عشية الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً إلى إسبانيا والتي كان هدفها سياسياً بالدرجة الأولى، سواء لناحية محاولات روسيا التقارب مع الاتحاد الأوروبي أو بسبب الدور المتنامي الذي تبدي موسكو استعدادها للعبه في الشرق الأوسط ولا سيما في إيران. في لقاء ضمه ومراسلي وسائل الإعلام الاسبانية في موسكو، أكد بوتين قائلا: «أحمل في جعبتي بعض الأفكار حول ما يتوجب علينا فعله في الشرق الأوسط». وإسبانيا، التي تنظر إلى روسيا كشريك اقتصادي مهم، تأمل في أن تسمح هذه الزيارة بتحسين العلاقات التجارية بين البلدين.

ويعتبر الرئيس الروسي أنه سيكون «خطأ جسيماً» قطع المساعدات الدولية عن الشعب الفلسطيني «الآن بعد أن وصلت حماس إلى السلطة وبصورة شرعية منظمة يتهمها المجتمع الدولي بأسره بأنها منظمة إرهابية».

ويشير الزعيم الروسي إلى أن «هذا الوضع ليس سارا إلا قليلا بالنسبة للمشاركين في عملية السلام»، لكنه يؤكد على أن لديه قناعة تامة بأن ثمة مخرج في الأفق وأنه «ليس متشائما» بخصوص إمكانية التوصل إلى اتفاق في الشرق الأوسط. كما يؤكد بوتين على أن هذا الموضوع يشكل محورا من محاور الزيارة. وعلى خلاف بلدان أخرى، فإن روسيا لا تعتبر حركة حماس منظمة إرهابية. «حين نتكلم عن أسباب وجذور الإرهاب، فإننا بذلك نعدد المظالم الاجتماعية والفقر والبطالة» على حد تعبير الرئيس في الدفاع عن مرافعته التي تهدف إلى أن يستمر المجتمع الدولي في مساعدة الفلسطينيين.

ويعرب بوتين عن أسفه حيال «المواجهة الدينية» الدائرة اليوم في العالم بسبب الرسومات للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ويعتبر أنه لا يمكن التسامح مع أي فتنة في هذا الاتجاه ويؤكد على أنه «لا بد من التفكير مئة مرة قبل نشر أو رسم شيء من هذا القبيل»، ويضيف: «نحن ندين الرسومات التي تعمق الشقاق بين الأديان والتي تثير مشاعر المؤمنين وتسيء لها، نحن ندين الخلاعة الصبيانية في الأدب والفن ولا نحتمي بشعارات حرية التعبير»، ويشير إلى أنه في حال لم تتمكن الدولة من منع ظهور الرسومات، «فيتعين عليها، على أقل تقدير،أن تقدم الاعتذار». ويصرخ الرئيس قائلا: «المظاهرات المتشددة خطيرة جداً بغض النظر عن منشئها، والقادة المسلمون يستطيعون السيطرة على هذا الوضع».

وحول البرنامج النووي الإيراني، يعتبر بوتين قرار مجلس حكام المنظمة الدولية للطاقة الذرية «متوازناً جداً» ويريد أن يبين لطهران أن «الملف الإيراني لم يحل إلى مجلس الأمن». ويؤكد أن الأمر لا يعدو كونه «وضع مجلس الأمن في صورة العمل الجماعي حول الملف الإيراني، ولكن ليس بتسليمه. وهذا فارق جوهري جدا وذلك يسمح لنا بمواصلة البحث عن طريق لتسوية النزاع». وحول المنظمة الأوروبية للأمن والتعاون،يؤكد أنه يتعين على هذه المنظمة ألا تتحول إلى «حارس مجال ما بعد الحقبة السوفييتية، لأنه في أوروبا توجد مشكلات أخرى كثيرة».

ميخائيل خودوركوفسكي، الذي كان أغنى مستثمر في روسيا،قابع في السجن في سيبيريا، ومحاموه اشتكوا من إرسال هذا القطب الاقتصادي إلى زنزانة العقاب لأنه كان يحمل معه وثيقة لوزارة العدل تعدد حقوقه في الحبس. البعض يعتقد أن خودوركوفسكي هو هدف عملية انتقامية، آخرون يعتقدون أن الأمر لا يتعلق بوضع محدد يخص الرجل الثري السابق،وإنما بوضع عام للسجون الروسية.

ويقول بوتين، بهذا الصدد، ضاحكا: «السجن ليس مكانا للاستراحة. المحكوم عليه من قبل المحاكم لا يختار مكان الحبس. فذلك أمر تقوم به وزارة العدل. إنها المرة الأولى التي أسمع فيها أنهم أرسلوه إلى زنزانة عقاب، وأنا علمت بالأمر منك الآن. أما فيما يتعلق بالانتقام، فأنا لا أفهم من الذي يستطيع الانتقام ولماذا». والرئيس يؤكد على أنه سيهتم بالحالة ويقول: «سأسأل وزير العدل حول ما الذي يجري وإلى أين أرسلوه وإذا ما كانوا قد أرسلوه إلى زنزانة العقاب ولماذا أرسلوه إذا صح الأمر، لكن مركز الاحتجاز ليس هو الشركة التي كان مسؤولها وكان يعطي فيها الأوامر والتعليمات. هنا، يتعين عليه الامتثال للنظام الموجود».

وفي رده على سؤال حول ضرورة وضع معايير دقيقة وشفافة كي لا يستغل موظفو الدولة مناصبهم لإثراء أنفسهم، وقال الرئيس بوتين إن «الرغبة في استغلال المنصب لتحقيق منفعة إضافية ما» هي رغبة قديمة قدم الدولة نفسها وتلك «الظاهرة الفظيعة» هي ظاهرة منتشرة في كل مكان. «لسوء الحظ أن البشرية لم تضع أسلوبا فعالا لمحاربة هذه الظاهرة، لكن ذلك لا يعني أنه علينا الاستسلام» ويوصي الرئيس بالشفافية ويشير إلى أن الدولة القوية بإمكانها أن تمثل علاجا شافيا لهذه الظاهرة».

فعندما تضعف الدولة، يزدهر الفساد»، وعلى حد قوله، فإنه في منتصف التسعينات كان أعضاء الحكومة المحليون في روسيا «يدفعون باتجاه أن يقر البرلمان قوانين كانت نافعة لهم وليس للمجتمع ومن ثم كانوا يمارسون تأثيرهم لتطبيق تلك القوانين». ويؤكد الرئيس أن «توطيد دعائم الدولة» لا يعني «توطيد دعائم الجهاز القمعي، بل القدرة على تبني قوانين يحتاجها المجتمع ووضعها حيز التطبيق». ويضيف: «إن تقوية الدولة على هذا النحو لا يساهم في انتشار الفساد، وإنما على العكس تماما، لأنه يخنقه».

الشخصيات الروسية صاحبة النفوذ في روسيا، مثل خودوركوفسكي أو القطب رومان أبراموفتش يستخدمون أنظمة غير شفافة لعقد الصفقات التجارية. لكن لماذا كانت الدولة الروسية بحاجة إلى اللجوء لهذه الأنظمة بهدف شراء إمبراطورية «يوكوس» النفطية أو من أجل تزويد أوكرانيا بالغاز؟ الدولة استعادت «يوغانسكنفتغاز»،التي تعد أكبر شركة تابعة لإمبراطورية يوكوس، في مزاد خصخصة شكلي في عام 2004 عن طريق شركة وهمية كان اسمها «بإيكال فينانس غروب».

بوتين يؤكد أنه يجهل من الذي يملك 50% من هذه الشركة التي تتصرف كوسيط في عملية بيع الغاز الروسي إلى أوكرانيا (نسبة الـ 50% الأخرى تملكها شركة غاز بروم).وفي إشارة له للرئيس الأوكراني، يقول بوتين: «اسألوا يوشنكو». ويصر على أن أهم شيء بالنسبة لروسيا يكمن في المعادلة الجديدة لحساب سعر الغاز الروسي المبيع لأوكرانيا.

بوتين يرسم أرقاماً على دفتر ملاحظات، ومن ثم يقطع الصفحة المستخدمة ويحفظها بعناية في الجيب الداخلي لسترته الأميركية. ويؤكد أن الأوكرانيين أنفسهم هم الذين أصروا على تثبيت اقتصاد السوق، رغم أنهم «اختفوا» لاحقا وتوقفوا عن الاجتماع مع الروس. فالدولارات الخمسون التي كانت تدفعها أوكرانيا مقابل كل متر مكعب من الغاز كانت بمثابة إغراق كلي للسوق الأوروبية بمنتج حيوي. أما الآن وبعد توقيع الاتفاق «نشأت ظروف للاستقرار» بالنسبة لنقل الغاز إلى السوق الأوروبية وتم القضاء على نظام العلاقات غير الشفافة، الذي «ما كان يعرف فيه من الذي كان يستلم الغاز وبأي ثمن».

في حل نزاعات مثل النزاع في الشيشان، يرفض بوتين كليا الحوار مع الإرهابيين «لأن أي عملية تفاوض معهم تضعف الدولة وتقويهم». بيد أنه في حال ألقت منظمة ما السلاح وأعلنت بشكل قاطع أنها تتخلى عن أي شكل من أشكال الكفاح المسلح ضد الدولة، فإنها حينئذ تستحق التحاور معها، لكن في كل حالة ملموسة يجب تحديد طبيعة الحوار ومع من. ويقول بهذا الخصوص: «نحن لا نعقد محادثات مع الذين أيديهم ملطخة بدم المواطنين الروس، لكننا نعطي إمكانية المشاركة في النشاطات السياسية لممثلي المعارضة، بما فيها المعارضة المسلحة، على ألا يكونوا مختلطين مع قتلة وألا يكونوا مجرمين. وزارة الداخلية مؤلفة اليوم من مقاتلين سابقين لا بد من إشراكهم في الحياة العادية».

في الدوما، يتمتع حزب روسيا الموحدة المناصر لبوتين بغالبية مطلقة. هل يتمتع الرئيس بإمكانية استخدام دعمه في البرلمان للتمكن من تعديل البروتوكول المكرس لإلغاء عقوبة الإعدام مثلما يطالب المجلس الأوروبي؟ «تأثيري في الدوما مهم، لكن الأمر مبالغ فيه. فأنا لا أطرح مواضيع يمكن أن تثير رد فعل سلبياً ورفضاً»، على حد قول الرئيس. الذي عندما سئل حول مدى استفادته اليوم من وجوده السابق في جهاز «كي جي بي»، أكد أن الأكثر إيجابية من تلك الحقبة هو «العمل مع الناس، أناس من مستويات تعليمية مختلفة وينتمون إلى معتقدات مختلفة ولديهم قناعات مختلفة».

عن «الباييس» - إسبانيا

ترجمة: باسل أبو حمدة