في الوقت الذي كان يستعد فيه إلى الدخول في مباحثات دقيقة وشائكة حول مستقبل إقليمه الذي يخضع لحماية الأمم المتحدة، شيّع الشعب الكوسوفي أخيرا جثمان زعيمه الراحل إبراهيم روغوفا، قائد حركة تحرير ألبان كوسوفو.
وكان من المقرر أن تبدأ المحادثات الخاصة باستقلال الإقليم في فيينا في الأيام الماضية غير أن المفاوضات تأجلت إلى الشهر المقبل في الوقت الذي تسعى فيه القوى الخارجية إلى تمكين كوسوفو من الحصول على استقلال نهائي.
وكان روغوفا-61 عاما- قد توفي في 21 يناير الماضي بسبب سرطان الرئة، إذ كان الرجل مدخنا شرها. وروغوفا هو الزعيم الذي وضع كوسوفو على الخريطة السياسية الأوروبية.
وبعد رحيله يتساءل الكثيرون عما إذا كانت منطقة البلقان ستكون على موعد جديد مع الاضطرابات بل حتى مع موعد جديد من العنف! وفي الوقت الذي يبدو فيه شبح عدم الاستقرار مستبعدا غير أنه ستكون هناك أوقات عصيبة.
سوف يُذكر روغوفا باعتباره شخصية تاريخية لعبت دورا مهما في سياسة البلقان وفي حروب تلك المنطقة في فترة التسعينات. ولكن إلى حد بعيد يمكن القول إن إنجاز حياته قد تم بالفعل.
فالرجل قد كّرس حياته لقيادة شعبه نحو الاستقلال، والآن يتبين أن شعب كوسوفو أضحى أقرب إلى تحقيق هذا الهدف منه في أي مرحلة أخرى من تاريخه.
عندما كان لا يزال هناك ما يسمى يوغسلافيا، كانت كوسوفو تمثل الإقليم الجنوبي لصربيا. ومنذ فترة طويلة يطالب الألبان، الذين يمثلون90 % من سكان الإقليم ـ يطالبون بالاستقلال وبتشكيل دولة مستقلة بالكامل.
وفي أعقاب حرب كوسوفو في 1998-1999، عندما قامت الأمم المتحدة بضرب صربيا لمدة 87 يوما بشكل متواصل، تحول الإقليم إلى منطقة تقع تحت حماية الأمم المتحدة.
وبعد أكثر من ستة أعوام، كان من المقرر أن تبدأ في الأيام الأخيرة في فيينا محادثات رسمية برعاية الأمم المتحدة بين القادة الصرب وقادة كوسوفو بشأن مستقبل الإقليم. غير أن تلك المحادثات تأجلت إلى الشهر المقبل.
يقول قادة صربيا إن كوسوفو يمكن أن تحصل على «مزيد من الحكم الذاتي ولكن على أقل من الاستقلال» على حد تعبيرهم. في حين يتفق قادة كوسوفو الذين يتسمون بالعناد والصلابة على أنهم لن يقبلوا بما هو أقل من الاستقلال.
غير أنه غدا واضحا خلال الأشهر القليلة الماضية أن الدول الكبرى التي تتعامل مع القضية وبالتحديد بريطانيا وفرنسا وأميركا وروسيا قد اتفقت بشكل أو بآخر على أنه يجب التحرك نحو ما يطلق عليه الآن «الاستقلال المشروط».
وهو اللفظ الذي يطلق بشكل كودي ليشير إلى استقلال كامل بعد فترة انتقالية مع وجود ضمانات للأقلية الصربية المحاصرة في كوسوفو، الذين يُعتقد أن عددهم يصل الآن إلى نحو 100 ألف من أصل مليوني نسمة هم تعداد كوسوفو الآن.
ولن يغير موت روغوفا هذا الوضع. فالقائد الألباني، الذي كان يُشتهر بوضع وشاح حريري حول عنقه بشكل دائم، قد شكل بالفعل فريقا تفاوضيا لتلك المحادثات. ونظريا لن يغير موته هذا الفريق ولكن موته يمكن أن يجعل هذا الفريق أكثر قوة أو أكثر ضعفا بحسب الشخصية التي ستتولى زمام الأمور.
بيد أن بواعث القلق موجودة في السياسة الداخلية لكوسوفو والتي بدورها يمكن أن تؤثر في توجه فريق التفاوض. فبعد أن أعُلن عن فترة حداد تبلغ 15 يوما على وفاة الزعيم، لم يتبين بعد حتى الآن ما يجري خلف الكواليس. هناك حاجة إلى شغل بعض الوظائف الشاغرة.
فكوسوفو في حاجة إلى رئيس جديد( وهو الرئيس الذي سيجري انتخابه سواء أكان ذكرا أم أنثى من قبل الجمعية العامة). وهناك حاجة أيضا لوجود رئيس لفريق التفاوض ويمكن أن تكون هناك حاجة أيضا إلى حكومة جديدة.
كما أن حزب روغوفا، الرابطة الديمقراطية لكوسوفو والذي يعد الأكبر في الإقليم، هو الآخر يحتاج إلى رئيس.
يرى أغرون باغرامي، محرر صحيفة «كوها ديتور» اليومية التي تعد أصدق الصحف في كوسوفو، أن السياسيين يقعون تحت ضغوط شديدة من جانب الأمم المتحدة والدبلوماسيين المعنيين من أجل التحرك بشكل سريع.
ووُجّهت لهؤلاء رسالة تحذيرية مفادها أن أي تناحر حول الوظائف والمراكز يجب أن يتم التعامل معه بشكل سريع. وفي الوقت الذي أوشكت فيه المباحثات على البدء فإن قادة كوسوفو يعلمون أنه لا يمكنهم استخدام أساليب وحشية وقمعية لأن مثل تلك الأساليب يمكن أن تضر بمصالحهم. فهؤلاء المنساقون خلف طموحاتهم الشخصية قد يواجهون ردة فعل قوية من جانب الشعب.
وبعد وفاة روغوفا تولى نجات داشي، رئيس البرلمان، منصب الرئيس بالنيابة. ويريد داشي أن يكون الرئيس الفعلي للبلاد. غير أن هذا قد يعني أنه سيتولى رئاسة فريق التفاوض (الذي هو عضو فيه الآن).
وهو الأمر الذي قد يمثل أخبارا سيئة، لاسيما أن الرجل لا يتمتع بقبول لدى الأعضاء الباقين في الفريق الذين لا يروق لهم أسلوبه الغوغائي في التعامل.
وإذا حدث وأن تولى داشي بالفعل رئاسة الفريق، فإن فيتون ساروي، الذي هو تقريبا أفضل أفراد الفريق مهارة في التعامل مع الآخرين، سوف ينسحب من فريق التفاوض، إذ قال الرجل بشكل واضح وصريح : « لن أعمل معه».
وتعمل الأمم المتحدة وعدد من الدبلوماسيين ليروا ما إذا كان يمكنهم أن يقنعوا الأحزاب الكوسوفية بالاتفاق على فصل الوظائف. «روغوفا كان يجمع بين الوظيفتين». ويعتقد الكثيرون أن داشي قد توصل بالفعل إلى اتفاق ليصبح رئيسا للبلاد على أن يتولى هاشم تاشي، الزعيم السياسي السابق لجيش تحرير كوسوفو، منصب رئيس الوزراء.
غير أن مثل هذا الأمر من شأنه أن يُحدث مشكلات لاسيما داخل حزب الرابطة الديمقراطية لكوسوفو بقيادة داشي. يقول ساروي إن الدبلوماسيين مخطئون في محاولاتهم الضغط على قادة كوسوفو كي يتخذوا قرارات بشكل سريع.
ويضيف الرجل أن الذين يرون أن الاستقرار الآن هو أهم من الإجراءات الديمقراطية يتسببون في إرجاء المشكلات وتخزينها إلى المستقبل.
إن الذين جاءوا لحضور جنازة روغوفا لم يأتوا لتقديم التعازي فحسب وإنما جاءوا ليخبروا القادة المحليين بأن عليهم أن يقلصوا من خلافاتهم إلى الحد الأدنى ويتأكدوا من عدم اندلاع أي أعمال فوضوية في الأشهر المقبلة ويضعوا مصالح كوسوفو فوق مصالحهم على الأقل حتى يتضح وضع الإقليم السياسي.
وحتى الآن لا يوجد هناك ما يدعو إلى التفاؤل. غير أنه يتعين انجاز قدر كبير من الأعمال والمحادثات الشاقة. لم يُمهل القدر روغوفا كي يقود شعبه إلى أرض الميعاد ولكنه الرجل نجح في أن يقرب شعبه منها بشكل كبير. ومن المستبعد أن يتسبب موته في إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «إيكونوميست»