حقق ذاته باستخراج ملكاتها وأهلها للمضي في طريق الأهداف التي رسمها لنفسه وامتلك معها الإرادة.. المسؤولية في نظره إسهام إيجابي للتطوير ونقل الخبرة المتنوعة الروافد لديه إلى واقع يومي.. الحوار عنده هو تنفس العقل الصحي، حاصرته الغربة منذ سبع عشرة سنة وسط زحام الآخرين عندما غادر الوطن إلى أميركا لاستكمال دراسته.

في مسيرة تألق الدكتور عبدالله الكرم الرئيس التنفيذي لقرية دبي للمعرفة ومدير مشروع سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لتعليم تكنولوجيا المعلومات وما قطعه من مراحل دروس لا تنسى سطرتها الحروف التالية: يقول عن طفولته انها عادية وله من الإخوة خمسة أولاد وثلاث بنات انتهوا جميعهم من دراستهم الجامعية، فيما يجهل الوالدان القراءة والكتابة، متذكراً انتهاءه من دراسته الثانوية في مدرسة أحمد بن حنبل بالشارقة، سافر بعدها إلى الخارج للالتحاق بجامعة «ساوث كارولينا» في أميركا، متخصصاً في هندسة الكمبيوتر والالكترونيات.

ولاحظ خلال دراسته فكرتهم في أميركا عن العالم العربي المحدودة بحكم ما تتناقله وسائل الإعلام، محاولاً نقل صورة صادقة عن المجتمع العربي ودولة الإمارات، لافتاً إلى أن تخرجه في الجامعة تزامن وبداية حرب الخليج، مشيراً إلى دهشة المواطن الأميركي واستغرابه لإنفاق الدولة على دراسته وتوليها مصروفاته. ويضيف: فترة الدراسة في الجامعة طوال خمس سنوات «أحلى سنوات العمر» لأنها من عمر الإنسان، فترة اطلاع وبحث ودراسة لا سيما في أميركا، علاوة على النظام والاحترام وممارسة الرياضة والاعتماد على النفس بعيداً عن الأسرة، مسترجعاً قصة صقلت شخصيته خلال فترة الدراسة عندما خرج من سكنه قاصداً الجامعة لكنه نسي شيئاً فعاد إلى السكن ليجده مفتوحاً وخالياً من كل شيء، سرقه اللصوص وكان عمره حينها سبع عشرة سنة ولم يصدق ما حدث، ورغم ذلك لم يتصل بأهله لإعلامهم بما حدث، وأكمل دراسته فائقاً ونال أعلى المعدلات.

القطاع الخاص

عن تجربته في القطاع الخاص يقول: بعد حصولي على البكالوريوس عملت فترة مطلع التسعينات في الدولة ثم ذهبت للعمل في شركة للحاسوب بفرنسا، ثم عدت إلى أميركا في العام 1995 لإكمال دراستي العليا، متذكراً التحاقه بوظيفة تقدم إليها من خلال إحدى الشركات شكلت تحولاً في شخصيته وذلك من خلال الإعلان عن حاجة الشركة لمبرمج ودعوته خمس مرات لإجراء المقابلة بعدها تمت الموافقة على إلحاقه للعمل بها، متذكراً أنه سار للمديرة المسؤولة في أول يوم دوام وكان يحمل مظروفاً يحوي شهاداته الدراسية المختلفة كما دونها في سيرته الذاتية للشركة وقدمها للمديرة فسألته عنها، فأجاب أنها إثبات لما قدمه في السيرة الذاتية، فأكدت له أن التقييم على مدى الكفاءة الوظيفية دون النظر إلى الشهادات الدراسية، مشيرة إلى أن الموظف يتقاضى راتبين، راتباً في بداية العمل وآخر في نصف الشهر.

