جاءت التكلفة العالية التي تطلبها مشروع «الجامعة الالكترونية» الذي كانت الحكومة البريطانية بصدد إطلاقه لتثبت أمراً مهماً لجميع المعنيين بالأمر، ألا وهو ضرورة الشروع في تنفيذ شراكات فعالة بين علماء التقنية والأكاديميين والطلبة في مختلف المراحل العمرية.

وأثبتت التطورات المتلاحقة في مجال العلم والتكنولوجيا في الأعوام الأخيرة، والتي تمخض عن بعضها ما يطلق عليه التعليم الالكتروني والجامعة اللاسلكية ـ أثبتت تلك التطورات أنه في ظل التخطيط المناسب والسليم يمكن إطلاق شراكات ناجحة في مجال التعليم الالكتروني.

على امتداد السنوات السبع أو الثماني الماضية، أخذت الجامعات والكليات في الولايات المتحدة الأميركية في تقديم التقنية اللاسلكية داخل الحياة الأكاديمية في البلاد، وفي بريطانيا وفي عدة جامعات في مختلف أنحاء العالم بدأ إطلاق مشروعات منذ التسعينات تهدف إلى تكريس بيئة التعليم اللاسلكي والتغلب على معوقات التكنولوجيا السلكية التقليدية.

وأجمعت الدراسات العلمية التي تم وضعها في هذا الشأن على ان المنافسة المحتدمة التي تشهدها سوق العمل في مختلف أنحاء العالم تزيد من التحديات المفروضة على الطلبة وتحتم صقل المهارات بشكل يتماشى مع معطيات العصر، التي تأتي على قمتها التكنولوجيا اللاسلكية والرقمية.

إن الطلبة الذين يستفيدون من تقنيات ما يعرف بالتعليم الإلكتروني، أو «المتحرك» Mobile Education كما يطلق عليه البعض، يكونون بالفعل على اتصال بالإنترنت طوال الأربع والعشرين ساعة يومياً وذلك من خلال وجودهم في الحرم الجامعي.

أو في المكتبة أو قاعة المحاضرات أو حتى أثناء مشيهم في الشارع من خلال ما يحملونه من أجهزة كمبيوتر محمولة وأجهزة المساعدة الشخصية ووحدات البلوتوث والكاميرات الرقمية، الأمر الذي يمكنهم من التعامل مع معطيات العصر بشكل أكثر فعالية.

ومما يسهل من عملية تطوير شراكات في هذا المجال تلك الحقيقة المتمثلة في أن الجيل الحالي من الشباب لا سيما من الدارسين في المرحلتين الثانوية والجامعية على دراية واسعة بتلك التقنيات المتطورة.

وذلك إما من خلال السيارات التي تعمل بالنظام العالمي لتحديد المواقع (جي بي إس)، التي في العادة يمتلكها آباؤهم، أو عبر الهواتف النقالة بما وصلت إليه من تطور وتعقيد كبيرين على امتداد السنوات الماضية.

وفي هذا الصدد قررت الكثير من الدول الأوروبية المتقدمة من خلال وزارات التربية والتعليم بها أن تتوقف عن بناء معامل الكمبيوتر التي تخدم نطاقاً واحداً ومحدوداً من الأنشطة والتركيز بشكل أكبر على تأسيس غرف متعددة الأغراض والأنظمة التي بوسعها أن تخدم أنشطة متعددة.

تلك الغرف تستخدم مقاعد ومكاتب متحركة وأجهزة عرض لاسلكية وحوائط بيضاء تفاعلية وتهدف إلى خلق بيئة تفاعلية تساعد على التعلم بشكل بناء وإيجابي.

ومن أجل بناء منظومة متكاملة تساعد الطالب على الاستفادة الكاملة من عملية التعلم بدأ العديد من الجامعات على مستوى العالم في منح أدوار أكبر وأكثر فاعلية للمساحات التقليدية الموجودة في كل المؤسسات التعليمية والمخصصة للاسترخاء والتعارف بين الطلبة مثل المطاعم الصغيرة وأماكن تناول المشروبات .

وذلك حتى تتحول إلى أماكن مجهزة بأحدث التقنيات يتبادل فيها الطلاب الأحاديث عن الدراسة بشكل غير مباشر، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على مستوى الطلبة بشكل عام.

وأوضحت الدراسات التي أجريت في هذا الشأن أن الجامعات التي تحتوي على أبنية مخصصة إلى التعليم المحمول تمتد إلى خارج النطاق المكاني للجامعة وأبنية الكليات هي بالفعل المؤسسات القادرة على تشجيع الطلبة على أن يكونوا أكثر تحركا.

