التهاب في عينيها أفقدها البصر في المرحلة الإعدادية ما جعلها تترك الدراسة متفوقة لتستشعر أن دورها في الحياة قد انتهى وصارت عالة على أسرتها والمجتمع، غير آبهة بمواجهة واقعها بإرادة لا تعرف المستحيل وتجعله ممكناً، لكن مركز «تمكين» في قرية دبي للمعرفة الذي جاء بمبادرة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي كأول مركز متخصص في الدولة يقدم خدماته للمعاقين بصرياً أعاد إليها الأمل ثانية، وأهّلها لإكمال دراستها متحدية الصعاب لتتبوأ أخيراً مكانة رفيعة بين العشرة الأوائل في الصف العاشر «الأول الثانوي» على مستوى منطقة دبي التعليمية، مؤمنة أن الإعاقة ليست نهاية الحياة.

دانا نشواتي من مواليد 1987 تقول: عشت حياة طبيعية وسط أسرة مترابطة اجتماعياً، ودرست حتى المرحلة الإعدادية، مشيرة إلى أنها أصيبت بالتهاب راجعت معه الأطباء دون جدوى، تركت معه دراستها لأنها كانت تخجل من أن يمد الناس يد المعونة لها ويساعدوها على القراءة والمشي، مما انعكس على حالتها النفسية وأغلقت الباب عليها.

وتستطرد: ظللت على حالتي إلى أن افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مركز «تمكين» في قرية دبي للمعرفة في التاسع عشر من مايو 2004 وذلك من خلال خبر إعلامي قرأته إحدى قريباتي، مقترحة تسجيلي للالتحاق بالمركز لأتأهل للحصول على وظيفة مناسبة، ولكنني رفضت ذلك في البداية لاعتقادي أن «الإعاقة البصرية» نهاية العالم.

مضيفة: مع ضغط الأهل التحقت بالمركز وفكرت أن يكون ذلك لأسبوع واحد مجاملة مني لهم، مؤكدة أن المعاق بصرياً لا يستطيع الاعتماد على نفسه ويحتاج إلى مساعدة مستمرة، لكنها وهي تفكر في إمكانية الاستمرار بالمركز اصطحبتها إحدى معلماته وزميلاتها وزملائها في جولة تعريفية في «قرية المعرفة» للتعرف على واقع بيئتها، معتقدة في قرارة نفسها أن المعلمة تستخف بعقول الملتحقين إيماناً منها بأنها لا تستطيع الحركة دون مساعدة كونها فاقدة للبصر، لكنها رويداً رويداً اكتشفت أن ما تقوم به المعلمة هو «عين الصواب» لأن ما تقوم به يدخل في إطار عملها الإرشادي والتوجيهي.

الرضا بالواقع

وتتذكر دانا أنها كانت تشاهد باستمرار أحد المعاقين جسدياً يخط بريشته لوحات فنية في أحد المراكز التجارية وتعاطفت معه، مشيرة إلى أن إعاقته هي واقعه الحياتي وعليه أن يتقبل ما جاءت به الاقدار، ولكنها مع إعاقتها تناست ما قالته عنه، وعادت لتقول: بعد احتكاكي بمجموعة من المعاقين بصرياً وجدت أن مركز «تمكين» يدار من خلال مكفوفي البصر، مما انعكس على ثقتها بقدراتها وآمنت أن الإعاقة البصرية ليست إعاقة مستحيلة، ولذلك قررت إكمال دراستها في المركز.

نشواتي عقب اجتيازها دورة في الحاسب الآلي واللغة الانجليزية وأخرى في المهارات الحياتية «العملية»، قررت العودة إلى المدرسة الحكومية وإكمال دراستها مع الأسوياء، وبدأت تفكر في كيفية العودة وآلية المذاكرة، مشيرة إلى أنه ومن خلال استشارة قدمها إليها القائمون على «تمكين» اقتنعت بأنه من الممكن استخدام «الحاسب الآلي» في المذاكرة، لا سيما بعد إلمامها بالحاسوب بعد تخطي دورته، وبدأت والدتها تقوم بالفعل بتسجيل «المنهاج» باستخدام تقنية «التسجيل الصوتي» وبالتالي تقوم باستخدام «الحاسب الآلي» لسماع الملفات المسجلة، وبالفعل تمكنت دانا من الاستمرار خاصة وأنها تريد البرهنة على أنها مازالت متفوقة مثلما كانت قبل الإعاقة، وبالفعل نجحت في تحدي الذات والظروف وتمكنت من تبوؤ مكانة متقدمة بين العشرة الأوائل على مستوى منطقة دبي التعليمية بالصف العاشر.

المعاق طبيعي

وعن تغلبها على إعاقتها، قالت: نعم استطعت التغلب عليها، مؤكدة أن لديها رغبة جامحة ليعود بصرها إليها ولو بشكل جزئي، لكنها على قناعة تامة بأن المعاق بصرياً إنسان طبيعي ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، آملة من بين طموحاتها المستقبلية إتمام دراستها الثانوية والالتحاق بالدراسات العليا لتثبت لذاتها أنها غير مقتنعة بنفسها لا سيما بعد الإعاقة، متسائلة: ما الذي يمنع الكفيف العربي من إتمام دراسة غير تقليدية طالما الإمكانات العامة متوفرة له؟ ولماذا يتم حصر المعاق بصرياً في زاوية معينة ويفرض عليه نمط واحد من الحياة، مؤكدة أنها كانت على خطأ عندما قررت الانعزال وعدم الانخراط في المجتمع بشكل طبيعي، داعية أسر المعاقين إلى ضرورة بث روح الأمل في ابنهم المعاق.

وعادت تتساءل: لماذا يتم عزل المعاق عن المجتمع، وهل الإعاقة مرض معد ووباء خطير، ولماذا تسمح كثير من الأسر بالتمييز بين ابنين أحدهما معاق والآخر سوي، وهل المعاق يحتاج للشفقة؟ وأسئلة أخرى عرضت لها ولكن السؤال الأجدى.. لماذا صرنا لهذا الواقع وما هو الحل؟ مجيبة أننا صرنا لهذا الواقع لأن الثقافة الاجتماعية تنقصنا، ونفهم قضايا الإعاقة بأسلوب خاطئ، لافتة إلى أنه لمجرد سماعنا بالإعاقة نتعاطف دون استيعاب لأبعادها، فيما ينشغل علماء النفس والتربية والاجتماع بترجمة مصطلحاتها ويختلفون عليها مما أدى إلى إهمالهم وضع طرائق وآليات محددة للعمل الميداني، مطالبة بإعادة صياغة مفهومنا للمجتمع وهيكلة برامج التوعية المجتمعية وأن يكون دور الإعلام تنويرياً في نظرته للمعاق، وتفعيل برامج التدخل المبكر.

كتب يحيى عطية: