضوا في عام 1987 إحياء «قانون الهواء النظيف».
* واحداً من تسعة عارضوا «قانون البحث البيئي والتطوير والتجارب» لعام ،1984 الذي خصص حوالي 300 مليون دولار سنوياً لدراسات وكالة حماية البيئة حول المخاطر البيئية على الصحة العامة والسلامة.
* واحداً من تسعة عارضوا في عام 1987 إحياء سلك الخدمة الصحية، وهو البرنامج الذي كان يدفع التكاليف التعليمية للأطباء الذين يوافقون على العمل في المدن الداخلية والمناطق الريفية المحرومة من الخدمة الصحية، وفي المحميات الهندية.
* واحداً من تسعة عارضوا في عام 1988 السماح للموظفين الفدراليين بأخذ مغادرة من العمل لرعاية أفراد الأسرة المرضى.
حتى يكون منعزلاً بشكل متكرر جداً، وحول قضايا رئيسية كهذه، في «نادي الأقل من عشرة» في مجلس تشريعي كبير جداً ومتنوع أيديولوجياً، مثل مجلس النواب الأميركي الذي يتكون من 435 عضواً، فإن هذه لم تكن مهمة سهلة لرئيس سابق لطاقم البيت الأبيض، الذي كان بفضل سيرته الذاتيه عضواً بارزاً.
ربما كان من المتوقع من قدرته المتطورة على الصمود السياسي ـ والتي كانت دائماً تثبت أنها أقوى من دوافعه الأيديولوجية ـ أن تحركه نحو اليسار في أي سياق سياسي آخر. لكن تشيني كان يصوّت بهدف، فكان يعطي أصواته في مجلس النواب وعينه على زيادة مصداقيته لدى الكتلة المحافظة الصاعدة في الحزب. وهو بفعله ذلك كان يضع نفسه في وضع يصبح معه قائد المؤتمر الجمهوري، وبأسرع ما يمكن، رئيس مجلس النواب.
ومع أن تشيني كان مرتاحاً مع أيديولوجيتهم؛ فإن أياً من أصواته في المجلس لم تكن جرائم ذات هوى سياسي. ولكنها كانت «مجازفات» محسوبة بهدوء ترمي إلى تجديد آفاقه السياسية والتعلق بالسلطة، التي انهارت عندما أجبر على التخلي عن منصب رئيس طاقم البيت الأبيض.
وبعد أن قاد فورد إلى الهزيمة في عام 1976 كان تشيني بضاعة تالفة سياسياً. فقد ترك البيت الأبيض عندما غادره فورد، وعاد إلى شركة برادلي وودز، وهي مؤسسة استشارات استثمارية في واشنطن، والتي تم إبعاده إليها من حكومة نيكسون.
كان تشيني متهوراً في سعيه للعودة إلى الساحة السياسية؛ لكن ديمقراطيي جيمي كارتر كانوا يسيطرون على البيت الأبيض، وكان هنالك عدد قليل من المناصب الرفيعة لمستشاري فورد السابقين في الكابيتول هيل، حيث كان «أطفال ووترغيت» الديمقراطيون يحركون مجلس النواب ومجلس الشيوخ إلى اليسار.
وحتى في الحزب الجمهوري، حيث كان رونالد ريغان في صعود، كان ارتباط تشيني بجناح فورد، الأكثر اعتدالاً في الحزب، يشكل عبئاً، ولم يكن هنالك أي مجال سهل للصعود.
ومن حسن حظ تشيني أن تينو رونكاليو كان يحنّ إلى موطنه.
إن رونكاليو ابن لمهاجرين إيطاليين، جاء والده للعمل في مناجم روك سبرينغز ـ وهي مدينة في ويومنغ كان تشيني يفرط فيها في الشرب بعد الخروج من ييل ـ حيث كان مساعداً سابقاً لسناتور ويومنغ الديمقراطي، جوزيف سي أوماهوني، وهو رجل شعبي غربي من المدرسة القديمة، دافع عن الدستور وشكّ في حكمة المغامرات العسكرية الأميركية والاشتباكات في الخارج.
