تلقي المجموعة الجديدة من الوثائق البريطانية الضوء على عدد من القضايا المهمة المتعلقة بالعراق وسياسته الخارجية من حيث علاقاته بالدول العربية والتغير الذي طرأ على تلك السياسة وبخاصة الإيمان أن الوحدة العربية لا يمكن فرضها بالقوة .
وإنما تتم بالإرادة الحرة للشعوب العربية، وكذلك التوجه نحو تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول العربية على الرغم من الخلافات في المواقف السياسية. ويبدو، من خلال هذه الوثائق، أن حكومة البعث في العراق، اتجهت نحو الانفتاح مع الدول العربية جميعها باستثناء سوريا، التي تعتبرها خصماً لدوداً لها، رغم أن النظام الحاكم فيها هو نظام بعثي.
الوثيقة الأولى التي نعرضها عبارة عن رسالة من جي جراهام في السفارة البريطانية في بغداد إلى آي. لوكاس بدائرة الشرق الأوسط بوزارة الشؤون الخارجية والكومنولث. ويلفت نظرنا لدى مطالعتنا لهذه الوثيقة مجموعة من النقاط المهمة نوجزها فيما يلي:
ـ العراق اتفق مع مصر على الاختلاف سياسياً والتعاون في الاقتصاد والمجالات الأخرى.
ـ ترى الحكومة العربية أن تغيير الأنظمة العراقية «غير الثورية» يأتي بمرور الزمن ووفقاً لرغبات الشعوب.
ـ يتفق العراق مع ليبيا في الموقف من محاولات التوصل إلى حل سلمي لقضية الشرق الأوسط (القضية الفلسطينية)، ولكنه لا يتفق معها في موقفها من مصر.
ـ إن الحكومة العراقية تؤمن أن الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلاّ من خلال إرادة الشعوب.
ـ هناك تناقض بين الأقوال والأفعال بالنسبة للحكومة العراقية، وبخاصة فيما يتعلق بسوريا ولبنان.
نعرض فيما يلي نص الوثيقة كاملاً:
،، سرّي ،،
من السفارة البريطانية في بغداد
إلى: آي.تي.إم لوكاس المحترم
دائرة الشرق الأوسط
مكتب وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث
التاريخ: 1 يوليو 1975
الموضوع: علاقات العراق مع الدول العربية الأخرى
عزيزي إيفور،
ـ زرت محمد صبري الحديثي، وكيل وزارة الخارجية المسؤول عن العلاقات مع الدول الأجنبية، في التاسع والعشرين من يونيو لإجراء محادثات عامة معه. فقد عمل معنا معروفاً لتوِّه بالتوسُّط في اللحظة الأخيرة للحصول على تمديد لمدة عام لتصريح الإقامة الممنوح لمواطن بريطاني أقام في البصرة مع زوجته العراقية طوال الـ 50 عاماً الماضية.
ولهذا، فقد بدأت الحديث بتوجيه الشكر له على ذلك. ثم سألته ما إذا كان بمقدوره إخباري بأي شيء عن زيارات السادات (برقيتي رقم 255 المرسلة إلى وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث في 14 مايو).
وفهد (برقيتي رقم 308 المرسلة إلى وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث في 16 يونيو) وجلوّد (برقيتي رقم 312 المرسلة إلى وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث في 19 يونيو)، وجميعها حدثت منذ آخر مرة التقيته فيها في مكتبه.
ـ قال الحديثي إن الزيارات قد ساهمت بشكل كبير في تعزيز التفاهم المشترك. فسياسة العراق، على سبيل المثال، إزاء قضية الشرق الأوسط، كانت تختلف عن سياسة مصر، ولكنهما استطاعتا أن تتفقا على الاختلاف، وضمن ذلك الاتفاق، أن تتعاونا في المجال الاقتصادي والمجالات الأخرى.
والشيء نفسه حدث مع السعودية، فعلى الرغم من أن العراق ينتقد الأنظمة الملكية، إلا أن سلوك حكومة كل دولة هو أمر يخصها وحدها: التغييرات ستأتي بلا شك مع مرور الزمن، وبما يتماشى مع رغبات الشعب. ومع ليبيا، يشترك العراق في موقف موحد من المحاولات لتحقيق تسوية سلمية لقضية الشرق الأوسط.
ولكنه لا يشارك ليبيا موقفها الخاص من العلاقات مع مصر: وبينما قد تتماشى الحكومة العراقية مع تصريحات جلود حول معارضته للسياسة المصرية، فإنها تستمر في التعاون مع مصر في المجال الاقتصادي والمجالات الأخرى طبقاً للسياسة العامة الوارد وصفها أعلاه.
ومع انه لم يوضح الأمر بتلك الكلمات تماماً، إلا أنه بدا لي أن الحديثي كان يقول ما قاله السفير الليبي من أن العراق يبدي ولاءه الكلامي لرفض أي مفاوضات مع إسرائيل ولكنه لن يفعل أي شيء (برقيتي رقم 315 المرسلة إلى وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث في 23 يونيو).
ـ وعموماً، قال الحديثي إن الحكومة العراقية تؤمن بأن الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال إرادة الشعوب. وإن محاولة فرضها عليها قبل أن تصبح مستعدة لذلك يهدف فقط إلى الدعاية. قلت إنني ذُهلت بالكلمات الواردة في مقالة رئيسية نشرت في صحيفة الجمهورية خلال زيارة السادات.
لقد تحدثت تلك المقالة عن بناء جسور التعاون، بصرف النظر عن الخلافات في النظامين السياسيين، وعن التعاون في المجالات الإنسانية والثقافية والاقتصادية باعتباره الأساس الحقيقي للوحدة.
فقال الحديثي إن تلك المقالة عبرت بشكل جيد عن موقف الحكومة العراقية. دعونا نأمل أن يكون على حق: حيث ان الأحداث في سوريا، وكذلك في لبنان، توحي أن هناك خطراً حقيقياً بأن اليد اليسرى واليد اليمنى، في أحسن الأحوال، قد لا تعرف ماذا تعتزم الأخرى أن تفعل، وفي أسوأ الأحوال، تعرف وقد تعمل عمداً بصورة ترادفية مع الأقوال المعسولة والأفعال القذرة.
المخلص
جي.إيه. أن غراهام
السياسة الخارجية
الوثيقة التالية التي نعرضها هنا يمكن اعتبارها مكملة للوثيقة الأولى، ولكنها أكثر شمولاً وتوضيحاً، حيث أنها تتضمن شرحاً للسياسة الخارجية للعراق سواء تجاه جيرانه من الدول العربية وإيران أو إزاء الدول الغربية والاشتراكية. ونتوقف في هذه الوثيقة عند مجموعة من الملاحظات المهمة:
ـ مثلت اتفاقية الجزائر اتجاهاً واقعياً في التفكير العراقي، انعكس كذلك في تغير الموقف من دول الخليج ومصر ودول أخرى.
ـ استمرار وجود مشكلات للحكومة العراقية مع الكويت وعمان.
ـ هناك صراع آيديولوجي حاد مع نظام البعث في سوريا يتضمن الفلسطينيين أيضاً، ولكن الوثيقة تستبعد اندلاع حرب بين البلدين.
ـ إن الوحدة العربية تبقى الهدف البعيد لحزب البعث العراقي وإن بات يعتقد أن تحقيقها يتم من خلال التعاون العملي وليس من خلال القوة.
ـ إن العراق يعارض من حيث المبدأ استمرار وجود الدولة الصهيونية، إلا أنه قد يقبل به إذا وافقت الدول العربية الأخرى على ذلك.