ولفت الدكتور الكرم إلى أن التوفيق كان حليفه للاستمرار في العمل مع الشركة، مؤكداً أن لقاءه بالمديرة المسؤولة كان نقطة تحول في مفهومه للعمل في القطاع الخاص والاعتماد على جودة الأداء الوظيفي، ومدى تماشي الأهداف الخاصة مع أهداف الشركة وتطلعاتها، والعمل بروح الفريق الواحد.

السلك التعليمي

جمع بين الدراسة في الجامعة والعمل بالقطاع الخاص بقصد الاستفادة والتجربة والبحث، مشيراً إلى أن معظم من درّس لهم أجانب وبالتالي كان التدريس ممتعاً، معتبراً الوظيفة منهاج حياة وتجربة ثرية جعلته يختلط بالسلك الأكاديمي.

وأغلب الجامعات الأميركية على حد قوله تهتم بالبحوث من القطاع الخاص سواء منها في المجال التطبيقي أو العملي. الدكتور الكرم مسجل على القائمة الوطنية الأميركية لعمداء السلك التعليمي، وطريقه إليها كان من خلال البحوث والأوراق العلمية المقدمة في ندوات مختلفة وإمكانية الاستفادة منها بصرف النظر عن الأقدمية وأولويتها، مشيراً إلى أن الطريق إلى عمادة السلك التعليمي لم يكن مفروشاً بالورود بل شائكاً، وفي الوقت نفسه مفيداً وممتعاً.

ومن بين نصائحه لطلبة الجامعات في الدولة عدم النظر إلى المعدل فقط لكن من الضرورة النظر إلى الخبرة التي تتمثل فيما قدمه من مشاريع جامعية، والتعامل مع زملائه والشركات والمؤسسات المجتمعية، حتى لا يكونوا حاصلين فقط على شهادات علمية تنقصها الخبرة الميدانية.

وأشار إلى أن الشباب بصفة عامة ينقصهم الابتكار وحب التعلم والاستكشاف والإبداع، ويفتقدون التنافس الإيجابي بينهم والغيرة على العمل، مؤكداً أن المنافسة هي المحرك الأساسي للتطوير وكذا الاختلاط مع الجنسيات الأخرى.

أهداف كبيرة

يؤكد أنه يبحث عن أهداف كبيرة ويلهث وراءها تأكيداً للذات، ماذا عمل؟ وكيف ساعد غيره، وهل طور؟، مشيراً إلى أنه لطالما تنازل عن الصغائر والهامشيات لأنه ربما يكون الطرف الآخر يتعامل بنية طيبة، والحوار عنده هو تنفس العقل الصحي، وعندما يكون مع إنسان حضاري ينبض العقل وهذا هو أهم ما في صداقة الفكر.

يرى أن المسؤولية إسهام إيجابي للتطوير واستخدام ما تعلمه من الغرب ونقل الخبرة العملية إلى مجتمعنا العربي، وما يمكنه من خلالها من إحداث تغيير وتطوير فعليين.

عن مناهجنا الدراسية قال: لابد من مواكبة المناهج لمتطلبات سوق العمل وتواصلها بين المراحل الدراسية المختلفة، مشيراً إلى أن المسيرة التعليمية في حاجة لإعادة ولادة، وألا تتوقف العملية التعليمية مع نهاية المرحلة الجامعية وأن تتواصل مع الحياة.

الدكتور الكرم أكد أنه شعر بالغربة منذ سبع عشرة سنة وسط زحام الآخرين سواء في أميركا أو الوطن، فالغربة كما يقول كانت إيجابية له بمعنى أنها أعطته مجالاً للتعلم من الآخرين وتعليمهم والاعتماد على النفس عكس من يعتبرونها تغييباً عن الواقع، مستخلصاً من تجاربه ونجاحاته لشباب اليوم ضرورة البحث عن الأمر الذي بإمكانهم الإبداع فيه، وعند تحديده تكرس الجهود إليه، فالسماء هي حدود الباحثين عن الإبداع كما يرى، وفيما يتعلق بالعمل، عندما تتخذ قراراً اسأل نفسك: أين عوامل النزاهة والالتزام والفائدة منه؟

حوار: يحيى عطية