طرح رونكاليو نفسه كمرشح ديمقراطي عن مقعد مجلس النواب الأميركي الوحيد من ويومنغ في عام 1964، وهو العام الذي أصبح فيه ليندون جونسون آخر مرشح ديمقراطي للرئاسة يكسب ويومنغ. وأدى انتصار جونسون الكاسح إلى وصول رونكاليو إلى مجلس النواب، حيث قدم كنائب وحيد عن ويومنغ حتى عام 1978.
وكان يشار إلى رونكاليو في بعض الأحيان على أنه «آخر ديمقراطي عن يومنغ»، وهذا صحيح لأنه لم يفز أي ديمقراطي في انتخابات فدرالية في تلك الولاية منذ أن ترك المنصب.لكنه كان أكثر شعبية من حزبه، وكان يمكن أن يفوز بفترة أخرى في عام 1978.
وهذا شيء مؤكد، لأنه ما كان لأي شخص واشنطني مثل ديك تشيني، الذي تُعدّ صلابته في مسيرة الحملة الانتخابية شيئاً أسطورياً، أن يشكل تهديداً ذا بال لرونكاليو الجذاب والواعي سياسياً. لكن تينو، الذي كان في الستينات من عمره، ملّ من الكونغرس وأعلن في عام 1977 أنه لن يسعى إلى فترة أخرى.
وفجأة تذكر ديك تشيني مدى رغبته الشديدة الدائمة في تمثيل ويومنغ في مجلس النواب الأميركي.
* ملوك الهيل
ورحلت أسرة تشيني من واشنطن لتستقر في كاسبر، وهي المدينة التي كانت الأسرة قد هجرتها قبل عقد. وإذا تمكن ديك من تأمين انتخابه للكونغرس؛ فإنه سيعود إلى اللعبة. وفي الحقيقة؛ فإن الرجل الذي سيكتب مع زوجته نصاً يمكن نسيانه بسرعه، عن رؤساء مجلس النواب بعنوان «ملوك الهيل»، كان قد قرر أنه يمكن له، وسوف يصبح أقوى جمهوري في الكابيتول هيل.
كان هدفاً أكثر من جريء لمدير حملة فاشل لم يرشح نفسه أبداً لمنصب عام. لكن تشيني، الذي كان مشروعه الرئيسي كطالب خريج في جامعة ويسكونسن، دراسة عن كيفية تأثر أنماط التصويت في المجلس بالضغوط الحزبية، اعتقد أنه بوضع نفسه في وضع يصعب معه لقادة الحزب أن يستغنوا عنه، وبوضع نفسه في المكان المناسب أيديولوجياً، فإن بإمكانه أن يحقق ما يريد. وقد حقق ذلك تقريباً، بفضل كل تلك الأصوات اليمينية راديكالياً.
وأخذ تشيني، الذي طارده تحدي الريغانيين في عام 1976، يدرك أن الحزب الجمهوري بدأ مسيرة طويلة نحو اليمين، وكان واضحاً أن المحافظين سوف يفصحون قريباً عن نواياهم في «الحزب الكبير القديم»، لذلك انطلق رئيس طاقم آخر رئيس جمهوري معتدل في البلاد إلى إعادة رسم نفسه كألأم محافظ بينهم جميعاً.
وكان تشيني سيحتاج إلى القيام ببعض العمل لإقناع المحافظين بأنه واحد منهم، مع أن مراقبين أذكياء مثل مساعد فورد، روبرت هارتمان، أدركوا في سنوات سابقة أن تشيني كان فعلاً واحداً من القبيلة ـ لكن سيكون عليه أولاً أن يقنع الناس في ويومنغ أنه واحد منهم.
وبينما قرأ ناخبو ويومنغ اسم ديك تشيني في الصحف، فإنهم لم يكونوا يعرفونه بشكل جيد، فكتيبات الحملة المصقولة، التي وزعتها حملته الممولة جيداً بشكل غير مألوف في عام 1978، حملت العنوان: «من هو ديك تشيني ولماذا يرشح نفسه للكونغرس؟» وما كان يعرفه أبناء ويومنغ من أمور قليلة عن تشيني لم يحبّوها، فقد كان جمهوريو الولاية قد غضبوا في عام ،1976 مثلاً، عندما ضغط عليهم لمساندة فورد، ابن واشنطن من شرق المسيسيبي ضد ريغان، الغربي، لترشيح الحزب للرئاسة.