* إن علاقات العراق مع الدول الشيوعية وثيقة ولكن هناك توترات خافية.
ـ إن العلاقات التجارية مع الغرب جيدة ولكن العلاقات السياسية متأثرة، باستثناء العلاقة مع فرنسا، باختلاف السياسة حول الشرق الأوسط.
ـ إن علاقة العراق ببريطانيا هي علاقة صحيحة وسلسة على المستوى الشخصي.
وفيما يلي نص الوثيقة التي هي عبارة عن تقرير دبلوماسي مرسل من السفير البريطاني في بغداد إلى وزير الشؤون الخارجية والكومنولث في لندن:
«سرّي
تقرير. دبلوماسي رقم: 75/298
من: سفير الملكة في بغداد إلى وزير الشؤون الخارجية والكومنولث
مكتب وزارة الخارجية والكومنولث
التاريخ: 5 أغسطس 1975
الموضوع: السياسة الخارجية للعراق
تحية طيبة،
«لاتزال الدبلوماسية العراقية تحتفظ بطابعها النشط الذي لا يهدأ» هكذا كتب إيلي كيدوري في العدد الأخير من مجلة الجمعية الملكية للشؤون الآسيوية. يشرفني في هذه الرسالة أن أبحث في السياسة الخارجية العراقية وأن أحاول استنباط بعض الأفكار والمبادئ التي قد تكون مفيدة في تقييم مسارها المستقبلي. غير أن العراق يحكمه حزب ثقافته سرية، وقواعد السّرية المتعلمة في تلك المدرسة جرى تطبيقها في الحكومة.
وبالتالي، فإن أي شخص يقوم بهذه المهمة يكون مثل صياد السمك الذي يحاول أن يستدل على موقع السمكة من التيارات والدوامات على سطح النهر ـ وهو يمكنه على الأقل أن يكون واثقاً من اتجاه جريان النهر، مع أنه قد لا يصطاد أية سمكة.
ـ قبل عام، هيمن التمرد الكردي على السياسة العراقية، في الداخل والخارج، مع الاستثناء المؤقت حتى لقضية الشرق الأوسط. كانت الحرب تكلف حوالي 3 ملايين جنيه استرليني في اليوم.
وقد أخذ التجنيد الإلزامي الشباب من الأرض ومن مواقع البناء، وكانت هناك أعداد متزايدة من الخسائر البشرية وإن كانت معترف بها. وعلاوة على ذلك، فقد كان واضحاً للجميع أن إيران متورطة عميقاً في دعم المتمردين. ومن وراء إيران، زعم العراقيون أنهم يرون الأميركيين والاسرائيليين.
لم تكن الدعاية فقط هي التي قادتهم إلى الإدعاء أنهم يقاتلون العدو المشترك نفسه في الشرق الذي يواجهه السوريون والمصريون في الغرب، وكان العرب، كما رأوا الأمر، هم حبة بندق في كسارة العداء الأميركي، التي تعمل من خلال إسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى ثم، وبين عشية وضحاها بالمعنى الحرفي للكلمة.
وفي 6 مارس في الجزائر، توصل صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، إلى اتفاق مع الشاه يتم بموجبه ترسيم حدود اليابسة وضبطها ومنح إيران خط «ثالويج» في شط العرب الذي كانت تطالب به منذ إلغائها لمعاهدة 1936 في عام 1969.
وعلاوة على ذلك، فقد كان هناك شرطان ضمنيان هما: سحب العراق معارضته للاحتلال الإيراني للجزر في الخليج (جزر الإمارات الثلاث ـ المترجم) وهي (المعارضة) التي سببت الكثير من المتاعب والمشاكل لحكومة ملكة بريطانيا، ودعمه للتطلعات الوحدوية في خوزستان، وسحب إيران لدعمها الذي تقدمه للمتمردين الأكراد في العراق.
وعلى الفور انهار التمرد. والمتشككون الذين قالوا ان الاتفاق لن يصمد أصيبوا بالذهول حتى الآن من التقدم المتناغم على ما يبدو، تحت إشراف وزير الخارجية الجزائري، نحو توقيع معاهدة رسمية تضم وتوسع من شروط اتفاقية الجزائر ومن تبادل الزيارات بين العاصمتين.
ـ ومع ذلك، لابد ان يبقى هناك بعض الشكوك، فاتفاقية الجزائر أملاها تقدير واضح من قبل كل من العراق وإيران لمخاطر موقفيهما. فالعراق احتاج للسلام في الشمال، بسبب التكلفة، وبسبب حاجته للتنمية الاقتصادية السريعة لإرضاء الضغوط الداخلية وبسبب خطر اندلاع حرب ثانية في الشرق الأوسط.
والعراق كان متخوفاً أيضاً من الحرب مع إيران، التي يبدو أنه كان لديها الخوف نفسه، حيث كان قد بدا واضحاً أنه إذا لم تتعمق في التدخل، فإن الأكراد سيتعرضون للهزيمة.
كانت مشكلة الشاه تتمثل في الانسحاب مع الحفاظ على ماء الوجه واستعداد العراق لتقديم تنازلات في شط العرب وفي الخليج العربي أفسح المجال لذلك.
وعلاوة على ذلك، فإن كلا الطرفين لديهما مصلحة مشتركة في الحفاظ على العلاقة الجديدة: فكلاهما مهتم بالأمن وحرية الملاحة في الخليج ويشتركان في الحاجة لأقصى العائدات من النفط وفي النهج المطلوب لتحقيق ذلك. ومع ذلك، جاء الأمر بمثابة مفاجأة للجميع ان يكون العراق مستعداً لدفع الثمن الذي يطلبه الشاه، الأمر الذي عرضه للانتقاد من داخل العراق ومن جانب بعض من أشقائه العرب، وبخاصة سوريا.
وفي غياب أي نظرية بديلة، فإنني اقترح ان ذلك يعتبر دليلاً على نهج جديد إزاء السياسة الخارجية، على الأقل من جانب الرجال المتربعين على قمة السلطة في العراق، وبخاصة صدام حسين، يعتبر نهجاً أكثر ذكاء وعملية وأقل مثالية وعاطفية مما هو الحال غالباً في العالم العربي، وهي براغماتية تضاهي براغماتية السادات في سياق قضية الشرق الأوسط.
اذا كانت هذه النظرية صحيحة، فإننا نتوقع ان ترى دلائل أخرى عليها، وأنا أعتقد أنها موجودة بالفعل، أولاً، العراقيون صرحوا بما جرى لاستقطاب جيرانهم العرب. فقد قام أمير قطر بزيارة رسمية إلى بغداد، كما فعل ذلك ولي عهد البحرين، والمبعوثون العراقيون شقوا طريقهم على عجل إلى جميع العواصم الخليجية.
وحتى مع السعودية، كان هناك اجتماع. الأمير فهد زار بغداد، وتم التوقيع على اتفاقية لتعديل الحدود، والسعودية قدمت للعراق مبلغاً كبيراً من المال، وقد يكون أكثر الأمور غرابة، هو ان وزيراً سعودياً قام بمهمة الوسيط بين نظامي البعث في سوريا والعراق، فقط مع الكويت وعمان ظلت الخلافات عالقة:
ففي حالة الأولى تبنى العراقيون نهجاً غير مقنع تماماً من الصبر والعقلانية الجميلة في دفع مطالبتهم ببعض الأراضي الكويتية، الأمر الذي لايزال يعتبر، في أسوأ الأحوال، بعيداً كل البعد عن حدة مطالبة قاسم «عبدالكريم قاسم ـ المترجم» بكامل أراضي الكويت.
أما مع عمان، فإن الوضع لايزال متوتراً، على الرغم من الحديث عن إقامة علاقات دبلوماسية، حيث إن الآلة العراقية تواصل دعمها الكامل لمتمردي ظفار، وهذا الأمر شبه مؤكد وليس مجرد كلام.
على نحو مماثل في ميدان أبعد، تتسم علاقات العراق مع مصر بالدفء، حيث تعززت من خلال اتفاقية حول التعاون الاقتصادي وبفعل الزيارة الأولى لرئيس دولة مصري (يقال منذ عهد البطالمة) والتي قادت إلى الاتفاق على الاختلاف حول قضية الشرق الأوسط، على الرغم من رفض العراق لجميع قرارات مجلس الأمن ولتسوية سلمية تترك إسرائيل سليمة كدولة.
ومع الأردن، يبدو أن هناك تقارباً أيضاً ربما ولد انطلاقاً من حاجة العراق لمنفذ آخر على البحر ومن حاجة الأردن للمال أكثر مما هو من ود حقيقي. ومع الجزائر، كانت العلاقات ودية منذ فترة طويلة، ولكن الآن العلاقات مع تونس والمغرب صحيحة وأكثر من صحيحة.
وحتى مع ليبيا، التي يفترض أن يبدو العراقيون مشتركون معها بأمور كثيرة ولكن العلاقات لم تكن سلسة في الماضي، تبدو العلاقات الآن ودية في الظاهر في أعقاب الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الليبي.
فقط مع سوريا، في العالم العربي، يعتبر العراق في خلاف حاد. ومن الواضح أن الخلاف ليس على كمية المياه التي يتعين على سوريا إطلاقها من الفرات، وليس كما أعتقد، على تدفق النفط العراقي إلى اللاذقية.
إنه صراع على النفوذ بين جناحي البعثية، تنبع ضراوته من هذه الحقيقة. وهذا الموقف اتضح في الدفعة الأولى من الحملة في فبراير الماضي عندما وصفت صحيفة الثورة التابعة لحزب البعث العراقي الانقلاب البعثي في سوريا عام 1966 انه «ثورة مضادة»، وبسبب تشابهه مع النزاع الصيني ـ السوفيتي، فإنه حرب داخلية ضمن حركة سياسية واحدة.
وبسبب الخصومات الشخصية المتضمنة فيه، فإنه غير محكوم بالقواعد نفسها شأن بقية السياسة العراقية إزاء الدول العربية. ويعتبر النفط والمياه من بين الأسلحة المستخدمة ولا نستبعد تكتيك حرب العصابات والإرهاب، ولكنني لا أعتقد أن الخلاف سيتطور إلى حرب مفتوحة، لا لشيء إلا أنه من الصعب رؤية كيف سيحقق أي من الطرفين أهدافه من خلال الحرب.
من جهة أخرى، أعتقد أنه صراع من أجل السيطرة على الحركة الفلسطينية، وهي محاولة من قبل العراقيين لكي يضمنوا أنه إذا ما قامت دولة فلسطينية، فإن البعثيين العراقيين داخل الحركة سيكونون في وضع جيد يسمح لهم بالسيطرة، كخطوة أخرى بعيدة المدى لسيطرة البعث العراقي على المشرق كاملاً وفي النهاية لتوحيد العالم العربي تحت راية البعث المتمركز في بغداد.
ليس لدي شك أن يبقى هذا هو الهدف بعيد المدى، فصدام حسين قال ذلك. غير أن البراغماتية الجديدة ليست مجرد تكتيكات قصيرة الأجل. وإنما هي تمثل تحولاً حقيقياً إلى الاعتقاد أن الوحدة يجب أن تبنى بصورة عضوية ولا يمكن فرضها على الأقل على دول راسخة مثل مصر والسعودية. (سوريا، كما قلت، تعتبر حالة خاصة).