ً ونشاطاً في طلب العلم وأكثر قدرة على تطوير عادات تعلم صحية والحصول على معلومات تساعدهم في مشوارهم الدراسي من أكثر من مصدر وعدم الركون إلى التقليدية في العملية التعليمية.

ويعتمد قرار الانتقال إلى نظام التعليم الالكتروني والاعتماد على خلق بيئة تعليمية إلكترونية سليمة يعتمد على عدد من العوامل التي ينبغي توافرها لدى الجهة التعليمية التي تعتزم اتخاذ تلك الخطوة.

أهم تلك العوامل المرتبطة بمؤسسات التعليم العالي هي كيفية تصميم وتنفيذ نظام تعليمي معقول التكلفة وآمن ويتمتع بنطاق عريض من الخدمات ومساحة كافية تخدم الأغراض التعليمية المختلفة والمتنوعة التي يُراد تدريسها للطلاب.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن تكلفة تطوير وتوسيع شبكة لاسلكية أصبحت أقل تكلفة بكثير من إنشاء بيئة تعليمية تقليدية بحسب بعض التقديرات التي أجريت في هذا الشأن.

وتوضح تلك التقديرات أن تكلفة أدوات التكنولوجيا اللاسلكية قد تقلصت بشكل كبير في السنوات الأخيرة في الوقت الذي تزايدت فيه فعاليتها ودقتها.

كما يتضح من خلال تجارب الدول التي أقدمت على تبني تلك الاستراتيجية أن استخدام البطاقات اللاسلكية ومحولات «يو إس بي» يسمح للمسؤولين بتقليص الاعتماد على الفنيين الاختصاصيين.

وذلك لأن المستخدم العادي لتلك التقنيات يمكنه عن طريق تلك البطاقات الاتصال بالشبكة والتعامل مع التقنيات اللاسلكية بأقل قدر ممكن من المعرفة التقنية من دون الحاجة إلى فنيين اختصاصيين قد يكبدوا الدولة أو الجامعة أو المدرسة المعنية مبالغ طائلة.

وفي الوقت الذي لا يمكن فيه اعتبار عملية بناء بيئة تعليمية لاسلكية فعالة أمراً هيناً، إلا أنه يمكن في الوقت نفسه الاستفادة من النماذج التي قدمتها جامعات مثل كارنيجي مليون والجامعة الأميركية في واشنطن اللتين قدمتا مثالين يمكن الاستفادة منهما من قبل البلدان الأخرى الراغبة في اتباع المنهج التعليمي ذاته.

وتثير معظم الدراسات العلمية التي تتناول قضية التعليم الإلكتروني السؤال التالي: كيف يمكن لتلك البيئة من التعليم «المحمول» أن تغير أساليب التدريس والتعلم؟ وتبين تلك الدراسات أن البنية اللاسلكية التي تقوم على استخدام الأجهزة المحمولة ووحدات المساعدة الشخصية الرقمية وغيرها من التقنيات الحديثة ـ تلك البنية توفر بيئة تعليمية سليمة من خلال ما يلي:

ـ التواصل: وهو الأمر الذي يتحقق من خلال كون الطالب والكلية على اتصال دائم بعالم المعلومات 24 ساعة يوميا و 356 يوما في السنة أينما وجدا.

ـ التطور: المشاريع الطلابية التي تعد عن طريق استخدام الحواسيب النقالة والدفترية تكون في الغالب أكثر تعقيدا وتطورا وخدمة للمجتمع المحيط.

ـ التوافق: جميع الطلبة يكون لديهم اتصال بالبرمجيات والعتاد الحاسوبي ذاته، وهو الأمر الذي ينطبق كذلك على الكليات.

ـ تطوير عمليتي التدريس والتعليم: وهو ما يعني التغلب على المشكلات المتعلقة بالمعدات، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى توفير مزيد من الوقت والموارد بشكل يمكن من خلاله توجيه اهتمام أكبر بعلم أصول التدريس.

ـ التوفير: إن استبدال الكمبيوترات النقالة بالمكتبية وما تتضمنه من شبكات وعتاد اليكتروني ضخم هو أمر يوفر مزيداً من المال بشكل قاطع.

ـ التوحيد: إن وجود منصة معلومات موحدة هو أمر يعظم من استفادة جميع المعنيين ويمكنهم من استخدام كل التقنيات المتاحة ويقلص من الحاجة إلى الاعتماد على الخبراء والمساعدة التقنية الباهظة التكلفة.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لمشروعات «الجامعات اللاسلكية» باعتبار أنها تنطلق من برامج تعتمد في المقام الأول على اعتبارات مالية وتقنية وليس على اعتبارات منهجية، إلا أن لتلك البرامج إيجابياتها العديدة التي تتضح من المحاولات الناجحة في هذا الصدد والتي لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الأشكال.

ترجمة: حاتم حسين