يروي المؤلف في هذه الحلقة من الكتاب قصة وصول ديك تشيني إلى واشنطن محمّلاً بكثير من الطموحات وقليل من الإنجازات، وكيف أدرك مبكراً أن عليه ان يتشبث بتلابيب شخص آخر كي يصعد بسرعة، وكان ذلك الشخص هو دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع حالياً.
حرص تشيني كل الحرص على أن يكون الساعد الأيمن لرامسفيلد، الذي كان شخصاً مفضّلاً لدى الرئيس الأميركي الجمهوري ريتشارد نيكسون، ورغم فشله في الاختبار الأول لدى تقدمه لشغل وظيفة في طاقم العاملين مع رامسفيلد، الذي كان عضواً في مجلس النواب، إلا أنه ظل مثابراً على جهوده للوصول إليه والحصول على مقعد في مركبته السائرة بقوة نحو البيت الأبيض.
الفرصة الذهبية لتشيني كي يتولى منصباًرفيعاً سنحت عندما تولى جيرالد فورد منصب نائب الرئيس في ادارة نيكسون بعيد ظهور فضيحة ووترغيت، واختار رامسفيلد رئيساً لطاقم البيت الأبيض الذي قام بدوره باختيار تشيني نائباً له.
وصل ديك تشيني إلى واشنطن كرجل ذي طموحات كبيرة وإنجازات قليلة. كان في السابعة والعشرين من العمر، له زوجة وطفل ولديه شهادتان من جامعة ويومنغ. لكن، بينما كان الرجال الآخرون في سنّه يشقون طريقهم بشكل جيد نحو ترسيخ أنفسهم كلاعبين سياسيين، كان قد جاء إلى العاصمة كمتدرّب مبجّل. وكان يحتاج إلى التشبّث بتلابيب شخص آخر إذا كان يأمل في الصعود بسرعة - شخص مثل دونالد رامسفيلد. وعلى عكس تشيني، فإن الرياضي المزعوم الذي لا جذور له، المثقف المزعوم، والغربي المزعوم، رامسفيلد، كان هو الشخص الحقيقي.
فقد ولد قبل تشيني بتسع سنوات لعائلة ثرية ونشأ في ضواحي شيكاغو، وكان مصارعاً بارزاً في مدرسته العليا وفي برينستون. كان رامسفيلد يختلف اختلافاً كلياً عن تشيني: تخرج فعلاً من مدرسة في آيفي ليك، برينستون، ثم تطوع في سلاح البحرية الأميركي، تدرّب كطيار مقاتل في أوج الحرب الباردة. ومع أواخر الخمسينات، كان يخدم كمساعد لعضو الكونغرس عن متشيغان، روبرت غريفن، أحد أقطاب المجلس ومؤلف مشارك لقانون لاندرم-غريفن المناهض للعمال في عام 1959.
وقبل أن يبلغ الثلاثين من العمر، عاد رامسفيلد إلى ألينوي ليفوز بمقعد في مجلس النواب ممثلاً لأغنى ضواحي شيكاغو. ومع أواخر الستينات، عندما ظهر تشيني أخيراً في واشنطن، كان رامسفيلد يمضي فترته الثالثة في مجلس النواب، ويبني سمعة كواحد من النجوم الشبان في الحزب الجمهوري. وكان قد ساعد في تدبير انقلاب في مؤتمر جمهوري جعل من نائب شاب نسبياً عن متشيغان، اسمه جيرالدفورد، زعيم الأقلية في المجلس، وبذلك ضمن إمكانية صعوده بأسرع ما يمكن ليصبح عضواً جمهورياً في الكونغرس في تلك الأيام التي شهدت هيمنة ديمقراطية.