وكان أول تحدّ أمام تشيني في عام 1978 أن يكسب الترشيح الجمهوري ضد مرشحين «محليين» أشارا إليه على أنه «شخص نفعي»، لقد طرح أمين خزانة الولاية إد ويتنرنبيرغر، وجاك غيج، وهو ابن سياسي بارز في ويومنغ، سؤالاً منطقياً: ألم يكن تشيني يستغل ويومنغ لمجرّد الحصول على وظيفة جديدة في واشنطن؟
وردّ تشيني على السؤال بأنه جمهوري مهم جداً، ذو ارتباطات وطنية يمكن أن تسمح له بخدمة ويومنغ في واشنطن. وكانت المواد الدعائية للحملة تضخّم سجل تشيني بشكل كبير، حتى إن الصحافي لو كانون أشار ،خلال تغطية الحملة، إلى أن الأمر بدا «وكأن جيرالد فورد قد ساعد تشيني في إدارة البلاد»، وابتسم تشيني وقال: «إنه تعليق لطيف».
لقد فسر كانون، وهو واحد من الصحافيين المفضلين لدى تشيني، التعليق بأنه محاولة ترمي إلى الدعاية. لكن تشيني كان يخوض حملة كبيرة جداً، فلم يكن هنالك ما يدعو إلى الدعابة أو المزاح إزاء خطة الرجل الطموح، ابن السابعة والثلاثين، لإعادة مهنته السياسية إلى مسارها، ولم يكن هنالك أي شيء ذي شعبية إزاء برنامجه أو مهاراته في التحدث مع الناس.
وقد وصف ظهوره في الحملة بأنه أشبه ما يكون بالحلقات الدراسية أو الندوات. ولم يكن وضعه في الاستطلاعات جيداً بشكل خاص، فوفقاً لكانون فإن اسم تشيني «لم يكن معروفاً كما كان يريد» وكان ويتنرنبيرغر، الذي فاز في سباق على نطاق الولاية، يمضي بقوة.
وبعدئذ، أصيب تشيني بأول نوبة قلبية، فكانت نعمة بالنسبة له. يمكن أن تكون النوبة القلبية لمعظم الرجال في سن السابعة والثلاثين تطوراً مزعجاً، لكن بالنسبة لشخص يحمل طموحات ديك تشيني، أصبحت مشكلاته الصحية دعاية انتخابية ممتازة، فقد قال كانون: إن التغطية الكاملة للنوبة القلبية وتعافي تشيني منها حلاّ مشكلة معرفة الاسم».
وحتى قبل أن يتعافى تماماً من النوبة الخفيفة، قام المرشح بتلفيق لجنة حملة زائفة تحت اسم «أدوية قلب لتشيني»، لاستغلال الأصوات المتعاطفة، ففي رسالة من صفحتين، والتي زعم أنها كتبت وهو على سرير المرض، قام تشيني بإعلام الناخبين الجمهوريين أنه أقلع عن عادة التدخين، حيث كان يدخن ثلاث علب من السجائر.
وأنه سيواصل الحملة لأنها أعطته «إحساساً بالهدف». ونجح التكتيك، وفاز تشيني في الانتخابات الجمهورية التمهيدية بسهولة، ومضى لمواجهة الديمقراطي بيل باغلي، وهو مواطن من الجيل الرابع في ويومنغ، ومساعد سابق لرونكاليو، والذي أشار مدير حملته قائلاً «كانت ويومنغ خيار تشيني الثاني.
فعندما كان يواجه مصاعب في الكلية، عاد إلى ويومنغ، وعندما أصبح بلا عمل بعد خسارة فورد، جاء إلى ويومنغ». كان الانتقاد في محلّه، وكان يمكن له أن يكون ذا صدى في سنة أخرى، لكن في سنة ،1978 وبعد أن هبطت شعبية الرئيس كارتر إلى 25% في الولاية.