وبدلاً من ذلك، يجب أن تؤسس الوحدة على العلاقات الاقتصادية والثقافية المتنامية باضطراد، التي ستؤدي إلى ظهور هيئات ومؤسسات يستطيع البعث أن يفرض نفسه عليها تدريجياً. إن «جسور التعاون» من دون الاعتبار للخلافات السياسية والنظام الاجتماعي ينظر إليها الآن على أنها الأسس الحقيقية للوحدة بحسب الصحف العراقية.
وفي الواقع فان سياسة العراق الجديدة نحو جيرانه العرب تحمل تشابهاً واضحاً مع الرؤية السوفييتية للانفراج والتعايش، كوسيلة لغاية، هي الهيمنة في النهاية، ولكن بحلول ذلك الوقت ستكون كميات كبيرة من النفط قد تدفقت وقد يكون العراق مكاناً مختلفاً تماماً.
ـ اعتقد أنه يجب ان ينظر إلى الجانب الأكبر من الموقف العراقي ازاء قضية الشرق الأوسط في إطار هذه الحقيقة. ففي مؤتمر القمة العربية في الرباط الذي عقد الخريف الماضي، سمح صدام حسين بافتراض أن العراق، وبينما يحتفظ بموقفه القائل ان الاحقاق الكامل للحقوق الفلسطينية يتطلب تفكيك إسرائيل كدولة صهيونية (ولكن ليس طرد السكان اليهود).
وأن هذا الحل لا يتحقق من خلال المفاوضات، فإنه لن يقف (أو لا يستطيع) في طريق تلك الدولة المعنية بشكل مباشر. وبحسب القائم بأعمال وزير الخارجية العراقي في حديث خاص له، فإن هذا سيبقي الموقف العراقي، مع أن الرئيس البكر تحدث في خطاب حالة الاتحاد في 17 يوليو بعبارات أقسى وتقدم باقتراح لرفض من قبل سوريا لقراري مجلس الأمن رقم 242 و338 ومؤتمر جنيف ولتشكيل جبهة شمالية مع العراق لمحاربة العدو.
ويبدو واضحاً أن هذا الموقف، الذي أبرز الرفض المتوقع، كان يهدف إلى تجاوز سوريا باتجاه اليسار وبالتالي ينبغي الحكم عليه في سياق نزاع العراق مع سوريا وليس في سياق قضية الشرق الأوسط حيث أن من الخطر اللعب في السياسة مع الأخيرة.
وتدعم وجهة النظر هذه من خلال غياب أي انتقاد سواء في خطاب الرئيس أو في الصحافة العراقية لمصر أو الأردن: فسوريا وحدها هي هدف الشكاوى العراقية بشأن «الاستسلام».
ومع ذلك، فإنه يبدو بحكم المؤكد أنه اذا ما قدّر لاندلاع حرب أخرى مع اسرائيل، فإن العراق سيزج بقواته فيها، التي تعتبر الآن، نتيجة للحرب الكردية، أكبر ومدربّة على نحو أفضل، دعماً إما لسوريا أو الأردن أو كليهما ـ وبالتأكيد فإنه قد يرحب بهذه الفرصة في ضوء مخططاته.
ـ العلاقات مع الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية الأخرى، بما في ذلك الصين، تظل وثيقة على ما يبدو. فحزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر الثورة العربية جزءاً من «الثورة العالمية» ويشعر أنه متناغم ايديولوجيا مع الشيوعية.
ولكنه يبقى عربياً قومياً أولاً. ومثاله «للقومية الاشتراكية» يتضمن رفض الدور القيادي للحزب الشيوعي السوفييتي. والحكومة العراقية تعتبر نفسها دولة مستقلة وغير منحازة، واعتقد أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن الرئيس البكر أفرد في خطابه حول حالة الاتحاد مكاناً مميزاً للعلاقات مع يوغوسلافيا.
وعلى نحو مماثل، تمت الاشادة بموقف الهند في عدم الانحياز، وعلى نحو أكثر يسارية ربما بالعلاقات الوثيقة بين الحزبين الحاكمين في كلا البلدين. لا تزال معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي قائمة، ولكن لا تتم الإشارة إليها إلا في الذكرى السنوية لتوقيعها، ويبقى الروس والألمان الشرقيون وباقي الدول الشيوعية الموردين الرئيسيين للقوات المسلحة العراقية وهم نشطون في العديد من المجالات التنموية والتجارية.
ولكن هناك مؤشرات على التململ والاستياء حول الطلبيات والجودة أيضاً، وإن كان على نحو أقل وضوحاً، حول القيود السياسية التي يراها الروس متأصلة في العلاقة. ولهذه الأسباب ربما وللحصول بلا شك على التنوع، النوعية والكمية من السلع، والخبرات التي يحتاجونها، فقد تحوّل العراقيون بصورة كبيرة نحو الغرب.
فالتجارة مع دول مثل اليابان، جمهورية ألمانيا الاتحادية، فرنسا والولايات المتحدة ( مع أنه يوجد هنا بعض المعوقات العالقة)، ومعنا تنامت في عام 1974 بمعدل عدة مئات في المئة، وظل هذا الاتجاه سائداً في عام 1975، وحتى في مجال التسلح، كان العراقيون متحمسين لتنويع مصادرهم بالنسبة للإمدادات.
وتقدموا بطلبيات ضخمة على سبيل المثال، لكل من بريطانيا وفرنسا من أجل شراء معدات عسكرية، وفي حالتنا كان ذلك ضمن حدود سياستنا العامة حول مبيعات السلاح للشرق الأوسط، غير أنه من الناحية السياسية، فإن العلاقات مع دول أوروبا الغربية باستثناء فرنسا كانت غير وثيقة (تركيا تعتبر حالة خاصة أخرى، حيث تملي العلاقات الحسنة من خلال اعتبارات عملية عديدة ولا وجود لأي معوقات أيديولوجية أو سياسية). وأعتقد أن العامل الأساسي في هذا الأمر هو قضية الشرق الأوسط.
وهنا يعتقد أن دول أوروبا الغربية مرة أخرى باستثناء فرنسا متعاطفة بشكل مفرط مع إسرائيل ومذعنة جداً للولايات المتحدة التي على الرغم من شراء العراق للقمح والطائرات، تبقى في الدعاية الرسمية العدو الامبريالي الرئيسي المؤيد لإسرائيل.
كما أن مكانة العراق التي اختارتها لنفسها بأن تكون دولة اشتراكية (دولة الحزب الواحد) جعلها بالضرورة خارج نطاق تعاطف الديمقراطيات الاجتماعية.
ومع ذلك، وفي نطاق هذه القيود هناك مجال لعلاقة عملية جيدة قائمة على التجارة، التعليم والتدريب وهذا ينطبق بشكل خاص على بريطانيا، حيث تم تدريب العديد من العراقيين ممن هم في مواقع السلطة وحيث يختار الكثيرون غيرهم الذهاب للتسوق والاستجمام.
ومن الناحية السياسية فإننا ما زلنا في موضع شك بسبب التاريخ السابق وبموقفنا من قضية الشرق الأوسط، ومن القضايا العربية بشكل عام، بما في ذلك سعر النفط، ولكن هناك اعترافاً واسع النطاق بأن لدينا الكثير لنقدمه وتصميماً للاستفادة منه
. ليس هناك دفء في العلاقات حتى الآن، ولكنها علاقات في المسار الصحيح، وعلى المستوى الشخصي سلسة، ومع مرور الوقت، قد يحل الدفء، ولكن لا حاجة لاستعجاله، فالشيء المهم هو عدم وضع معوقات في طريق التطور بهذا الاتجاه، وعدم إغلاق الأبواب.
(جيه. إيه. إن جراهام)
إعداد وترجمة: ضرار عمير