لكن رامسفيلد لم يكن قانعاً بالخدمة فيما كان يشار إليها في ذلك الحين «بالأقلية الدائمة». ففي خضم تطلعه إلى البروز، كان يتودد لريتشارد نيكسون، الرجل الذي سيطرحه الحزب لمنصب الرئيس في عام 1968. كانت تلك هي سنة وصول تشيني إلى واشنطن. وقد انجذب على الفور لرامسفيلد، وكان ارتباط تشيني برامسفيلد قوياً جداً، حتى إن روبرت هارتمان، الذي كان مساعداً للرئيس فورد، والذي كان يراقب الرجلين عن كثب طوال أواسط السبعينات، كتب في عام 1980:
«كانت حياة تشيني في سنّ الرشد مكرّسة لدراسة العلوم السياسية وخدمة دونالد رامسفيلد». لكن العلاقة لم تبدأ على نحو جيد، فقد حاول تشيني الحصول على وظيفة في طاقم العاملين مع عضو المجلس المحلّق في أوائل عام ،1968 ومن سوء الحظ أنه بينما كان تشيني يريد التقرب من رامسفيلد، قدر ما يستطيع، رامسفيلد ميالاً بالقدر نفسه، لهذا التقرب. وبعد حوالي عشرين سنة، بعد أن كان قد عايش تهاوي إدارة نيكسون في البيت الأبيض، وخروج جيرالد فورد من المنصب، والمعاناة من عدة نوبات قلبية، قال تشيني عن المقابلة القصيرة مع رامسفيلد: «كانت واحدة من أتعس التجارب في حياتي... فالحقيقة أنني سقطت في المقابلة»... كما قال في خطاب في عام 1986 واصفاً علاقته مع رامسفيلد.
* درس لا ينسى
وأضاف: «بعد نصف ساعة، اتضح لكلينا عدم وجود أية إمكانية أمامي للعمل معه».
تعلم تشيني في ذلك اليوم درساً لا ينسى:
لا تضع نفسك في وضع يقوم فيه شخص آخر بتقييمك، عليك أن تتولى أنت بنفسك حتى أتفه نواحي عملية التقييم، وعندئذ، عندما تكون قد نجحت في استبعاد جميع المرشحين الآخرين؛ عليك أن تقدم ديك تشيني. وأخذ يطبق الاستراتيجية مرات كثيرة خلال السنوات التالية، وأنجحها في عام 2000، عندما كلف بالمهمة التي يفترض أنه لا يشكر عليها، والمتمثلة في تقييم الزملاء المحتمل خوضهم للانتخابات لمصلحة جورج دبليو بوش، لكن تشيني في ذلك الوقت كان موالياً لبيل ستاغر، ولم يكن ذلك وصفاً سيئاً بالنسبة له، فقد كان ستاغر ذكياً وذا خبرة تفوق سنوات عمره، ومن دائرة «النجوم» الجمهوريين، الذين كانوا يضمّون عضو الكونغرس عن تكساس، جورج إتش دبليو بوش، ودون رامسفيلد بالطبع.
كان ستاغر، الذي يكبر تشيني بثلاث سنوات فقط، قد خدم ثلاث فترات في المجلس التشريعي لولاية ويسكونسن، وهزم عضواً ديمقراطياً ليفوز بمقعد في مجلس النواب الأميركي، ووصل إلى واشنطن حيث كان النقاد يرسمون طريقه إلى الرئاسة. وكان ستاغر ناقداً باعتدال لحرب فيتنام، وكان معارضاً للتجنيد بالقرعة، وقاد معركة الكونغرس من أجل جيش من المتطوعين فقط. وطارد المحافظين في الصفوف الجمهورية، محذراً من أن عليهم أن يتوقفوا عن رفض الاعتراف بأن الاضطرابات في المدن وتلوث الهواء كانت قضايا بالغة الخطورة، وقد أعلن على عشاء بذكرى لينكولن في ويسكونسن في عام 1967 قائلاً: «إذا فعلنا ذلك فإننا نضحك على أنفسنا حول مسار الحزب، وحول تكريم ابراهام لينكولن هنا».
يرغب ديك تشيني في القول إنه عندما عمل لمصلحة ستاغر في عام 1969؛ فقد ساعد رجال الكونغرس في تفحّص راديكالية الحرم الجامعي. وهذا صحيح إلى حدّ ما، فبضعته أصغر عضو في المجلس، كان ستاغر يهتم بالتظاهرات المناهضة للحرب، التي كانت تندلع في حرم الجامعات الأميركية في أواخر الستينات، لكنه لم يكن «يتفحصّها» بالضبط، كما أوضح ستاغر في مقابلة مع صحيفة كابيتال تايمز التي تصدر في ماديسون. انضم ستاغر إلى حفنة من أكثر أعضاء المؤتمر الجمهوري تقدمية، بمن فيهم دون ريغل، من متشيغان، الذي غير انتماءه الحزبي ليخدم في مجلس الشيوخ كديمقراطي، وبيتي ماكلوسكي، من كاليفورنيا، الذي قام بتحدّ مناهض للحرب لنيكسون في الانتخابات الرئاسية الأولية في عام ،1972 في محاولة لتجنب حملة شرسة من قبل المحافظين في الكونغرس وحكومة نيكسون الجديدة. وفي الدفاع عن الحرية الأكاديمية والثقافية، حذّر ستاغر والآخرون من مقترحات تتطلب من الكليات أن تطبقّ قواعد سلوك في الحرم الجامعي من أجل الحصول على تمويل فيدرالي.
