الإيجابيات التي رافقت قرار تأنيث المدارس كانت كبيرة، فعملية التأنيث لم تأتِ من فراغ ووجدت من واقع معالجة بعض القضايا الملحة، فإلى جانب أن التلميذ في مراحل حياته الأولى لا يمكن أن يستغني عن أمه، استطاعت تجربة التأنيث لمدارس البنين التأسيسية في مختلف المناطق التعليمية توطين أكثر من 12 ألف مهنة لمعلمة وإدارية.
يرى عبد الله زعل، مدير المكتب الفني لوزير التربية والتعليم أن التأنيث كان قرار الحكومة التي تنشد المصلحة العامة والفائدة الكبيرة والمحققة، وتم توطين آلاف المهن التي كانت تنتظرها الخريجات في طوابير وزارة التربية.ومن خلال دراسة متكاملة للميدان تبين أن الطفل الصغير يكون أقرب إلى الأم ويبقى ملتصقاً بها، فكانت المدارس المؤنثة حلاً واقعاً ومجدياً على أكثر من صعيد.وعن مسألة ضبط المعلمة للفصل الدراسي واستجابة التلاميذ وتحقيق الفائدة المرجوة من التعليم أكد أن المرأة أقدر من الرجل على التعامل مع التلاميذ الصغار وعلمياً وواقعاً تبقى الفائدة أوفر.
ولو كانت غير ذلك لما استمرت المدارس الخاصة الأساسية والثانوية وحتى الجامعات بالاعتماد على العنصر النسائي في التدريس، وهذا مؤشر على نجاح هذه التجربة وإن وجدت بعض المشكلات البسيطة.ولفت إلى أن العجز في الإدارات المدرسية موجود في جميع مناطق الدولة وتوجد لدى الوزارة خطة طويلة المدى لسد هذا العجز، وبصورة عامة فإن المعلم في الدولة غير مثقل بالأعباء إذا ما قيس بالمتوسط العالمي لمهام المعلم.
موضحاً أن الأنشطة التي تجعل من المدرسة بيئة جاذبة وتلبي رغبات الطلبة كفيلة بامتصاص كثير من مسائل الانحراف وسوء الأخلاق في المدارس، إضافة إلى أن إمكانية ضبط ساحات المدرسة أمر يرجع إلى شخصية المديرة وأسلوب تعاملها مع المعلمات والطلاب وإن وجد العجز الإداري فيها.
مسؤولية الإدارة
وأوضح أن العجز المجود يتمثل بأمناء السر والمشرفين الإداريين وأمناء المختبرات والاختصاصيين الاجتماعيين، وذلك كله لا يمنع أن تضع إدارة كل مدرسة خططاً علاجية وفق الإمكانيات المتاحة من أجل ضبط ساحات المدرسة أو التواصل مع أولياء الأمور.
حيث إن التقصير من جانب أولياء الأمور مرده بالأساس إلى الإدارة المدرسية، فإذا كانت إدارة ناجحة لا بد وأن تجعل ولي الأمر يتفاعل أكثر ويتواصل معها.
وأضاف أن دراسة أظهرت ارتفاع نسبة التحصيل في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة التأسيسية بعد قرار تأنيثها، وبالرغم من أن الدافع وراء التأنيث كان شح المعلمين المواطنين الذكور مقابل فائض من الخريجات المواطنات.
إلا أن تطبيقه على أرض الواقع أثبت جدواه على أكثر من صعيد وكل المؤشرات تقود إلى نجاح تلك التجربة بالرغم من التحفظات غير العلمية والمدروسة من البعض.
إعداد المعلمين
وبيَّن أن الوزارة تسعى ومنذ مراحل التأنيث الأولى إلى إعداد المعلمين وتأهيلهم للتعامل مع الأطفال، حيث توجد عقود منذ خمسة أعوام مع مختلف الجامعات في الدولة، والتي تهدف إلى تخريج معلمات فصل ومجال لديهن القدرة الكافية للتعامل مع الأطفال، لافتاً إلى وجود حوافز كبيرة من أجل النهوض بالتعليم وتطويره.
حيث يبدأ راتب المعلم بأحد عشر ألف درهم ويزيد في فترة قصيرة، ولكن الأهم يبقى أن هذا المعلم يجب عليه اتخاذ التعليم كمهنة يتمسك بها وليس كوظيفة يعتاش منها، وبالتالي ستكون الفائدة ملموسة وكبيرة.
وقال زعل أن الدولة ملزمة بعلاج مشكلات كثيرة، وتوطين المعلمات كانت واحدة منها، رغم أن المشكلة لم تنتهِ بعد، فالعملية التعليمية تستهلك مبالغ طائلة، لأن التعليم صار مكلفاً والدولة تتحمل عبئاً كبيراً في هذا الجانب، موضحاً أن تحسين التعليم يتطلب مدخلات قوية ويحتاج إلى منهاج متماسك، فلغة العلم في هذه الأيام أصبحت الإنجليزية، ولا بد من الاهتمام بها من دون إهمال لغتنا الأولى.
جداول المعلمات مثقلة في عجمان
وفي عجمان قالت عائشة الظفري نائب مدير منطقة عجمان التعليمية للشؤون التربوية إن تجربة التأنيث لم تحمل في طياتها كثيراً من السلبيات وعلى العكس كانت بصفة عامة إيجابية، فالمعلمات قادرات على العمل والتأسيس الصحيح بعكس المعلمين الرجال الذين يعجزون مع الصغار ويتألقون في المراحل العليا.
ولكن الميدان يحتاج إلى تكثيف الطاقم الإداري حتى يتسنى له التعامل مع الأطفال على أتم وجه، وفي بعض المدارس المديرة والمعلمات لا يقبلن العمل في مدارس البنات ويفضلن باستمرار البقاء مع البنين.
وتطرقت الظفري إلى النظام القديم الذي كان متبعاً قبل تأنيث مدارس البنين والذي يتكون من أربع مراحل: الابتدائية الدنيا والعليا والإعدادي والثانوي، حيث كان أفضل بالنسبة للتعامل مع الطلبة، وأن الجداول الآن تداخلت وأصبحت تشكل عبئاً على المعلمة التي تعد معلمة مجال للصفوف: الأول والثاني والثالث إضافة إلى بعض المواد في الصفين الرابع والخامس.
وأوضحت أن مشكلة الطاقم الإداري تبقى الأهم ويجب إيجاد الحلول لها، حيث لا يوجد اختصاصيون اجتماعيون ومشرفون إداريون والمدارس تعاني بشكل واضح، ولا توجد المقدرة في التركيز على الطالب، ولوائح الإداريين مثقلة ومجحفة بحقهم، وفي نفس الوقت يتكدس الموظفون في الوزارة.
مؤكدة أن منطقة عجمان تحديداً مضغوطة ومثقلة بالأعباء وبات همهم الوحيد تسيير العملية التعليمية وخصوصاً بعد الاستقالات الكثيرة التي حصلت فيها، فالعمل في الميدان ليس بسيطاً ويحتاج إلى تضحية، والعزاء الوحيد أن العاملات فيه من المضحيات.
حواء المدني مديرة مدرسة الرشيد للتعليم الأساسي للبنين في عجمان أكدت أن بداية التأنيث لغاية الصف الثالث الأساسي كانت عملية مريحة ومجدية كثيراً.
ولكن بعد إضافة الفصلين الرابع والخامس وجدت على ساحة المدرسة الكثير من المشكلات أبرزها العنف بين الأطفال والسرقة، وهذا أضاف فوق أعباء المعلمة الكثير، كون أولياء الأمور هم آخر من يهمهم الأمر والتوعية من البيت شبه مفقودة.
وأشارت إلى أن الأشراف في المدرسة غير متوفر وأن مساعدة المديرة متقاعدة منذ بداية الفصل وإلى الآن لا بديل لها، وبالتالي أصبحت المهام متراكمة وثقيلة، والمساعدة في المدرسة تعتبر بمثابة المحرك لها، وعدم وجودها يؤثر كثيراً على تقديم المدرسة لرسالتها بالشكل المطلوب.
مشيرة إلى أن اختصاصية واحدة لا تكفي لمتابعة الكثير من الحالات والسلوكيات الخاطئة عند الأطفال حيث يوجد في المدرسة طلاب تصل أعمارهم إلى 13 سنة.
المعلمات يعترفن بصعوبة تعاملهن مع الأطفال الكبار
أكدت المعلمات العاملات في المدارس المؤنثة أن المشكلة التي لا تزال تعاني منها تلك المدارس تكمن في وجود طلاب كبار يتمردون على توجيهات المعلمة ويعتدون على زملائهم الصغار ويتصرفون في ساحة المدرسة من منطلق الشللية والزعامة.
وان صعوبة التواصل مع الطفل سببها الأساسي البيت، من دون التقليل من دور الإدارة الذي يبقى رئيسياً في هذا الشأن، وأن الأزواج كانوا متحسسين جداً بداية مرحلة التأنيث.
وتعتبر معلمة اللغة الإنجليزية في مدرسة الجاحظ في دبي هدى الصياح أن صعوبة التواصل مع الطفل سببها الأساسي البيت، فالأولاد يختلفون عن البنات كونهم لا يأبهون بالتوجيهات وتجاوبهم مع المعلمة يبقى ضعيفاً.
وهو ما يلقي العبء بشكل أساسي على الإدارة المدرسية التي تبذل كل ما بوسعها من أجل التواصل مع البيت والوصول قبل ذلك إلى الطفل نفسه، رغم أن الأولاد يرفضون حتى تقبل المعلومة من معلمتهم.
ألفاظ بذيئة
وتضيف أن الإدارة المدرسية هي من تحدد طبيعة العلاقة مع الأطفال أو أولياء أمورهم، ودورها يبقى المحوري في جعل هذه العلاقة على أتم وجه، مؤكدة أن الأطفال وخصوصاً الكبار منهم فئة تصعب السيطرة عليها لولا وجود الإدارة الحكيمة، فهم يستخدمون ألفاظاً بذيئة ويقومون بحركات غير لائقة تزعج المعلمة.
وتوضح أنها لم تلمس فائدة أو تغيراً كبيراً طرأ على الأطفال بعد تأنيث المدارس، فهم يحتاجون إلى حزم وشدة تتوفران عند المعلم أكثر، فالأنثى مهما فعلت تبقى حنونة وودودة، وكثيراً ما يُغضب الأطفال تعامل المعلمة معهم بشدة وحزم، ويرفضون الإجابة أو الرد عليها حتى تستسمحه وتسترضيه.
أما معلمة المجال في مدرسة الجاحظ فاطمة شاهين فتؤكد أن الأزواج كانوا متحسسين جداً بداية مرحلة التأنيث، وكان الكثير منهم يسألون باستمرار عن أعمار الطلاب وينظرون إلى لباس زوجاتهم ويشددون على عدم التزين أو خلع العباية.
ومع مرور الوقت قلت متابعتهم لزوجاتهم رغم وجود بعضهم الذين رفضوا إطلاقاً أن تدرس زوجاتهم الأولاد وفضلوا استقالتهن أو العمل في مدارس البنات.
البداية صعبة
بينما تؤكد معلمة اللغة الإنجليزية في مدرسة دسمان في الشارقة إنعام فواس أن بداية التأنيث وإضافة تلاميذ الصفين الرابع والخامس كانت صعبة على الجميع لوجود طلاب كبار في السن، فصاروا يضربون الصغار.
ويشكلون على ساحات المدرسة جماعات أشبه بالشللية والزعامة بين الأطفال، وهذا أربك عمل المدرسة لفترة محددة، وبعد أن تم تحويل الكبار إلى المدارس المسائية ازدادت الأمور وضوحاً وبدأ الأطفال يعتادون على المعلمات اللواتي يتعاملن معهم بكل حنان وعطف نابع من غريزة الأمومة لديهن.
تجربة ناجحة
أما زميلتها خلود حمزة فترى أن مشكلات الطلاب مهما كبرت تبقى طفولية وبريئة، ويوجد فرق واضح من بداية التأنيث وحتى الآن، فالأطفال كانوا في البداية كباراً ونظرتهم إلى المعلمة كانت غير طبيعية مع وجود سلوكيات سلبية كثيرة.
ولكن بفضل الخطط والبرامج المتبعة في المدرسة وبعد أن نقل الكبار تمت السيطرة على الأطفال وصارت العلاقة معهم تسير بتفاهم، وأصبحوا يتفهمون أكثر وجود المعلمة إلى جانبهم.
وفاء أحمد الحمادي معلمة العلوم في مدرسة الخلفاء الراشدين في دبي تصف بدايتها مع الأطفال بأنها معركة عندما كانت في مدرسة أخرى للبنين، ولكن في هذه المدرسة وجدت كل شيء جيداً ومريحاً.
حيث تؤكد أن الإدارة المدرسية تبقى صاحبة الموقف بالإضافة إلى طبيعة الأطفال والمناطق التي يأتون منها، معتبرة أن تجربة التأنيث كانت ولا تزال ناجحة لأن الطفل يتجاوب ويتعاون مع المعلمة وكأنها الأم والمربية الحقيقية.
أولياء الأمور متشككون من تجربة التأنيث
شدد عدد من أولياء الأمور على ضرورة التعامل مع الأطفال بحزم وذلك لأن العملية التعليمية لا تكون أو تكتمل من دون ضبط الطلاب والتعامل معهم بشيء من الصراحة بعيداً عن الغموض، مطالبين بأن ينقل التلاميذ الكبار وخصوصاً في الصفين الرابع والخامس إلى مدارس يكون طاقمها من الذكور.
يقول غانم عزيز عبد الله ولي أمر أحد الطلاب من الصف الثالث في مدرسة الخلفاء الراشدين أن مشكلة الأبناء هذه الأيام أنهم لا يستمعون إلى أحد حتى وإن كان الأب.
وجل همهم اللعب ولا دافع أمامهم للمذاكرة، وبالنسبة للمعلمات فلا يمكن القول انهن أقل مستوى أو حرص من المعلم، ولكن مقدرة المعلم الرجل على ضبط وتخويف الطالب تبقى أكبر.
ويضيف أن ولده عندما يأتي إلى البيت يرفض المذاكرة ويتذرع دائماً بحجة إما أن المعلمة كانت غائبة أو أنها لم تعطهم شيئاً في ذلك اليوم، وعند السؤال عنه في المدرسة أجد الجواب عكس ذلك وبالتالي صار الشخص في حيرة، ولا مجال أمامنا في إجبار الولد على المذاكرة رغم المحاولات بكافة الطرق.
مشيراً إلى أن ولده الآخر يدرس في الصف السادس ولكنه منضبط ويذاكر باستمرار وقد يكون فارق السن هو السبب ولكن لا بد من الحزم أكثر خصوصاً مع جيل اليوم الذي يعرف الكثير مما يدور حوله.
لكن ولي الأمر محمد ربيع سالم يبدي تفهماً أكبر في أن تكون الحرمة هي المعلمة والمربية لولده في المرحلة التأسيسية، والسبب كما يقول سهولة متابعة الأم لولدها والتي تبقى الأقرب إليه من أي شخص آخر وأعرف الناس به، لكنه شدد على أن المعلمة ربما تكون غامضة وخجولة في تعاملها مع الأطفال وخصوصاً الكبار منهم في بعض الجوانب العلمية.
وهذا يكون خاطئاً خصوصاً وأن الطفل يحتاج إلى المصارحة والوضوح في هذه المرحلة وإلا فإن ذلك سيؤثر سلباً على تكوين شخصيته، لذا ينبغي على المعلمة أن تؤدي رسالتها الإنسانية من دون تردد وأن تكون صريحة وحازمة في الوقت نفسه وبذلك تكون الجدوى التعليمية أكبر.
فيما بدت نظرة جاسم عوض ولي أمر أحد الطلاب في مدرسة الخلفاء الراشدين أكثر تخوفاً وتشككاً من تجربة تعليم الحرمة للطلاب في الصفين الرابع والخامس، ودعا إلى إيجاد بديل عن الواقع الحالي.
حيث ان وجود الطلاب الكبار والذين يكونون في بداية مرحلة المراهقة يمكن أن يؤثر سلباً في سير العملية التعليمية، وهو الحاصل حالياً نتيجة لعدم مقدرة الأنثى إخضاع بعضهم وخصوصاً الراسبين وبالتالي صعوبة إيصال المعلومة إلى بقية الطلاب.
وأضاف إن وجود المعلمة بين طلاب تفوق أعمارهم السنوات العشر قد يلحق بها الضرر من خلال المشاكسات والألفاظ البذيئة، مؤكداً أنه سيرفض أن تكون زوجته أو إحدى قريباته معلمة في تلك المدارس وتعيش هذا الواقع.

