الآن وقد تم إنفاق معظم المليارات التي خصصتها الولايات المتحدة لإعادة الإعمار في العراق، فمن المرجح أن يطلب من اليابان وأستراليا ودول أخرى في «تحالف الراغبين» الذي حشده الرئيس الأميركي جورج بوش أن تتحمل الجزء الأكبر من أعباء تمويل عدد كبير من المشاريع غير المنتهية.
وذكرت تقارير ان ضمان تعهد دول أخرى بالمشاركة في تمويل هذه المشاريع سيكون على رأس أجندة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عندما تزور الشرق الأقصى في مارس المقبل. تم تأجيل موعد هذه الرحلة التي كانت مقررة في يناير بسبب الأزمة الراهنة في السياسة الإسرائيلية بعد غياب شارون عن المشهد.
ولقد ناشد الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان أيضاً المجتمع الدولي بمد اليد للمساعدة في إعادة إعمار العراق.
وبحسب الوكالة الدولية للتنمية الدولية، فإنه يتعين على العراق الاعتماد على الاستثمارات الخاصة والقروض الدولية واقتصادها الخاص لتمويل إعادة البناء في المستقبل.
ومن المقرر أن تسحب اليابان جنودها الـ 600 من السماوة في جنوب العراق شهر مايو المقبل، وبحسب تقرير إخباري ياباني نقلته «نيوز كيودو» فإن الولايات المتحدة ستطلب من اليابان أن تصبح أكثر مشاركة في جهود إعادة الإعمار.
وتأتي الرغبة الأميركية بوقف نزيف الاعتمادات المالية لإعادة الإعمار بتزامن مع تقرير جديد يشير إلى أن التكلفة الإجمالية للحرب في العراق لن تكون 70 مليار دولار، كما أعلنت الإدارة الأميركية في البداية، بل سيصل إلى تريليون دولار على الأقل.
وتأتي المبادرة الجديدة بعد مضي شهر واحد على تعيين رايس من قبل بوش لتسلم الدور القيادي في الإشراف والتنسيق لبرنامج إعادة الإعمار الأميركي في العراق من البنتاغون.
وألمحت الإدارة إلى أنها لن تسعى للحصول على مزيد من التمويل لهذه الجهود وان مكتب إدارة جهود إعادة إعمار العراق سيتوقف عن مزاولة نشاطه.
وقال البريغادير جنرال وليام مكوي قائد فرقة المهندسين العسكريين التي تشرف على العمل في مؤتمر صحافي أخيراً: «إن الولايات المتحدة لم تكن تنوي أبداً إعادة إعمار العراق بالكامل. وكان يفترض أن تكون جهودنا مجرد نقطة البداية». لكن تأكيد مكوي هذا يبدو متناقضاً مع التصريحات السابقة للإدارة الأميركية.
وعلى سبيل المثال، قال بوش في خطاب له في 8 أغسطس 2003: «في كثير من الأماكن في العراق، أصبحت البنية التحتية بمستوى الجودة نفسه الذي كانت عليه قبل الحرب وهو مستوى مقبول، لكن هدفنا النهائي هو أن تكون البنية التحتية العراقية الأفضل في المنطقة».
والآن لم يتبق من الـ 21 مليار دولار التي خصصت لإعادة الإعمار بعد الغزو سوى 3,3 مليارات فقط، ومن المقرر ان يتم حل مكتب إدارة إعادة الإعمار في يونيو 2007.
وهكذا فإن قرار عدم تجديد برنامج إعادة الإعمار يترك العراق أمام مشاريع غير منتهية تحتاج لعشرات المليارات لاستكمالها وصناعة نفطية وشبكة كهرباء لم تصلا بعد حتى إلى مستويات إنتاج ما قبل الحرب.
حصلت وزارة الخارجية الأميركية على تفويض لوضع «مجال تركيز واضح» لجهود إعادة البناء والإشراف على برامج إعادة الإعمار وتنسيقها ليس في العراق فحسب، وانما أيضاً في بلدان أخرى خارجة من أجواء الصراعات المدنية.
وتتضمن هذه البلدان أفغانستان، لكن مسؤولين في إدارة بوش أعلنوا أنهم من الآن فصاعداً سيعتمدون أكثر على الحكومة الأفغانية ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومقاولين من بلدان أخرى.
وقال ستيفن أفترغود، رئيس البرنامج الحكومي السري لاتحاد العلماء الأميركيين في حديث مع وكالة «انتر برس» ان نقل المسؤولية في البنتاغون إلى وزارة الخارجية كان «اقراراً متأخراً بأن السياسة الأميركية لإعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار كانت قاصرة بشكل مخيف».
وبحسب دراسة نشرها الشهر الماضي معهد الدراسات الاستراتيجية التابعة للكلية الحربية الأميركية فإنه« حتى نهاية 2004 تم انفاق ما بين مليار إلى ملياري دولار فقط من الـ 18 مليار التي خصصها الكونغرس أولياً لإعادة الإعمار في أواخر 2003.
والعراقيون لم يشهدوا حتى ذلك الحين أي تحسن ملموس في التشغيل أو جودة الحياة بعد عام ونصف العام من الاحتلال. وقد وجدت دراسة أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن انه في كل الميادين الضرورية لإعادة الاعمار في العراق، لم يكن هناك فقط افتقار للتقدم، بل كان هناك تدهور فعلي للأوضاع على الأرض.
وجاء نقل مسؤولية إعادة الإعمار من البنتاغون إلى وزارة الخارجية في أمر رئاسي صدر دون ضجة إعلامية في 7 ديسمبر وأفاد بأن «وزيرة الخارجية ستتولى مسؤولية التنسيق وقيادة الجهود الحكومية الأميركية المدمجة، وتنسيق هذه الجهود مع وزير الدفاع لضمان الانسجام مع أية عمليات جارية على الأرض أو مخطط لها في أنحاء مناطق الصراع».
«وسوف تقود وزارة الخارجية جهود الحكومة الأميركية للحيلولة دون استخدام البلدان المعرضة للمخاطر» كقاعدة عمليات أو ملاذ آمن للإرهابيين أو جماعات الجريمة المنظمة أو الجماعات الأخرى التي تشكل تهديداً للسياسة الخارجية أو المصالح الأمنية أو الاقتصادية للولايات المتحدة». كما جاء في مذكرة بوش الرئاسية.
ويقول بعض مراقبي الإدارة ان التحول كان نتيجة الإحباط المتزايد من تباطؤ وتيرة أعمال إعادة الإعمار في العراق. ويعتقد هؤلاء أيضا ان وقف تمويل إعادة الإعمار جزء من رواية جديدة للبيت الأبيض تتضمن خفض عدد الجنود الأميركيين في العراق قبل انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر المقبل، والتي سيخوضها كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ لإعادة انتخابهم.
والدراسة التي أعدتها الكلية الحربية تحت عنوان «مراجعات بحاجة إلى مراجعة: ما الأخطاء التي حدثت في حرب العراق» لا تشير إلى أنه برغم ان الانتقادات التي وجهت لإدارة بوش للطريقة العشوائية التي خططت بها لغزو العراق هي في غالبيتها انتقادات مشروعة، فإن النتيجة كانت ستظل نفسها تقريباً، حتى لو أنجزت الأمور بشكل مختلف.
ويكتب معدّو الدراسة: «ومع ذلك، فإن هناك أسباباً قوية تدعو للاعتقاد بأن أخطر المشكلات التي تواجه العراق والمحتلين الأميركيين ـ العنف المستوطن، دولة منهارة، اقتصاد عاجز ومجتمع مقطع الأوصال ـ كانت عملياً نتائج محتومة لانهيار الدولة العراقية».
وبحسب مؤشرات العراق الذي يتم تحديثه بشكل منتظم من قبل معهد بروكينغز في واشنطن، فإن انتاج النفط الخام في نهاية 2005 كان 92 ,1 مليون برميل باليوم، أي أقل من ذروة الانتاج قبل الحرب والتي بلغت 5 ,2 مليون برميل، كما ان صادرات النفط في نهاية 2005 كانت 7 ,1 مليون برميل بالمقارنة مع 5,2 مليون برميل قبل الحرب.
وعزى السبب في القصور في انتاج النفط، الذي كان من المفترض بحسب خطط البنتاغون قبل الحرب ان يغطي تمويل إعادة الإعمار عزى إلى الأعمال التخريبية التي يقوم بها المتمردون.
وبلغ متوسط كميات الطاقة الكهربائية التي كان يتم توليدها في أنحاء العراق عام 2003 «958 ,3» ميغاواط، والشهر الماضي كان المتوسط 3800 ميغاواط فقط، حيث يتلقى كل عراقي ما معدله 12 ساعة من الكهرباء يومياً. هذا بالرغم من انفاق 4 مليارات دولار على ترميم شبكات ومولدات الطاقة الكهربائية.
وقالت السفارة الأميركية ان جهود إعادة البناء أعادت خدمات معالجة مياه الصرف الصحي لأكثر من 7 ,7 ملايين عراقي. فتحت 21 مرسى في ميناء أم قصر، بنت حوالي 1000 كيلومتر من الطرقات وطورت ثلاثة مطارات دولية جديدة. وذكرت السفارة أيضاً أنه تم تشغيل 124 ألف عراقي في أعمال إعادة البناء والعقود العسكرية.
ترجمة: علي محمد
عن «ايشيا تايمز»