حضر ستاغر اجتماعاً «للطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي» في حرم جامعة ويسكونسن في شهر مايو ،1969 واستمع لزعيم زائر من «الفهود السود» من شيكاغو. وبعيداً عن الخوف من مواجهته للسياسات الثورية، حسبما قال ستاغر، فقد خرج بالانطباع بأن «السخط والغربة اللذين يجدهما المرء لدى الثوريين الطلاب، ينتشران بشكل واسع في كثير من الهيئات الطلابية. هنالك أعداد كبيرة من الطلاب منزعجون جداً، مثل الذين يسمون بالثوريين. والفرق أنهم لم يرفضوا رفضاً كاملاً، الرأي القائل بأن عليهم عدم اللجوء إلى العنف».
قال ستاغر إن إصدار تشريع قمعي لن يؤدي إلا إلى زيادة السخط وبالتالي إلى العنف. وقال: «علينا أن نقنع الطلاب بفكرة أن الديمقراطية تؤتي أكلها، وأن النظام مسؤول، وأن بالإمكان إجراء التغييرات عبر القنوات القانونية. لن يتم إكراه الطلاب على أي شيء، ولن يتم ترويعهم بتهديد العقاب أو استخدام القوة المفرطة».
وبينما اعترف ستاغر بأن المعارضة الطلابية في أواخر الستينات كانت صرخة مشروعة ومهمة لكي تتصدى البلاد للقضايا الخطيرة؛ فإن مساعده خرج بانطباع مختلف، وكان تشيني، الذي كان ما يزال - من الناحية القانونية - طالباً في جامعة ويسكونسن في ربيع ،1969 قد قال لصحيفة نيويوركر بعد ثلاثة عقود إن الزيارة التي قام بها إلى حرم جامعة ويسكونسن الجامعي مع ستاغر قد غيّرته تماماً، فقرّر عندئذ، وفي ذلك المكان، أنه لا يريد أن يواصل دراساته ويصبح أستاذاً جامعياً.
وكما أن هنالك شواهد قليلة توحي بأن تشيني وسّع آفاقه الفكرية خلال وجوده كطالب في الدراسات العليا ، فإن هنالك شواهد أقلّ على أن تصوّره قد تحسّن خلال الوقت الذي قضاه في طاقم ستاغر. فقبل سنوات عدة، وفي حديث مع نائب الرئيس، ذكرت ستاغر أمامه. فقال تشيني بطريقته المختصرة المألوفة: «إنه رجل عظيم، رجل رائع، جمهوري عظيم». لكن من الصعب أن تتخيل جمهورياً مختلفاً عن بيل ستاغر الستينات والسبعينات أكثر من ديك تشيني اليوم.
ففي الحقيقة؛ فإن أجندة ستاغر في تلك الأيام، والتي ركزت على حماية البيئة وتوسيع الخدمات القانونية للفقراء، والحاجة إلى زيادة الأنظمة التي تحمي العمال من إصابات العمل - قبل موته في عام 1978 في سنّ الأربعين، فقد انضم ستاغر إلى الديمقراطيين في المعركة لإصدار قانون السلامة الوظيفية والصحة - هذه الأجندة تبدو مماثلة لسمات السياسة الرئيسية، حلالة المشكلات، التي كان تشيني منشغلاً في مهاجمتها في 2004 عندما كان يجوب البلاد ليشجب سيناتور ماساشوستس جون كيري، ويصفه بأنه ليبرالي خطر. ولم يكن تشيني، الذي كان يثبت في أواخر الستينات أنه مهتم بالسلطة أكثر من اهتمامه بالمبادئ، ميالاً إلى وصفة ستاغر للتوجه الجمهوري. كان تشيني يريد اتباع جمهوري آخر، ودونالد رامسفيلد خارج الكابيتول هيل، وفي حكومة نيكسون الجديدة.
* نيكسون الرجل الأول
حمل رامسفيلد، الذي كانت حملته الأولى قد استخدمت جيب ستوارت ماغرودر، الذي شارك في مؤامرة ووترغيت فيما بعد ضد نيكسون، حمل باعتزاز دبوساً عليه عبارة «نيكسون الرجل الأول» خلال حملة 1968 الانتخابية. وخدم كمشرف على الحملة في شيكاغو خلال المؤتمر الديمقراطي الوطني المشوش، حيث كان يعطي تقارير لا تنقطع لتريكي ديك، الذي كان سعيداً بتفاصيل الاضطرابات في الشوارع، والجلبة في قاعة المؤتمر، واستحقت تلك الخدمة للحملة مكافأة بمنصب رفيع في الحكومة الجديدة، حسبما قال رامسفيلد، الذي لم يعان من أي عجز في الأنانية أو الطموح.
لكن عضو الكونغرس لثلاث فترات لم يحصل على المقعد الوزاري أو رئاسة اللجنة الجمهورية الوطنية اللذين كان يرغب فيهما. وبدلاً من ذلك، فإن رامسفيلد، دعي للانضمام إلى الحكومة كرئيس لمكتب الفرص الاقتصادية، وهو من مخلفات «المجتمع العظيم»، والذي أسس لتنسيق الحرب على «مبادرات نريد» في الأيام العاصفة، عندما أعلن الرئيس ليندون جونسون أن بالإمكان «هزيمة الفقر». ولأن رامسفيلد كان ناقداً بين الحين والآخر، في الكونغرس للبرامج التي تديرها الوكالة، فقد كان، بالتفكير العنيد للرئيس الجديد، مناسباً تماماً لإدارة مكتب الفرص الاقتصادية.
وفي تأمّل لأولويات الحكومة الجديدة، اتفق رامسفيلد ونيكسون على أن رئاسة الوكالة المكلفة باجتثاث الفقر لم تكن مهمة رفيعة، لذلك تمت تسمية عضو الكونغرس كمساعد للرئيس، وخصّص له مكتب في البيت الأبيض: وكان لعاب ديك تشيني يسيل، وكان عليه أن يحصل على مقعد في مركبة رامسفيلد.
إن السير الذاتية، الرسمية وشبه الرسمية لتشيني في هذه الفترة هي وثائق هزلية. وتشير مجلة «كونغريشينال كورترلي» «إلى أن أفكار تشيني عن إعادة تنظيم مكتب الفرص الاقتصادية جذبت انتباه نائب جمهوري آخر، وهو دونالد رامسفيلد، الذي كان يساعد في إعادة تنظيم مكتب الفرص الاقتصادية لحكومة ريشارد نيكسون». وهذا صحيح من ناحية شكلية لكن، كما هو الحال مع كثير من قصص صعود تشيني السياسي، فإن الشرّ يكمن في التفاصيل، فبينما يجعل نهج تشيني الأمر يبدو وكأن رامسفيلد وقع على مقالة عميقة للأكاديمي الشاب في مجلة سياسية، فإن الحقيقة أن تشيني كان معتاداً على التقليب المنتظم لأوراق ستاغر، يبحث عن فرص.
وكشف ديف غريبن، وهو واحد من أقدم أصدقاء تشيني، تلك التفاصيل في مقابلة في2001، مع الصحافي والمؤرخ جيمس مان. وكما يوضح مان في كتابه البارع «صعود آلهة النار: تاريخ وزارة حرب بوش»، فإن تشيني كان يعمل في مكتب ستاغر في ربيع 1969 «عندما لاحظ رسالة على مكتب ستاغر من رامسفيلد، يطلب النصح والمساعدة في وظيفته الجديدة في مكتب الفرص الاقتصادية، واكتشف تشيني فرصته. وفي عطلة نهاية الأسبوع، كتب مذكرة بلا طلب إلى ستاغر حول كيفية تعيين موظفين في وكالة فيدرالية وإدارتها. وفي الأسبوع التالي بعث ستاغر بالمذكرة إلى رامسفيلد. وبعد أسابيع قليلة من قراءتها، قام رامسفيلد باستدعاء تشيني وعرض عليه منصباً كمساعد خاص له».
وطوال السنوات الثلاثين التالية أصبح تشيني مساعداً لرامسفيلد، وحليفاً وصديقاً وموضع ثقة له. وأثبتت علاقتهما أنها علاقة كلاسيكية قوية، حيث يقف رامسفيلد في الواجهة بينما يغطي تشيني ظهره. وفي عام 2000، عندما كان رامسفيلد يوجه أنظاره إلى مهمة من بوش الأب، ليخدم كراع لبوش الإبن، فإن تشيني نحّى رامسفيلد ليخطف ما كان يشتهيه وهو الترشيح لمنصب نائب الرئيس الجمهوري. لكن الرجلين خاضا معاً كثيراً من المستنقعات حتى أصبح من المستحيل على رامسفيلد أن يتحدى تشيني. وفي النهاية فإن لكل فريق في لعبة المطاردة شخصاً مهيمناً. وكان يمكن لأي شخص يعرف الرجلين أن يراهن على أن رامسفيلد الأكثر طموحاً وبراعة سيظل إلى الأبد صاحب المرتبة العليا، لكن تبيّن في المعركة النهائية أن تشيني كان الأكثر قسوة وتقديراً للأمور.
لكن لم يكن هنالك أي تساؤل في الوقت الحالي حول أن رامسفيلد هو السيد المسيطر. وتشيني، المتلّمس المرفوض، الذي واصل العودة إلى أن قبل به رامسفيلد في نهاية الأمر، جعل شغله الشاغل أن يلبّي ويسيطر على أحقر المطالب لرجل لم يقصد أن ينهي مهنته الفيدرالية كرئيس لمكتب الفرص الاقتصادية. وكما فعل في الأيام البعيدة في المدرسة العليا في مقاطعة ناترونا، حيث وقف على جانب المسرح ينتظر إطفاء الصولجانات المشتعلة التي كانت لين فنسنت تتلاعب بها، أوضح تشيني بسرعة أنه لا يتحمل أية مسؤولية. وبهذا فإنه وضع نفسه في وضع واتسون في عمل شارلوك هولمز مع رامسفيلد. ربما لم يكن أفضل أو ألمع عضو في طاقم مكتب الفرص الاقتصادية، الذي ضم وزير دفاع مستقبلياً (فرانك كارلوس)، وممثلاً تجارياً أميركياً مستقبلياً (ميكي كانتور)، ورئيساً مستقبلياً لوكالة حماية البيئة (كريستين تود ويتمان) وسيناتوراً ومرشحاً رئاسياً مستقبلياً (بيل برادلي)، لكن تشيني ظل المساعد الرئيسي لرامسفيلد.
* ولاء تشيني
كان ولاء تشيني صارماً حتى عندما انحرف رامسفيلد إلى يسار منطقة تشيني الأيديولوجية المطمئنة. لم يكن سرّاً أن نيكسون أراد تقليص حجم مهمة مكتب الفرص الاقتصادية، على الأقل لأن الحكام الجمهوريين كانوا يسيطرون على جميع الأموال الفيدرالية، التي كان يجري انفاقها لتنظيم الفقراء في ولاياتهم - لكن رامسفيلد لم يكن متحمساً جداً إزاء تقليص قاعدة سلطته التي حصل عليها حديثاً. لقد استخفّ حكام مثل رونالد ريغان في كاليفورنيا، وجيم رودس في أوهايو بقدرة مكتب الفرص الاقتصادية على توفير التمويل لبرامج الخدمات القانونية، التي ساعدت عمال المزارع المهاجرين على مقاضاة المصالح التي مولت الحملات الجمهورية.
لكن رامسفيلد بدأ يطلق الحجة من أجل زيادة التمويل الفيدرالي لمبادرات المساعدة القانونية. ومع أن رامسفيلد لم يكن بالضبط ليبرالياً متّقداً - وضع عملية تدقيق نيكسونية بشكل كلاسيكي لضمان عدم ذهاب تمويل مكتب الفرص الاقتصادية إلى «الثوريين» و «المخربين». فإنه عندما قال للمراسلين إنه يريد تحقيق «العدالة للفقراء»، أصبح واضحاً أنه لن يصمد طويلاً على قمة هذه الوكالة بعينها. ومن حسن حظ رامسفيلد، وبالتالي تشيني - أن نيكسون اعتقد أن مدير مكتب الفرص الاقتصادية كان عارفاً بالأمور، فقد كان الرئيس الذي يعيش أوقاتاً عصيبة تواقاً لمعرفة السبب الذي يجعل كثيراً من الشبان يشيرون إليه على أنه «مجرم حرب»، كان بين الحين والآخر يستشير رامسفيلد الذي كان يضع نظارة طيار وله شاربان طويلان، وبدا من وجهة نظر نيكسون أكثر اتصالاً مع الشبان ذوي الميول الليبرالية من المدعي العام جون متشل، مثلاً.
وردت ملاحظة في مذكرات رئيس طاقم نيكسون إتش آر بوب هيلدمان، عن يوم 21 مارس 1970: «يريد نيكسون إشراك دونالد رامسفيلد بشكل أكبر في المجالس الداخلية».
سجّل هيلدمان رأيه بأن رامسفيلد كان شخصاً «قذراً» لكن نيكسون كان مفتوناً بعضو الكونغرس السابق - فقد قال الرئيس عن رامسفيلد: «إنه شاب، إنه في التاسعة والثلاثين من العمر. إنه متحدث رسمي بارع».
كان نيكسون مأسوراً به حتى إنه وهيلدمان قطعا الاستعدادات لخطاب رئيسي حول فيتنام لمناقشة الآفاق الرئاسية لرامسفيلد - فقد قال نيكسون «إن رامسفيلد يملك الجاذبية لمنصب وطني». لكنه كان يفتقر إلى «العمود الفقري».
إزاء هذا فإن نيكسون كان يريد رامسفيلد حوله، فهو لم يكن يريد أن يقوم الرجل الأصغر سناً فقط بإعطاء الأموال لمنظمي مكافحة الفقر. لذلك تم نقل رامسفيلد من منصبه في مكتب الفرص الاقتصادية في أوائل عام 1971 إلى البيت الأبيض «كمستشار» للرئيس. وجاء تشيني مع رامسفيلد، ولم يكن أياً منهما يعرف مهمته. يستذكر مساعدو نيكسون أن رامسفيلد، الأكثر طموحاً، كان يستطيع أن يتسلل إلى المكتب البيضاوي لزرع بذور الشك في رأس نيكسون تجاه نائب الرئيس سبيرو أغنيو، على أمل أن يقوم نيكسون بإخراج حاكم ميريلاند المنحرف السابق من تذكرة عام 1972 الجمهورية، والبحث عن شخص آخر أصغر سناً مثل، دونالد رامسفيلد.
تشيني الذي ظلت ذكريات أيام التدرب التي قضاها وهو يحمل حقيبة الأزرار لوارين نوليز، لم يكن ذا طموحات كبيرة، فهو «كمساعد في الطاقم»، بصورة رسمية، كان يتطلع إلى منصب بلقب يمكن أن يبدو جيدا في سيرة ذاتية، وجاء ذلك في خريف 1971 عندما قام نيكسون باختيار رامسفيلد لرئاسة مجلس كلفة المعيشة التابع للبيت الأبيض. وكما هو متوقع، اختار رامسفيلد تشيني كمساعد له مسؤول عن العمل الهامشي وكيّف تشيني نفسه مع ذلك المنصب بشكل غير واضح نسبياً، يقضي كثيراً من وقته في دراسة ريتشارد نيكسون كلاعب سياسي، فبالنسبة لتشيني، الذي لم يتصف بجديّة إزاء الدراسات الأكاديمية، فإن نيكسون كان يوفر دروساً عملية حول فن الحصول على السلطة. وقد قال جون دين، الذي عمل كمستشار في البيت الأبيض خلال سنوات نيكسون، قال بعد ثلاثة عقود إن تشيني بدا وقد تأثر بشكل خاص بتحركات نيكسون، لجعل الفرع التنفيذي اللاعب المهيمن في الحكومة الفيدرالية.
قال دين: «كان نيكسون يتجاهل الكونغرس في أربعة مجالات، الأول أنه رفض انفاق الأموال التي رصدها الكونغرس لبرامج لم يكن يؤمن بها، وكان ببساطة يحجز الأموال.
والمجال الثاني أنه تجاهل جهود الكونغرس الرامية إلى جعله يقلص أو ينهي الحرب في فيتنام، فكان في أحيان كثيرة يزيد الحرب ويوسعها حين يكون الكونغرس في عطلة.
والثالث أنه كان يقوم بشكل منتظم بالعمل بالامتياز التنفيذي، وكان بذلك يحرم الكونغرس من المعلومات التي يسعى إليها كمساعدة في عمله بالقيام بالإشراف على الفرع التنفيذي.
والمجال الرابع، والذي ربما كان أكثر المجالات الأربعة عدوانية، يتمثل في أن نيكسون نفذ إعادة تنظيم كلية للفرع التنفيذي بواسطة أمر تنفيذي. وكانت النتيجة حرمان الكونغرس من أي رأي حول الوزارات والوكالات التي كان قد أنشأها قبل سنوات».
هل يبدو هذا أمراً مألوفاً؟ كان ذلك مألوفاً بالنسبة لدين عندما بدأ تشيني يتبجّح في عام 2000 - خلال صراع لمنع الكونغرس من الحصول على معلومات تتعلق بالعمل في فريقه المختص بالطاقة - عندما قال «إنني خلال أربع وثلاثين سنة، شهدت مراراً تآكل صلاحيات رئيس الولايات المتحدة وقدرته على القيام بوظيفته».
أوضح دين قائلاً: «إن إشارته إلى أربع وثلاثين سنة واضحة جداً، فقبل حوالي أربع وثلاثين سنة، في عام ،1969 انضم تشيني لحكومة نيكسون..». لذلك فإن إشارة تشيني إلى تآكل الصلاحيات الرئاسية تبدو وكأنها تشير إلى رئاسة نيكسون وووترغيت. فبعد ووترغيت، تحرك الكونغرس من أدنى وضع له ليعود إلى موقف طبيعي أكثر إزاء الفرع التنفيذي. وهذه القوانين (إشارة إلى التشريع الذي أصدره الكونغرس لاستعادة التوازن التقليدي بين السلطات) تمثل تآكل الصلاحيات الرئاسية، التي شهدها تشيني من طرفي شارع بنسلفانيا. وفي الحقيقة، فإن هذا يوصف بدقة أكثر على أنه استعادة الصلاحية التي سرقها نيكسون في السابق من الكونغرس».
بعد ثلاثة عقود من مغادرة مساعد المدير، ديك تشيني للبيت الأبيض في عهد نيكسون، حسبما يقول دين، فإن نائب الرئيس ديك تشيني كان مشغولاً في محاولة العودة إلى وضع عرفه وأحبّه، وضع بيت أبيض نيكسون قبل وووترغيت.
من المهم أن نشير إلى أنه رغم كل عشقه للسلطة والسرية، فإن تشيني لم يكن لاعباً كبيراً في البيت الأبيض في عهد نيكسون بما يكفي لأن يصبح سمكريّاً، كما أصبح المتآمرون في ووترغيت يعرفون. فقد كانت مكائد ولفلفات وترغيت أكبر من منصب تشيني. فقد كان في حكومة نيكسون رجل رامسفيلد، ولم يكن شخصية مستقلة. وكما سوف يذكر القراء، فإن هيلدمان كان يعتقد أن رامسفيلد كان «قذراً»، ومع أن رامسفيلد لم يكن على «قائمة الأعداء»، فإنه لم يكن هنالك أي شك في أن هيلدمان وعدداً من اللاعبين الرئيسيين الآخرين في الحكومة كانوا يريدون لابن الينوي «الليبرالي» بشكل مزعج - الذي كان قد بدأ يطلق أصواتاً حمائمية إزاء حرب فيتنام- أن يخرج من البيت الأبيض بأسوأ طريقة، وبصورة ملائمة للغرض كان رامسفيلد يريد منصباً رفيعاً، ويفضل أن يكون منصباً يسمح له بتدعيم مؤهلاته في السياسة الخارجية.
وسارت كل الأمور على نحو جيد بعد إعادة انتخاب نيكسون في انتصار كاسح في عام ،1972 وبسرعة كبيرة قام نيكسون باختيار رامسفيلد سفيراً لدى منظمة معاهدة شمال الأطلسي (الناتو). وهكذا، وبينما كان مساعدو البيت الأبيض يرتكبون الجرائم والخطايا الكبيرة، يسارا ويميناً، كان رامسفيلد يحتفي به في باريس وبروكسل ـ ومن سوء حظ تشيني أن رامسفيلد لم يكن لديه متسع لمساعد كانت خبرته متواضعة في السياسة الخارجية تحت إدارة ولحسن حظ تشيني، أن خروج رامسفيلد كان يعني أن الشاب سيغادر بيت أبيض نيكسون في الوقت نفسه، الذي كانت فيه الجرذان الذكية تقفز في السفينة وتحركها.