حيث تم تصوير السياسات الديمقراطية إزاء البيئة والعامة على أنها «حرب على الغرب»، فإن صعوداً جمهورياً قد حمل تشيني إلى النصر. فبعد سنتين من هزيمة فورد ،كان رئيس طاقم البيت الأبيض السابق يعود إلى واشنطن كعضو كونغرس جديد.
كان تشيني قد فقد الأرضية للتعويض، لذلك تحرك بسرعة، لكنه في هذه المرة تصرف بشكل استراتيجي أكثر مما فعل في البيت الأبيض إبان نيكسون وفورد، فلم يعد يتعلق بأذيال دونالد رامسفيلد، وأخذ أخيراً يكتسب القدرة التي افتقر إليها كمساعد شاب في البيت الأبيض.
كما أنه كان يطوّر علاقات حقيقية مع المشرفين الماليين في الحزب، من مقعد في اللجنة الداخلية، التي كانت تملك الصلاحية حول قضايا التعدين والتنقيب، وبدأ يجمع تبرعات كبيرة للحملة من صناعات النفط والغاز. لكن أكبر مصدر قوة له كان خارطة الطريق، التي وضعها لنيل السلطة في المجلس نفسه.
ففي كتاب «ملوك الهيل»، الكتاب الذي وضعه في عام 1983 مع لين تشيني حول رؤساء مجلس النواب، فصّل تشيني المسارات التي رسمها رؤساء المجلس السابقون سعياً وراء السلطة. وكانت النقطة التي حدّدها باستمرار هي الرغبة في تولّي المهمات المعقدة والمسؤوليات غير الجذابة، التي كانت رئيسية للحزب، وكان تشيني يفعل الشيء ذاته.
في الوقت الذي كان فيه في فترته الثانية، كان عضو الكونغرس ابن الأربعين قد تولّى المهمة غير المحددة نسبياً، وهي رئاسة لجنة السياسات الجمهورية في مجلس النواب. وكانت هذه الوظيفة ملائمة لشخص كان يقصد الصعود كرجل داخل الحزب، وكان تشيني يعيد صنع نفسه كجمهوري يميني مناسب.
وفيما كانت حكومة ريغان الجديدة تخرج على الأنماط القديمة بالشراكة بين الحزبين، لصالح نهج أكثر أيديولوجية نحو الحكم، وضع تشيني نفسه كرجل محوري للبيت الأبيض وحلفائه المحافظين في الكونغرس. وهنا يقول الصحفي والمؤرخ جيمس مان: كلما كان هنالك اجتماع وراء الأبواب المغلقة في الكابيتول هيل، حيث كان جمهوريو الكونغرس يضعون سياساتهم أو استراتيجيتهم، كان تشيني في الداخل».
* الهوية الجمهورية
وكما هو حال زميله ومنافسه أحياناً، نيوت غينغريش، كان تشيني يصيب في تقدير أن الجمهوريين سوف يحتاجون، من أجل تحسين موقفهم في البيت الأبيض، إلى إعطاء الحزب الهوية التي كان يفتقر إليها في السبعينات. وفي مظهره الجديد، يمكن أن يصبح الحزب الجمهوري محافظاً بشكل أسرع وأكثر ارتياباً من قبل:
يمكن لحزب ابراهام لينكولن وأنصار إلغاء العبودية أن يعززوا بقايا قضية الفصل العنصري في الجنوب ورجال الدين الأكثر تعصباً: يمكن أن يصبح حزب تيدي روزفلت ومعزّزو الثقة، الأداة السياسية لدامجي الشركات والاحتكاريين.
وأخذ ديك تشيني يضع نفسه في أفضل موقع يريده: وراء الكواليس، حيث كان يتم القيام بالعمل القذر. وفيما كان يرتقي على سلم هرم المؤتمر الجمهوري في المجلس، حيث أخذ زعيم الأقلية التائه، بوب متشيل، يشير إلى عضو الكونغرس عن ويومنغ بأنه «ذراعي الأيمن» ـ أصبح تشيني أكثر محورية للمشروع المحافظ.
وبينما كان يعمل بشكل جيد مع الجمهوريين الأكثر اعتدالاً في المجلس ـ مدركاً أنهم طالما ظلوا حوله، فإنهم سيدلون بأصواتهم في سباقات القيادة ـ كان يحثّ اليمينيين على الترشح للمقاعد المفتوحة.
ويدعمهم على المرشحين ذوي التوجه الرئيسي، ففي عام 1986، مثلاً، كان الجمهوري البارز الوحيد في البلاد الذي يتبنى المرشد الروحي لنظرية العرض الاقتصادية، آرثر لافر، في الانتخابات التمهيدية في كاليفورنيا لمجلس الشيوخ الأميركي، ومع أن لافر خسر فإن كثيراً من المرشحين الذين شجعهم تشيني قد فازوا.
ومع نهاية الثمانينينات، اعتلى تشيني المدّ اليميني المتصاعد، وفي عام 1987 تم انتخابه رئيساً للمؤتمر الجمهوري في مجلس النواب، وبعد سنة، اختير كحامل السوط الجمهوري في المجلس المكلف بتطبيق الأنظمة الحزبية، وحمل نواب الحزب على حضور الجلسات المهمة، مما جعله الرجل الثاني للحزب في المجلس الذي كان قد انضم إليه قبل عقد فقط.
إن صانعي الأساطير، الذين يصوغون السير الذاتيه الرسمية، قد كتبوا قصة صعود تشيني السريع داخل المجلس بطريقة تعزز الوهم بأنه ارتقى بسبب مهارات متفوقة فقط. ولأسباب يتوجب أن تكون واضحة، يهملون العنصر الأيديولوجي الذي كان أكثر حسماً. فقد ميّز تشيني نفسه في وقت كان فيه المحافظون يتقدمون بقوة بإرساء مؤهلات يمينية خالية من العيوب.
في واشنطن رونالد ريغان، كان العمل على اليمين، وكذلك كان ديك تشيني، ومن سوء الحظ أنه انتهى بالجانب الخطأ كثير من التاريخ وخلّف سجلاً دائماً.
كانت أصوات تشيني في الكونغرس، وهي المقياس الحقيقي لخدمته في المجلس، هي في حقيقة الأمر أصوات المحافظ المتشدد والديناصور التي وصفها نيلسون مانديلا. إلى أي مدى كان عضو الكونغرس ديك تشيني يمينياً؟
لقد وجد فعلاً مجالاً على يمين رونالد ريغان، فوفقا لمجلة كونغريشينال كوارترلي، كان تشيني يردد صدى موقف ريغان بنسبة 79% فقط من الوقت عندما خدم الرجلان في واشنطن، لكن تشيني صوت «كمحافظ» 89 من الوقت، وترجمة ذلك أنه عندما توجه ريغان نحو اليسار، بقي تشيني على اليمين. وقد قال نيوت غينغريتش، الذي انتخب للمجلس مع تشيني في عام ،1978 قال بعد أن غادر الإثنان المجلس:
«كان سجل تصويت تشيني أكثر محافظة مني بعض الشيء». فإذا كان ريغان وغينغريتش ليبراليين مفرطين بالنسبة لتشيني، فمع من صنع القضية المشتركة؟
ذكرت مجلة بيزنس ويكلي في مقالة نشرت في عام 1998: أن تشيني، خلال عشر سنوات في مجلس النواب، ممثلاً سجل تصويت محافظ، نافس السناتور جيس هيلمز.
وهو داعية الفصل العنصري من نورث كارولينا، الذي حظي بالاحترام بانتخابه لمجلس الشيوخ في عام ،1972 ما كان ليعتبر مرشحاً موثوقاً لمنصب الرئيس أو نائب الرئيس، لكن ديك تشيني كان يدلي بالأصوات نفسها، وأصبح نائباً للرئيس بالاسم، ورئيسا في الواقع.