يعتقد سالم بن ركاظ في الأربعينات من عمره، أن الهيبة تكمن في تراث كل بلد وثقافته، هذا الشخص أصر على استقبالنا في مكان يعلو الكثبان الرملية في خلاء إمارة أم القيوين، ورغم كل ما يتمتع به ذلك المكان من أناقه وجاذبية إلا أنه بدا مجرداً من ثوب الحداثة ومتخلياً عن كل مقومات الحياة العصرية إلا من إنارة الكهرباء، فيه يجتمع الصغار ويتعلمون ثقافة وتراث أجدادهم الأوائل في الرزفة واليولة وغيرها من مسميات الغناء الشعبي الإماراتي القديم، إضافة إلى احتضانه لجلسات وسمرات الأصدقاء التي لا تترك لديهم سوى المتعة والتسلية، ذلك المكان يدعى قرية أم القيوين التراثية.
في المساء تجمع عشرات الصبية ممن تزينوا بتقاليد الماضي في ساحة رملية جسدت حياة الصحراء، ليتمتعوا بشتى الألعاب ويقدموا عروضاً تدريبية على فنون الغناء القديم، كل ذلك في أمسية مختلفة وبعيدة عن حداثة الدولة وتقنياتها وهؤلاء يعرفون بفرقة أطفال أم القيوين التراثية ومديرها سالم بن ركاظ والذي لا يتوانى في متابعة حركات أبنائه الصغار وتعليمهم الفن الذي ابتعد عنه الكثيرون.
فن أهل البادية
يقول مدير الفرقة: توجد فرقتان واحدة للكبار وأخرى للصغار، وقرية أم القيوين التراثية دائماً ترعى وتحتضن لقاءاتهم وتدريباتهم أو رحلاتهم بعيداً عن البيوت أو المراكز التجارية، فهم يتحفزون دائماً للمجيء لهذا المكان لممارسة الكثير من الألعاب القديمة والتراثية بالإضافة إلى الاستمتاع مع أداء العروض التقليدية والتدرب عليها.
وتعد الرزفة إحدى الفنون التقليدية التي يمارسها أهل البادية في مناسباتهم المختلفة كالاعراس والأعياد وغيرها الكثير من المناسبات، والرزفة البدوية فن يمارسه الرجال من البدو ولا تشارك فيه النساء فهي على نمط الرزحة عند الحضر، حيث يجتمع الرجال لإقامة الرزفة البدوية في صفين متقابلين متوازيين كما هي رزحة الحضر، ويبدأ بعد ذلك الغناء ويقوم أحد شعراء الرزفة بتلقين أحد الصفين نص الغناء شعرا فيتلقفه ذلك الصف ويقوم بترديده شعراً ونغماً أما الصف الأخر فيردد ما يغنيه الصف الأول بحيث يصبح غناء الشلة متبادلاً بين الصفين.
ويستمر تبادل الغناء بين المشاركين في الصفين حتى يستوفوا كلام الشعر، أما الحركة في الرزفة البدوية فتتألف من عنصرين هما: حركة المشاركين في الصفين وحركة الرازفين بينهما، بحيث يمسك المشاركون بعصي من الخيزران أو ببنادق أو سيوف يركزونها على الأرض ويحركون رؤوسهم إلى أعلى والى أسفل في إيماءات متوالية، وثنيات خفيفة من الجزء الأعلى من الجسم، وقد يضعون هذه العصا على أكتافهم ويقومون بنفس الحركات السابقة أما حركة الرازفين بين الصفين أو «اليولة» فهي حركة طليقة ويرمي كل واحد منهم سيفه أو بندقيته عاليا في الهواء ليتلقفها مرة أخرى قبل أن تسقط على الأرض في حركة تدل على البراعة والقوة. أو قد يقوم احدهم برفع بندقيته عاليا ويلفها بين يديه بحيث ترسم دائرة كاملة في الهواء إلى غير ذلك من الاستعراض بالأسلحة.
أبناء بيئة واحدة
أما فرقة أم القيوين التراثية والمعاصرة لأبعد التقنيات فتمارس وتتمرن على أداء هذا الفن عن طريق الكاسيتات التي تعد الجزء الأهم في أداء أفرادها كما يقول مدير الفرقة، مؤكداً أن الأغنيات تبقى نفسها التي تقال أو قيلت كتراث يتغنى به الجميع، لذلك أصبح الكاسيت المسجل يحتل مكاناً مهماً في عمل الفرق التراثية هذه الأيام.
وبالنسبة لممارسي هذا النوع من التراث والغناء والألعاب فجميعهم أبناء بيئة واحدة وأقارب يعرفون بعضهم البعض، ومن بينهم ستة أطفال هم أبناء مدير الفرقة المهتم كثيراً بتعليم تراث أجداده لأبناء الجيل الجديد، حيث يعتبر أنه ينبغي على كل شخص طلب العلم مهما كان نوعه وهذا التراث هو علم بحد ذاته ولا بد أن يستمر أبناؤنا في تعلمه وممارسته من أجل المحافظة عليه في وجه رياح الحداثة والتطور.
عروض ترحيب بالزوار
أما العروض التي يقدمونها فكثيرة كما يوضح ابن ركاظ، ففي الأعراس واحتفالات المدارس والجامعات يتواجدون بناءً على طلب مدفوع الأجر، وفي مطار دبي يقدمون في بعض الأحيان عروضاً ترحيبية واستقبالاً للزوار، مثلما توجد مشاركات متميزة سواء في مهرجان دبي للتسوق أو مفاجآت صيف دبي، وفي القرية العالمية التي أصبحت حدثاً يستقطب بقوة الفعاليات المختلفة، فدبي أضحت المكان الداعم للفرقة من خلال الأحداث الكثيرة التي تستضيفها الإمارة أو حتى في دعم المسؤولين وتشجيعهم للفرقة وحتى الإعلام في دبي يفسح مجالاً واسعاً من الاستمرار والتواصل والعمل أكثر.
في قرية أم القيوين للتراث صادفتنا مجموعة تقدر بنحو عشرين طفلاً ممن يتقنون ببراعة الغناء والأداء الشعبي القديم، توزعوا في ساحة زينتها المناظر القديمة بما فيها من معدات التراث القديمة التي بددت سكون المكان وأشعلت ليله نهاراً مع الألعاب التقليدية الكثيرة التي يطرب على ممارستها الأطفال هناك، متجاهلين كل ألوان الحداثة وجاذبيتها، ووسطها وقفت بعض الجمال والصقور في مشهد وكأنه من أواسط أو بدايات القرن الماضي، أما مكان جلوس الجميع فكان على الرمال ولا شيء تحتهم سواها، فالحلقة البشرية كانت كبيرة وفيها الكبار والصغار، إضافة إلى أصناف الفاكهة العديدة والقهوة والشاي، ثم جاء العشاء البدوي العربي الكريم.
شباب الغد الأوفياء
أطفال صغار أضفوا على جمال المكان جمالاً، سواء في حركاتهم أو في فنونهم المبهرة، بصولاتهم وجولاتهم وعلى سماع الأغنيات التراثية والشعبية أتحفوا وأمتعوا الناظرين، فكانت حركاتهم الرازفة ذات معنى يحكي الكثير عن تعلقهم بتراث قل مرتادوه، وابتعدت الأنظار عنه إلا من البعض المتشبث بكل ما يمت إلى الأجداد بصلة، وعلى رأس هؤلاء سالم بن ركاظ، فهو واحد من أكثر المهتمين بالتراث والمعنيين بإيصاله لأكبر عدد ممكن من الأطفال حيث ينظر إليهم على أنهم شباب الغد المخلصين والأوفياء لقديم ورائحة الأجداد.
الأطفال أبدوا سعادة كبيرة كانت واضحة على وجوههم لا سيما مع انتشارهم في الساحة المتواضعة لذلك المكان الرملي المحاط بأسلاك حديدية، فكانت أمسيتهم مختلفة بطابعها وأجوائها مع الجمال والصقور تارة وفي الألعاب التقليدية تارة أخرى والتي ربما أمضى معها أجداد آبائهم أوقاتاً تشبه إلى حد ما واقعهم التقليدي، ثم ما يلبثون أن يعودوا إلى تقديم العروض الجميلة والتدريبية في الرزفة واليولة أيضاً، وكل ذلك كان بمعزل عن المراكز التجارية والحداثة المعاشة من تقنيات وألعاب تستهوي غالبية الأطفال هذه الأيام.
انسجام مع «العزبة»
محمد حميد طالب في الصف السادس الأساسي وإلى جانب اتقانه لفن الرزفة واليولة فهو يرغب الحضور إلى هذا المكان كثيراً، والسبب كما يقول في أنه يتعلم ويمارس ألعاباً شعبية قديمة مع مجموعة من الأصدقاء والصغار، إضافة إلى تعلمه للأعمال الحرفية واليدوية، إذ يمارس وزملاؤه أعمال صناعة السعف والخيزران، ويتعلم أيضاً كيفية إخراج الماء من «الطوي» والحفر لإخراج الماء، وفوق ذلك كله فهو يأتي إلى النادي باستمرار لممارسة فن اليولة والرزفة الذي لا يتوقع يوماً من الأيام أن يبقى بعيداً عن هذه الأجواء التي كانت بفضل تشجيع والده وأصدقائه.
أما زميله عبيد خلفان في الصف الخامس الأساسي فقد اقتحم هذا اللون من الفنون التراثية منذ سنتين، ومع تشجيع الأهل والأصدقاء فهو يجد نفسه باستمرار في أجواء تقليدية تراثية ينسجم معها وخاصة في مثل هذا المكان «العزبة».
ويؤكد الطالب غانم راشد ابن الصف السادس الأساسي أنه لا يمكن وصف الجمال الذي يشعره في هذا المكان، ولا يمكن لأحد أن يجده من دون العيش والتواصل مع هذه الأجواء، وهو يأتي إلى «العزبة» طلباً للتسلية مع الصغار في الألعاب المتنوعة والشيقة والتي لا يمكن وجودها في الأماكن الأخرى أو في المراكز التجارية الحديثة، وبالنسبة لفنون الرزفة واليولة فيعرضها ويتألق فيها مع زملائه في الأعراس والمناسبات العامة والمراكز التجارية، وإخوانه الكبار ساروا مع هذه الفنون فكان حتماً عليه العيش مع أجوائها وتعلم فنونها الممتعة.
اهتمام قليل
ويوضح سلطان سالم أنه بدأ في تعلم هذه الفنون في سن صغيرة، وأقاربه بشكل عام يتقنون الرزفة واليولة وسبق لهم أن اقتحموا أجواءها ومن خلال متابعته لهم اقتنع بتعلم ما يستمتعون به ويمتعوا معهم الآخرين، أما شقيقه راشد فقد سار مع هذه المهنة الوراثية بكل ثقة وسهولة، وانسجامه وتعلقه بها نابع من كونها عادات وتقاليد وتراث الأجداد، ونظراً لعدم وجود اهتمام كافٍ بهذه الألعاب والفنون فهو متحمس كثيراً للاستمرار وتعلم المزيد منها، وبالتالي نقل خبراته فيها إلى غيره حتى لا تستمر المراكز التجارية الحديثة تسرقهم وتبعدهم عن تراث آبائهم وأجدادهم كما يقول.
متعة من دون المراكز
أما الطالب حمد حميد في الصف الأول ثانوي فاكتفى بوصف هذه الفنون والألعاب بالممتعة والشيقة والتي تغنيهم عن التفكير بحداثة المراكز، ومعها يجدون الأمتع دائماً، وكونها فنوناً تراثية تعامل معها الآباء والأجداد، فواجب على كل طفل أن يستقي منها ما هو كفيل بإحيائها ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة، وبالنسبة للأطفال في المدارس فالكثيرون يعرفون ممارسة هذه الفنون بشكل عام، ولكن قليل منهم الذين يتعمقون فيها ويتعاملون معها بشكل جدي، فإلى جانب أنها تراث القدماء والأجداد، فهي ممارسات تعلم الرجولة والصبر والشدة والقوة، ورغم التغيرات الكثيرة والمتسارعة في دولة الإمارات فستبقى هذه الفنون حية ومتوارثة نظراً لتعلق الصغار بها كثيراً.
بو ركاظ مدير الفرقة والمدرب المتابع لأطفاله بشكل لصيق يؤكد أن فرقة أطفال أم القيوين التراثية هي الأولى للأطفال والوحيدة على مستوى الإمارات، وفرسانها الصغار سيصبحون قادتها كباراً، إذ لا بد من الاستمرار والتواصل مع هذا التراث جيلاً بعد جيل، ولا بد أيضاً من تشجيع الأهل والعائلات لأبنائها الصغار للمحافظة على هذا التراث وتعلمه والعيش مع أجوائه حتى لا يصبح أطفالنا ضحية للحداثة ومتجردين من تراث أجدادهم.
متابعة: عنان كتانة