وكان تشيني أيضاً دون تجربة ثابتة، وكان بصراحة غير مثير للإعجاب بشكل يتم إعطاؤه منصبا ذا صلاحية. وهكذا أخرج من البيت الأبيض، في الوقت الذي كانت فيه ووترغيت تتطور من شيء مثير للغضب إلى أزمة. وبينما كانت رئاسة نيكسون تنهار، كان تشيني، يعمل بشكل خفي جداً مع شركة برادلي ووودز، وهي شركة في واشنطن تقدم الاستشارات للبنوك الاستثمارية، لكن لم يطل به الوقت خارج البيت الأبيض، فقد أخذ يفصح عن نواياه.
* سرطان ووترغيت
عندما أصبح واضحاً أن فضيحة ووترغيت كانت في الحقيقة، كما وصفها دين، «سرطاناً أصاب الرئاسة»، فقد بدأ الجمهوريون المسؤولون ينأون بأنفسهم عن نيكسون. ففي أيار ،1973 مثلاُ، أعلن رئيس تشيني السابق، بيل ستاغر «أنه مرتعب من مشهد التصرفات غير القانونية، وعمليات الإخفاء والمحاولات الأخرى للتحايل على القوانين»، لكن محور رامسفيلد ـ تشيني تبنّى نهجاً أكثر إثارة للشك. فقد تجنّبا النقاش العلني للفضيحة ـ وهما يدركان أن رادار نيكسون شغّال دائماً، يبحثان عن شيء أقل إهانة ـ بينما كانا في السر يرفعان من معنويات الرئيس.
ففي مذكراته عام 1978 استذكر ريتشارد نيكسون، الرئيس السابع والثلاثين كيف أن رامسفيلد، خلال اشتداد عملية الاتهام بالتقصير والخيانة، عرض أن يعود للوطن كجندي في المعركة لإنقاذ رئاسة نيكسون. ولم يوافق نيكسون على عرض رامسفيلد. وقد أطلق ذلك القرار المسار للسنوات الثلاثين التالية من التاريخ الأميركي. فبترك منصبه كسفير لدى الناتو في مكان آمن بعيد عن الصراع البشع الذي يمكن أن يحطم طموحات عدد كبير من الرجال، فقد جعل نيكسون من الممكن لرامسفيلد وتشيني أن يصبحا لاعبين رئيسيين في الحكومات الجمهورية اللاحقة، بدءاً بحكومة جيرالد فورد.
عندما أجبر أغنيو على الاستقالة من منصب نائب الرئيس في عام 1973 في عملية «إلقاء الوزن الزائد من السفينة الغارقة»، أصبح نيكسون أول رئيس في التاريخ الأميركي، يختار نائب رئيس جديداً خلال ولايته. كان نيكسون يريد شخصاً نظيفاً من الفضيحة، لكن في الوقت ذاته يكون شخصاً غير خطر. وبذل رامسفيلد كل ما في وسعه لطرح اسمه كبديل، لكن ذلك لم ينجح. غير أنه حصل أفضل شيء عندما قام نيكسون باختيار فورد، زميل رامسفيلد القديم في الكونغرس ـ فكرجل من الكونغرس ذي ميول معتدلة فعلاً، تولّى فورد الرئاسة في شهر آب 1974 في غمرة أخطر أزمة دستورية في التاريخ الأميركي.
وربما لم تكن تلك الطريقة هي المناسبة لدخول المكتب البيضاوي، لكن كان هنالك بعض المزايا لخلافة رئيس ابتلي بالفضائح. ولأن كثيراً جداً من مساعدي نيكسون كانوا قد سجنوا أو أدينوا وتلوثت سمعتهم، فقد كان فورد حرّاً في اختيار فريقه. وبدأ فورد باختيار رامسفيلد الذي قام بدوره باختيار تشيني. وفي اليوم الذي سبق استقالة نيكسون، طلب فورد رامسفيلد في مقر الناتو في بروكسل، وطلب من السفير العودة إلى البلاد ليعمل ضمن الفريق الانتقالي. وحين وصل رامسفيلد إلى مطار دالاس الدولي، كان تشيني في انتظاره. فقد كان تشيني في المكان الذي كان يريد أن يكون فيه: إلى جانب رامسفيلد ومسؤولاً عن تقييم الآخرين - وفي هذه الحالة، تقييم الرجال والنساء، الذين سيشكلون فريق فورد للسياسة الداخلية، وبدأ رامسفيلد وتشيني بتنصيب نفسيهما، على التوالي: كرئيس لطاقم البيت الأبيض ، ونائب لرئيس الطاقم في إدارة فورد.
ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية