تعاني البلدان النامية من سلسلة طويلة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تنعكس بدورها سلبا على حياة شعوبها لاسيما طبقة الشباب. غير أن تلك الطبقة اُبتليت في السنوات الأخيرة بداء اجتماعي واقتصادي آخر خطير متمثل في وباء الإيدز، أو مرض نقص المناعة المكتسبة. والخطورة الكبيرة التي يفرضها هذا الوباء تتمثل في أن الشباب هم الفئات الأكثر تضررا من عواقبه الوخيمة والأكثر تعرضا له من ناحية الكم.
تشير إحصائيات رسمية إلى أن هناك نحو 11.8 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين يعيشون مع فيروس الإيدز في أجسادهم، وأن نصف عدد الإصابات الجديدة يوميا، والتي تصل في بعض مناطق العالم إلى نحو 700 حالة، يقع بين الفئات الشبابية.
في مناطق كثيرة من البلدان النامية يتضح أن غالبية الإصابات تقع بين الفئات الشابة في مقتبل العمر.ويتبين أيضا أن ثلث الذين يعيشون وفيروس الإيدز داخل أجسادهم تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والرابعة العشرين. وفي كل أنحاء العالم هناك عدة عوامل تقف وراء تعرض الشباب بشكل خاص إلى الإصابة بالمرض بتلك النسب العالية. في أحيان كثيرة لا يكون الشاب المصاب له دور في تعرضه لذلك المرض اللعين.
ففي عدد كبير من بلدان العالم لاسيما النامية منها لا يحصل الشباب على الرعاية التعليمية الكافية التي تمنحهم القدر المناسب من الثقافة الجنسية. فهم قد لا يعرفون شيئا عن مرض نقص المناعة المكتسبة والأمراض التي تنقل عبر العلاقات الجنسية غير الشرعية. كما أن الفتيات يكن في الغالب غير قادرات على مقاومة التحرش الجنسي الذي يتعرضن له في الكثير من بلدان العالم في ظل غياب الرقابة الأمنية أو مواجهة الظروف الاقتصادية غير المواتية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هناك ما يقدر بأكثر من 100 مليون شاب تحت سن الثامنة عشرة يعملون أو يعيشون في الشارع. مثل تلك الظروف المعيشية غير الإنسانية قد تضطر معها الفتيات إلى الخضوع إلى الابتزازات الجنسية مقابل الحصول على المال والمأوى، الأمر الذي يتولد معه الكثير من العلاقات غير الشرعية التي يجد فيها الفيروس المميت أرضا خصبة. وعلى مستوى العالم يتبين أن أكثر الفئات تضررا من الإيدز هم الشباب الذين يصابون بالمرض إما عن طريق الإصابة المباشرة أو عن طريق وراثته عن عضو آخر مصاب في العائلة التي ينتمون إليها.
وتشير دراسة علمية حديثة أعدت في هذا الصدد إلى أن وباء الإيدز قد خلف أكثر من 13.7 مليون يتيم في العالم، 99% منهم يعيشون في بلدان شبه الصحراء الافريقية. وينتج عن هذا أن يتحول الأطفال سواء بنات أو أولاد وهم في سن الثامنة أو التاسعة من عمرهم إلى أولياء أمور يتولون مباشرة التركة التي خلفها آباؤهم الذين ماتوا بسبب المرض. بجانب هذا هناك ذلك القدر الكبير من الاضطهاد والتمييز اللذين يواجههما هؤلاء الأطفال اليتامى بسبب الطريقة التي مات بها آباؤهم.
وعلى صعيد ميدان التعليم يفقد الشباب والأطفال المصابون بالمرض أو الذين لديهم أقارب يحملون المرض الفرص التعليمية التي تتاح لغيرهم. وتقف وراء هذا أسباب عدة، منها أن هؤلاء الأطفال أو الشباب قد يضطرون إلى العمل من أجل كسب قوتهم وبالتالي لا يستطيعون التوفيق بين العمل والدراسة، علاوة على أنهم قد لا يستطيعون توفير تكلفة الدراسة. فضلا عن ذلك فإن الأعباء الكثيرة المتمثلة في الاضطرار إلى رعاية الكبار المصابين بالمرض ترغم هؤلاء الشباب والأطفال إلى عدم مواصلة مشوارهم الدراسية نتيجة فقد التركيز وعدم وجود الوقت الكافي.
وفي الوقت ذاته لا ينال الأثر النفسي للإصابة بمرض الإيدز الاهتمام الكافي به إعلاميا، وذلك في ضوء حقيقة أنه الأثر الأقل وضوحا بين الآثار الأخرى للإصابة بهذا المرض اللعين. إن الشباب الذين يصابون بالإيدز غالبا ما يعانون من مخاوف عاطفية ونفسية بشأن مستقبلهم وحرمانهم من الرعاية العائلية وعدم مقدرة على فهم وإدراك ما يدور لهم ولعائلاتهم. وبالتالي فإنه من المهم للغاية أن تكون المجتمعات والمؤسسات التعليمية في غاية الحساسية إلى الاحتياجات النفسية للشباب المصابين بهذا الوباء.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن المشكلة أكثر تعقيدا. فالأطفال يجب أن يعملوا من أجل توفير المال اللازم لأسرهم لأن عملية العلاج تحتاج إلى مبالغ طائلة. ومع تزايد المسؤوليات في العائلة يضطر هؤلاء إلى تحمل تبعات مضاعفة في سن صغيرة.
إن مستقبل وباء الإيدز يقع بين أيدي هؤلاء الشباب. فالأنماط السلوكية التي يتبنونها الآن وتلك التي يلتزمون بها في المستقبل هي التي ستحدد مدى انتشاره أو انحساره وتؤكد البحوث التي تجرى في هذا الشأن أن الشباب المسلح بالقدر المناسب من التعليم والمهارات التي يستطيعون من خلالها حماية حياتهم هم الوحيدون القادرون على تبني أنماط سلوكية سليمة تقيهم مثل تلك الأمراض. وتوضح الأبحاث الميدانية أن تبني الشباب أنماطاً سلوكية وجنسية سليمة هو أمر ذو أثر بالغ على مدى انتشار المرض.
على سبيل المثال تبين أن معدل انتشار الإيدز في بلدان أفريقية مثل أوغندا وتنزانيا وبلدان آسيوية مثل تايلاند آخذ في التراجع بسبب انخفاض معدلات الأمية بين أبناء تلك الدول لاسيما طبقات الشباب فيها. ولذا فإنه من الضروري أن تستهدف البرامج العلاجية المكافحة للوباء الفئات الشابة من المجتمع والعمل على إشراكها في عملية التخطيط وصنع القرار وتنفيذ الأنشطة.
ولابد للبرامج التي تستهدف مواجهة فيروس نقص المناعة البشرية أن تتسع من حيث نطاقها لتتجاوز محاولات التأثير في السلوك الفردي وتمتد إلى مواجهة القيود الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تحد من جهود الرعاية والوقاية من المرض.لقد تمخضت البرامج التي تستهدف تغيير السلوك بين الأفراد عن بعض الآثار، إلا أنه من أجل الحد من انتقال المرض وإحداث تغيير طويل المدى فيما يتعلق بتغيير السلوك، فإنه ينبغي استكمال تلك الجهود بتقديم برامج على مستوى المجتمع المحلي.
الشروع في مشاريع تجريبية تتناول عدة مستويات: الأفراد والأزواج والأسر ومجموعات ومؤسسات المجتمع المحلي. ومن المهم كذلك أن تتوافر كل المعلومات المتعلقة بالمرض أمام الفئات المختلفة من الشباب حتى يكونوا على دراية كاملة بأساليب الوقاية والعلاج. غير أن تصميم البرامج الفعالة لتلك الطبقات من المجتمع ليس بالأمر الهين، فالشباب يواجهون قيودا خاصة بهم فيما يتعلق بتبني سلوك جنسي آمن، بالإضافة إلى أنه يصعب الوصول إليهم أحيانا خاصة هؤلاء الذين لا يذهبون إلى المدارس.
وفي النهاية ينبغي القول إن المجتمع الدولي مطالب بمضاعفة الجهود الرامية لإيجاد حل لتلك المشكلة المنتشرة بين فئات ليست بالقليلة من شباب البلدان النامية نظرا لخطورتها الكبيرة وأثرها البالغ الخطورة على موارد ومقدرات تلك الدول.
كتب حاتم حسين: