يسعد معظم المعلمين عندما يتذكرهم طلابهم السابقون، لكن حين يكون الطالب ديك تشيني فإن الأمر يمكن أن يكون مربكاً. وما عليك إلا أن تنظر في حالة الدكتور إتش برادفورد ويسترفيلد.

بدأ ويسترفيلد يسمع في الثمانينات أن عضو كونغرس جمهورياً يمينياً جداً كان يطرح اسمه في اجتماعات نوادي يال في غرب الولايات المتحدة. «ينضم خريجو جامعة يال إلى هذه النوادي ويتجمعون في أماكن مثل ويومنغ وكولورادو ومونتانا. وهم يحبون دعوة متحدثين ذوي علاقات مع الجامعة المذكورة وكان ديك تشيني، حسبما يبدو، واحداً منهم»،

يستذكر ويسترفيلد، الأستاذ الفخري للدراسات الدولية والعلوم السياسية من دامون ويلز في جامعة يال حيث علّم أكثر من عشرة آلاف طالب بين 1957 و2000. ويضيف قائلاً: «كان السبب وراء اتصالهم بي هو أن اسمي كان يذكر، على ما يبدو، كشخص كان له تأثير على تفكيره».

إنه في العادة شرف للأكاديمي أن يذكر اسمه كصاحب تأثير على تفكير لاعب قوي على الساحة الوطنية. لكن بالنسبة لويسترفيلد بدا أن علاقة تشيني كانت قصيرة، فهو بالكاد يستطيع أن يتذكر تشيني كطالب ولم يكونا على تواصل منذ تم الطلب من الممثل الجمهوري أن ينسحب من يال في أوائل الستينات،

وعلاوة على ذلك، فقد كان تشيني داعية من الصقور للمغامرات العسكرية الأميركية في الخارج، بينما كان لدى ويسترفيلد رأي أدق حول الدور الذي ينبغي للولايات المتحدة أن تلعبه في الشؤون الدولية.

لكن التقارير حول ظهور تشيني في نوادي يال تلك، تواصلت. فبينما أصبح تشيني بارزاً في الكونغرس أكثر من أي وقت مضى ثم كوزير للدفاع، وأخيراً كأقوى نائب رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، ظل ويسترفيلد يسمع بأن تشيني يخبر الناس مدى استلهامه من الحصص التي أخذها مع البروفسور.

ففي لمحة عن حياة تشيني نشرت في مجلة التايم في 2002 والتي وصف الكاتب فيها ولع نائب الرئيس بشنّ الحرب أحادياً فإن احد التغييرات التي عرضها المحللون كان «خلال فترة معينة في يال تأثر بدورة التحق بها في إتش برادفورد ويسترفيلد، وهو صقر متحمس آمن بأن على الولايات المتحدة أن تستغل دورها كزعيمة للعالم الحرّ لمحاربة الشيوعية حيثما وجدت».

وبدا ذلك وكأنه توضيح مقبول ظاهرياً لوجهة نظر تشيني العالمية التي كان من الواضح أنها لا تستند إلى خبرة معاصرة أو معرفة بالحقائق الواقعية في دول مثل العراق. لكنها كانت مزعجة لويسترفيلد.

إن الدورة المكثفة التي تناولت العلاقات الأميركية الدولية التي تلقاها على أيدي ويسترفيلد، كانت حسب قول البروفسور: «دورة فعالة حول الولايات المتحدة في الحرب الباردة. كنت في ذروة صقوريتي إزاء الحرب الباردة وكان ذلك هو التصوّر الذي انطلقت منه في تعليمي للمادة. إن ما التقطه مني كان يحمل تلك النكهة وهو شيء يؤسف له».

شيء يؤسف له؟ كيف كان ذلك؟

يقول ويسترفيلد، الذي كان، مثل كثير جداً من الأميركيين، غارقاً في طريقة تفكير جديدة بمراقبة وجود أميركا في فيتنام وهو يتحول إلى كارثة: «أخذت أدرك أن نظرة الصقور لم تكن واقعية. وقد بقيت في صفوف الصقور حتى أواخر 1967،

أوائل 1968 عندما بدأت أشعر بأن الحرب في الحقيقة لا يمكن كسبها وفي ذلك الوقت، أعتقد أنني كنت آخر صقر في الحرم الجامعي يمكن لأي شخص أن يصغي له.» يقول البروفسور وهو مؤلف يحظى باحترام كبير وله العديد من الكتب حول السياسة الخارجية الأميركية تتصدرها داخل العالم الخاص للسي آي إيه: و(ظللت حمائمياً من ذلك اليوم).

إن حمائمية ويسترفيلد تضعه في معسكر مختلف جداً عن معسكر طالبه السابق. يقول البروفسور: «إنني لا أتفق مع نظرية العالمية اليوم، حتى أنني لست واثقا من أنني أفهمها. إنه على خلاف مع ما نعرفه الآن عن العالم. ومن سوء الحظ أن بوش يعتمد عليه بشكل واضح، كما أعتقد. وحتى رامسفيلد وولفويتز لا يملكان التأثير الذي يملكه تشيني».

كانت آخر مرة تحدث فيها ويسترفيلد مع تشيني في منتصف التسعينات في قدّاس ليس آسبين، خليفة تشيني كوزير للدفاع. حيّا تشيني البروفسور بحرارة لكنه لم يبد أي اهتمام في نقاش جادّ مع الأكاديمي المحترم عالمياً.

هل يتمنى ويسترفيلد لو استطاع الجلوس مع تشيني وصوّب آراء طالبه القديم؟ لا يعتقد ويسترفيلد أن أي دورة أخرى يمكن أن تنفع. «من الواضح أنه يصعب تقويمه. يبدو مصمماً على المضيّ في طريقه، بغضّ النظر عن الحقائق التي تواجههه. إنه أمر مقلق».

ما العمل؟ بينما حميت حملة 2004، قال ويسترفيلد إنه كان قد استقر به المقام بارتياح شديد في معسكر الذين يسعون لوضع حدّ لمنصب طالبه القديم في البيت الأبيض. «نعم، إنني فعلاً أريد هزيمة بوش وتشيني. أشعر أن هذه الحكومة لا تريد العمل في تحالف مع بقية العالم، إنها فعلاً لا تريد التعاون مع العالم.

وذلك بالضبط هو النهج الخاطئ للولايات المتحدة في هذه المرحلة.» كخبير في مثل هذه الأمور، يقول ويسترفيلد: «هنالك قدر كبير من العمل الذي يتوجب القيام به لإعادة ترسيخ المصداقية الأميركية في العالم. والخطوة الأولى، كما أعتقد، هي انتخاب حكومة تأخذ علاقاتنا مع الدول الأخرى بجديّة أكبر».

وللعلم فقط، ماذا عن علامات ديك تشيني في الدورة التي أثرت عليه إلى هذه الدرجة؟ يقول البروفسور بخجل: «لم تكن علاماته جيدة.» وبعد الإلحاح عليه، يقول ويسترفيلد: «إذا أخذنا في الاعتبار تضخيم العلامات فإن علامته النهائية ربما تكون (ب) متدنية.» وترجمة ذلك أن ديك تشيني اجتاز الدورة التي أرسلته إلى طريق توجيه شؤون الدولة بعلامة (ج) شرفية.

عندما وصل ديك تشيني إلى جامعة ويسكونسن في خريف 1966، كان هدفه المعلن أن يصبح متخصصاً في السياسة، السياسة العامة وطرق الحكم. بالنسبة لشاب يفكر في حدود المعقول، ولديه مثل هذه الاهتمامات، يبدو أن الأقدار كانت سخية. فقد وصل بالضبط إلى المكان المناسب في اللحظة المناسبة تماماً لينضم إلى الجدل المتقد والعام حول السياسة الخارجية.

كان حرم ماديسون الجامعي، حيث كانت إحدى الكليات الأكثر استنارة في أميركا تعلّم واحدة من أكثر الشرائح الطلابية تعلقاً في السياسة وأكثرها نشاطاً ومركزاً معترفاً به دولياً للنشاط الطلابي والذي يمكن أن يحدّد معالم أواخر الستينات. لكن تشيني، وهو طالب خريج كانت خطته المعلنة أن يصبح أستاذاً للعلوم السياسية، لم ينضم إلى الحوار المزدهر حول ملاءمة الحرب في فيتنام بشكل خاص، والحرب الباردة عموماً، بل كان يهمهم ويتذمر من أن ذلك مضيعة للوقت.

جاء ديك تشيني إلى ماديسون كآخر رجل من رجال الخمسينيات، مصمماً على أن انخراطه في السياسة سيشمل تحركات مهنة محسوبة بعناية، ترمي إلى تقريبه من السلطة، وليست الأمور الجوهرية التي كانت تحرّك نشطاء طلابيين مثل بول سوغلن، وهو راديكالي جامعي أصبح «عمدة أولاد» ماديسون في نفس الوقت الذي كان فيه تشيني ينسّل من بيت نيكسون الأبيض لتجنب الارتباط بفضيحة وترغيب.

يقول سوغلن: «ربما كان ديك تشيني قد ذهب إلى الكلية في الستينيات لكن لم يكن يفكر بعقلية الستينيات. كان هنالك دائماً أولئك الأشخاص الذين كانوا يرون كل ما يجري حينئذ شيئاً مزعجاً، يقف في طريق أجندتهم الشخصية. وكان تشيني واحداً منهم».

لم يشارك تشيني في نشاط الشارع بصفته ليبرالياً أو محافظاً وبينما ربط معظم الطلاب في جامعة ويسكونسن أقدارهم باليسار، تضافرت زمرة شجاعة من المحافظين، التي ضمت وزير الصحة والخدمات الإنسانية المقبل في حكومة بوش، تومي تومبسون،

وحشدت أحد فروع «أميركيون شبان من أجل الحرية» واحتجت على المحتجين ولم ينضم تشيني لأي من الفريقين وكما كان في جامعة ييل، حيث لم يبد أي اهتمام أبداً في تنظيم حقوق الإنسان من قبل بعض الطلاب الأكثر ليبرالية - أو في انتقاد ذلك النشاط من قبل صحيفة ييل ديلي نيوز المحافظة - فإن تشيني ظل بعيداً عن مظاهر الديمقراطية الأكثر اتساماً بالفوضى.

يقول إد غارفي، وهو محام في ماديسون ومرشح ديمقراطي سابق لحاكم ويسكونسن والذي درس في كلية الحقوق في جامعة ويسكونسن عندما كان تشيني يعدّ بحث التخرج في العلوم السياسية: «كنت في الحرم الجامعي خلال السنوات التي كان فيها تشيني فيه، لكنني لا أتذكره. ولا أحد ممّن أعرفهم يتذكره». وفي هذا الوقت العجيب من تاريخنا لم يكن تشيني يظهر أبداً.

يقول المؤلف دافيد مارانيس، الحائز على جائزة بوليتزر، والذي قابل نائب الرئيس بمناسبة صدور كتابه الذي يحمل عنوان (تقدموا في وضح النهار)، إن تشيني لم يكن لينزعج، أعتقد أنه فريد من نوعه، فهو لم يكن ضد الحرب، لكنه لم يرد أي شيء ذي علاقة بها. كان يريد أن يمضي في حياته ولا يسمح للعالم باعتراضه.

ومن سوء الحظ أن العالم وقف طويلاً في طريق كثير من الشبان الذين كانوا، مثل تشيني، في سنّ التجنيد بالقرعة عندما بدأ وجود القوات الأميركية في فيتنام يزداد في منتصف التسعينيات. ونتيجة لذلك كان هنالك منطق وحيد عبّر به تشيني عن تصرفات زملائه الطلاب إن لم يكن عن سياساتهم. كان ديك تشيني معارضاً بشكل أكيد للتجنيد بالقرعة، على الأقل بقدر ما أثر عليه.

في حقبة كان فيها كثير من الشبان يتجنبون الخدمة العسكرية لأسباب كثيرة كان قلة منهم موسوسين جداً إزاء المسعى، مثل ديك تشيني. وفي الحقيقة، عندما وصل وزير الدفاع المقبل إلى حرم جامعة ويسكونسن، كان واحداً من أكثر المتهربين من التجنيد براعة وابتكاراً في البلاد.

فعلى عكس جورج دبليو بوش، الذي أدى نوعاً من الخدمة ـ غير محددة وغير مسجلة كما يمكن أن تكون قد حدثت في الحرس الوطني الجوي في تكساس - فإن ديك تشيني استجاب لتصوّر ارتداء الزي الرسمي لبلاده كرجل يعاني من حساسية قاتلة للباس زيتوني اللون.

وما بين 1963 و1965 استغل تشيني وضعه الطلابي في كلية كاسبر وجامعة ويومنغ ليطلب أربعة تأجيلات للتجنيد، وحصل عليها. وعندما استعر القتال في فيتنام، حارب تشيني كمحارب حقيقي للدفاع عن تأجيل خدمته.

وبعد أربعة وعشرين يوماً من موافقة الكونغرس على قرار خليج تونكن في شهر أغسطس 1964، والذي أثار احتمال توسيع سريع للتجنيد بالقرعة، أقدم ديك بصورة تلائم هدفه، ـ حسب سيرة ذاتيه نشرتها الواشنطن بوست في 1991 - على الزواج من لين.

وحتى لو رفع تأجيله كطالب فإن وصفه كرجل متزوج كان يمكن أن يجعل الالتحاق بالتجنيد أكثر حساسية لحجة تشيني المستمرة، وإن كانت تعاد صياغتها بين الحين والآخر، بأنه كان مطلوباً على الجبهة الداخلية. لكن الفيتناميين لم يكونوا يتعاونون مع خطة تشيني.

ظلت الحرب تتطلب المزيد من الشبان الأميركيين واتسع نطاق المؤهلين للتجنيد بشكل سريع. وفي 19 مايو 1965 بدا أن تأجيلات ديك تشيني لم تعد تحميه، فقد أعيد تصنيفه ضمن وضع التجنيد الأكثر خطراً: «واحد إيه» : «متوفر للخدمة العسكرية». وبعد ان استنفد حجة وضعه الطلابي الدائم لحماية نفسه، كان تشيني لا يزال يعتمد على زواجه ليبقيه بعيداً عن الخطوط الأمامية لكن الأحداث كانت تتآمر ضده.

في كفاحه للحفاظ على القوة البشرية لحرب كان لا يزال يعتقد أن بالامكان كسبها، أعلن الرئيس ليندون جونسون في 28 يوليو 1965 أن استدعاء المجندين بالقرعة سوف يتضاعف. وبعد ثلاثة أشهر، وفي 26 أكتوبر 1965، رفعت قيود «الخدمة الانتقائية» إزاء تجنيد الرجال المتزوجين الذي ليس لديهم أطفال.

كانت «دا نانغ» تستصرخ، ولم يبد أنه تبقى لدى ديك أية مبرّرات، لكن كان هنالك طريقة أمام الشبان الطموحين لتجنّب خدمة وطنهم مع الحفاظ على قدرتهم على البقاء سياسياً. فإذا كان لدى تشيني طفل فإنه يمكن إعادة تصنيفه تحت بند «ثلاثة إيه»، وهو الوضع الذي يسمح للرجال المتزوجين المعيلين بالبقاء خارج الخدمة.

ويمكن لذلك أن ينجح، فيما عدا أن تشيني بطبيعة الحال لم يكن لديه طفل حتى ذلك الوقت. وبعد تسعة أشهر ويومين بالتحديد من إلغاء الخدمة الانتقائية للحمايات الخاصة للرجال المتزوجين بلا أطفال، لم يعد تشيني بلا أطفال، فقد ولدت ابنته إليزابيث في 28 يوليو 1966.

هل هذا يحقق الغرض؟ هل هو مصادفة؟ إن ذلك ليس نمط تشيني. لقد قام الكاتب تيموثي نوه بإجراء حسبة وافترض أن توقيت وصول إليزابيث قد يبدو وكأنه يشير إلى أن عائلة تشيني، مع أنها بلا شك كانت تخطط لأن ترزق بأطفال في وقت من الأوقات، قد سيطرت عليها عواطف جامحة في اللحظة التي أصبح فيها ديك تشيني عرضة للتجنيد بالقرعة، وتصرفت وفق ذلك. إنه انتهاز للفرصة المناسبة! فمن يستطيع أن يقول إن سياسة الحكومة لا يمكن أن تؤثر على سلوك البشر.

بطبيعة الحال فإن ديك تشيني لم يترك أي شيء للصدف، فقد تقدم للحصول على وضع «ثلاثة إيه» على الفور، وحصل عليه في 19 يناير 1966 عندما كانت لين لا تزال في الأشهر الثلاثة الأولى من حملها.

بعد ثلاث وعشرين سنة، عندما ظهر تشيني أمام مجلس الشيوخ ليدفع الحجة إزاء تثبيته كوزير دفاع لجورج هيربرت ووكر بوش، سئل المرشح عن إحجامه عن الخدمة، وردّ تشيني بالقول إنه كان يمكن أن يكون سعيداً «بالخدمة لو أنني استدعيت».

وفي لحظة أكثر صدقاً في نفس تلك السنة، اعترف تشيني لمراسل الواشنطن بوست، جورج سي ويلسون بالقول: «كان لدي أولويات أخرى في الستينيات عدا الخدمة العسكرية».

لم تسبب كذبة تشيني أمام مجلس الشيوخ كثيراً من القلق، لكن خطّ «الأولويات الأخرى» راوغه. فبعد أن اختار تشيني نفسه ليدخل في التذكرة الجمهورية عام 2000 قال وزير شؤون المحاربين القدامى السابق، جيسي براون، وهو محارب قديم في فيتنام أصيب بالإعاقة نتيجة طلقة نارية جرحت ذراعه اليمنى: إنني كجندي «مارينز» سابق جرح وكاد يفقد حياته، مستاء شخصياً من ذلك التعليق،

فأنا مستاء لأنه كانت لديه «أولويات أخرى» عندما مات ثمانية وخمسون ألف شخص وعاد أكثر من مائة ألف جرحى ومعاقين. ولا يساورني أي شك في أنه بسبب أولوياته الأخرى، مات أو جرح شخص آخر بدلاً منه. ومع أن هذا تقييم قاس فإن الصحيح أن ما لا يقل عن دزينة رجال من مدينة تشيني، كاسبر، ويومنغ - بين سنّ التاسعة عشرة والسابعة وأربعين - قد ماتوا في فيتنام خلال الفترة التي كان يمكن لتشيني أن يخدم فيها.

ولأنه كان على المجالس المحلية للتجنيد بالقرعة أن تملأ الحصص، فإنه عندما يحصل رجل مؤهل للخدمة على تأجيل، فلا بدّ أن يملأ الفراغ شخص آخر. إن أهواء حصص التجنيد بالقرعة والخدمة العسكرية والحرب نفسها تجعل من المستحيل معرفة ماذا كان يمكن أن يقوله روبرت كارديناس أو وولتر إيلمر هاندي أو دوغلاس تيروني باتريك أو أي من أبناء كاسبر الآخرين الذين ماتوا في جنوب شرق آسيا لو أنهم نجوا من سنوات الحرب ومضوا في استكشاف «الأولويات الأخرى» لو أن ديك تشيني لبّى نداء وطنه.

لكن ذلك لم يمنع بعض الآخرين الذين خدموا من التساؤل: «من الذي مات بدلاً منك يا ديك تشيني؟» إن ذلك سؤال يطرحه محارب فيتنام القديم، دينيس مانسكر على موقعه الالكتروني، حيث يحتفظ بقائمة من الموتى من كاسبر».يقول مانسكر فوق القائمة أن تشيني كان لديه أولويات أخرى لكن كان لدى هؤلاء الأشخاص أولويات أخرى أيضاً.

ماذا كانت أولويات تشيني الأخرى بالضبط؟

كما يقول الوزير براون: «مات أناس كثيرون جداً خلال تلك الفترة... مما يستوجب عدم إثارة تلك الأسئلة الصعبة». وكما يمكن لأي شخص أن يدرك فإن أولوية تشيني الرئيسية، كما هي منذ ذلك الحين، تقريب ديك تشيني إلى أقصى حدّ من السلطة. فمع أنه جاء إلى ماديسون سعياً وراء الدكتوراه،

فإن تشيني لم يغص في المجال الأكاديمي، وفي الحقيقة، وبعد أن رشّح نفسه لمنصب نائب الرئيس أصدر مكتب الاتصالات في جامعة ويسكونسن واحداً من أكثر البيانات الصحافية إيلاماً، قائلاً «إنه واحد منا».

فتحت عنوان (تشيني ذو روابط قوية مع جامعة ويسكونسن)، كشف بأن شريك تذكرة جورج دبليو بوش «كان طالباً متفرغاً في الفصول الجامعية الثلاثة الأولى وطالباً غير متفرغ في الفصل الأخير» يمكن أن يبدو ذلك وكأنه يفترض أن تشيني، الذي كان يعمل في نوع من الإطار الزمني لتحقيق هدف ما، كان مشغولاً في إكمال متطلبات برنامج الدكتوراه الذي سجل فيه.

لكنه لم يكن كذلك، يقول تشيني الآن: «إنني قمت بكل أعمال الدكتوراه فيما عدا الأطروحة». فالحقيقة بطبيعة الحال هي أن التزام تشيني بدراسات تخرجه في جامعة ويسكونسن كان أعمق من التزامه بدراسته قبل التخرج.

فالأشخاص الذين عانوا طويلا في مكتب الاتصالات في جامعة ويسكونسن خرجوا بأستاذ علوم سياسية وحيد، يمكن أن يتذكر تشيني، وهو إم كروفورد يونغ الذي قال: «كان عضواً هادئاً وكفؤاً في حصصي».

إذا لم يكن تشيني شخصاً بارزاً في الحرم الجامعي فماذا كان؟ هل كان متدرباً؟ حين أخذ يعمل بدهاء لشق طريقه بين طواقم الشخصيات السياسية المتنفذة، كان تشيني مواظباً مثل مونيكا لوينسكي.

فطوال وقته في جامعة ويسكونسن كان نائب الرئيس المقبل تابعاً للسياسيين الجمهوريين، وبدأ بتأمين وظيفة متدرب في المركز الوطني للتعليم في السياسة، في مكتب حاكم ويسكونسن - وارين نوليز، أحد آخر الجمهوريين المعتدلين الكبار في المنطقة الغربية الوسطى وهو سياسي محترف ونشيط تمت رعايته في وقت من الأوقات كزميل محتمل لريشارد نيكسون في حملته الانتخابية،

وقد أحاط نفسه بشبان أذكياء أصبحوا لاعبين مهيمنين في الحياة التجارية والسياسية لويسكونسن. ومن بين أفضل وألمع الرجال الذين أحاطوا بنوليز لم يكن تشيني نجماً بارزاً، لكن وكما ثبت طوال حياته العامة لم يكن تشيني يخجل من السعي إلى السلطة، فكان يقوم بأي عمل يقرّبه من الناس المناسبين،

وفي إدارة نوليز تم تكليفه بمهمة حمل حقيبة الأزرار. حين كان نوليز يتجول في الولاية كان تشيني يتبع الحاكم، حاملاً حقيبة مليئة بالشارات التي تحمل الشعار، الذي يقول: إننا نحب الأمور هنا.

أستذكر تشيني بعد سنوات أن مسؤوليته تمثلت في «التأكد من الأزرار». كان مشواراً طويلاً من التحكم بمصير المعمورة كأقوى نائب رئيس في التاريخ، لكن حمل حقيبة الأزرار كان البداية. وذلك وضع تشيني في المكان المناسب في الوقت المناسب.

في عام 1966، استطاع واحد من ألمع الجمهوريين الشبان في البلاد، وهو ممثل ولاية ثري ووسيم اسمه بيل ستايغر، أن يهزم عضو الكونغرس الديمقراطي الذي كان يمثل المنطقة الشرقية الوسطى من ويسكونسن. توجه ستايغر إلى واشنطن بطموحات كبيرة له ولحزبه. وكان ستايغر، وهو شخص محسوب على «جمعية رايبون»، ذلك النوع من الجمهوريين الذي جاب الجنوب في أوائل الستينيات.

وكان يدين الديمقراطيين الداعين إلى الفصل العنصري ويحثّ البيض الشبان والأميركيين الأفارقة على الانضمام إلى حزب لينكولن القديم الرئيسي في قضية الحقوق المدنية.

ومع أنه جاء إلى واشنطن كجزء من طبقة كبيرة من النواب الجمهوريين الجدد والتي ضمت جورج هيربرت ووكر بوش ونجوماً صاعدين آخرين في الحزب، فقد كان ستايغر مصمماً على ترك لعبته ليس فقط كشخص يسعى إلى الجولة التالية على السلّم السياسي، بل كصانع سياسات جادّ وذي شأن.

وإدراكاً منه بأنه يحتاج إلى تشكيل طاقم كفؤ، بعث ستايغر رسالة إلى نوليز يعلمه أنه يبحث عن مساعدين شبان لامعين للانضمام إليه في واشنطن. وكان تشيني، الذي كان قد تأهل لزمالة رابطة العلوم السياسية الأميركية للعمل في الكابيتول هيل، يحتاج إلى راع في الكونغرس ومع أنهما لم يكونا على اتفاق تام حول القضايا فإن ستايغر سوف يحسن التصرف.

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية