يُشدد المؤلف، بول بريمر، على أن تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي كان إنجازاً كبيراً، لكنه يشير في الوقت نفسه في السطر الأول من الفصل الرابع عشر والأخير من كتابه إلى أن هذا الإنجاز لم يمنعه من إدراك أنه سيكون لديه الكثير مما يشغله قبل أن يغادر العراق مع تسليم السيادة للعراقيين في الوقت المقرر، وهو 30 يونيو 2004.
وهو يلقي نظرة سريعة على ملامح هذا الانشغال، فيشير إلى أنه كان على سلطة التحالف المؤقتة التي يتولى رئاستها أن تقضي وقتاً طويلاً في نقل معرفتها الجماعية عن حكم العراق والموقف من الاقتصاد والأمن إلى إياد علاوي، الذي كان عليه أن يقود العراق من مرحلة عودة السيادة إلى الانتخابات المقرر إجراؤها في يناير.
كان على سلطة التحالف المؤقتة كذلك أن تحرص على التحرك النشط على الجبهة السياسية طوال شهر يونيو للتأكد من أن كل الأطراف سوف تلبي ما هو مطلوب منها حيال القانون الإداري الانتقالي باعتباره دستوراً مؤقتاً للعراق.
في غضون ذلك كله كان من المحتم التصدي لمعالجة الوضع الأمني الذي يطرح مشكلة كبيرة، حيث بلغ عدد العمليات والهجمات والانفجارات التي تتعرض لها قوات التحالف في العراق ما متوسطه أربعين عملية، ابتداء من التفجيرات الانتحارية إلى إسقاط طائرات الهليكوبتر ووصولاً إلى التفجيرات على جوانب الطرق التي ألحقت أضراراً جسيمة بقوافل التحالف ودورياته وانتهاء بنيران القناصة.
في هذا الصدد يُذكّرنا المؤلف بأن تحركات المقاومين في بغداد و«المثلث السني» قد ازدادت حدة وكثافة، كما أن المواجهة في الفلوجة قد هددت بالتحول إلى حرب معلنة، وفي الجنوب العراقي كان جيش المهدي أقرب إلى العملاق الذي استيقظ من سباته، وظل الزعيم الشاب مقتدى الصدر طليق السراح.
* الأيام تمضي سراعاً
في الثالث من يونيو عقد بريمر الاجتماع الأول في سلسلة اجتماعات ستمتد يومياً حتى رحيل المبعوث الرئاسي الأميركي. ويلفت نظرنا أن مساعدي بريمر تركوا لدى علاوي كتاباً سميكاً يتناول 48 موضوعاً كان عليه أن يدرسها بدقة بالغة قبل نقل السيادة.
أبرز هذه الموضوعات ما يلي:
ـ تدريب قوات الأمن العراقية.
ـ وضع سياسة نقدية عراقية بما في ذلك سبل مكافحة التضخم.
ـ مواصلة إصلاح أجهزة الحكم المحلي.
ـ وضع ميزانية للحكومة العراقية عن عامي 2004 و2005.
ـ مكافحة الفساد.
ـ دعم أجهزة الاستخبارات العراقية.
ـ إحكام السيطرة على حدود العراق.
ـ التفاوض مع الأطراف المعنية حول ديون العراق.
ـ تقرير مصير المشروعات المملوكة للحكومة العراقية.
ـ تنويع الاقتصاد العراقي بما يقلل الاعتماد الكلي على عائدات النفط.
رفع إياد علاوي المجلد السميك وهو يتطلع إلى التقويم الموضوع أمامه كما لو كان يزن عدد الصفحات في مواجهة الأيام المتبقية من الشهر.
على امتداد ما بقي من الشهر التقى علاوي مع بريمر وفريق مساعديه أكثر من ثلاثين مرة، ولكن بدا للجميع أن الزمن كان هو الفائز الكبير في هذا السباق غير المتكافئ بين المهام والوقت المتاح لإنازها.
لم يكن علاوي وحده هو الذي تحاصره دقات الساعة، وإنما كان على بريمر بدوره أن يحسب حساب الوقت بطريقته الخاصة.
كان البند الأكثر أهمية في حسابات بريمر هو التدقيق في قضايا البروتوكول والأمن المتعلقة بنقل السياسة إلى العراقيين.
فقد أفادت أحدث تقارير المخابرات التابعة لقوات التحالف أنه يجري التخطيط لشن عمليات كبرى يوم الأربعاء 30 يونيو المقرر الاحتفال فيه بنقل السيادة، وبالتالي فإن الجانب الأمني كان يهدد بقلب المائدة على الجميع، وبالتالي تعين على سلطة الاحتلال المؤقتة أن تخطط لهذه المناسبة بحرص بالغ.
في السابع عشر من يونيو اتصلت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي ببريمر تبلغه بأن بوش مهتم بمراوغة مثيري المتاعب في العراق، وذلك بتقديم موعد نقل السيادة إلى العراقيين يومين كاملين عن الموعد المحدد.
وكان تعقيب بريمر هو: «ليست فكرة سيئة بافتراض موافقة علاوي عليها، لكّن لديَّ شرطين، فعلينا أن نبقي هذا الأمر سراً حتى اللحظة الأخيرة وإلا فإننا سندفع الإرهابيين إلى التحرك في وقت مبكر».
أما الشرط الثاني فهو ضرورة أن تسبق أيام عدة من الهدوء الأمني اليوم الذي سيشهد عملية نقل السيادة، وإلا بدا الأمر كما لو أن الأميركيين يبادرون إلى الهرب وذيلهم بين قوائمهم.
وافقت «كوندي» على الشرطين فوراً.
* تحذير من بلير
بينما كان المبعوث الرئاسي عاكفاً على دراسة ورقة من الوثائق في مساء 27 يونيو أطل عليه كولونيل نوروود حاملاً أنباء سيئة، فبينما كانت طائرة من طراز سي 130 تقلع من مطار بغداد تعرضت لإطلاق النار عليها بما لا يتجاوز الأسلحة الصغيرة، وأدى ذلك إلى مصرع موظف مدني تابع لوزارة الدفاع كان على متنها.
كان ذلك يعني أنه لا بد من مراجعة كل الجوانب المتعلقة بالأمن الشخصي للمبعوث الرئاسي من جديد، لأنه كان سيرحل عن العراق بالطريقة نفسها، وكان يرغب في أن يغادره وهو «قطعة واحدة» على حد تعبيره.
هكذا بادر بريمر الى استدعاء مساعده بريان ماكورماك وقال له: «أريدك أن تعد إحدى خططك التي تقوم على الحيل السحرية بالتعاون مع فرانك جالاجر ومساعدي جنرال ريك سانشيز ومحطة المخابرات، وأن تخرجني من هنا غداً، وأفضل أن أكون عندها قطعة واحدة».
كأنما لم يكف هذا القدر عن المتاعب، فعندما قام بريمر بالاتصال بكوندوليزا رايس في أنقره، حيث كانت مع الرئيس الأميركي في اجتماع يضم رؤساء حلف الناتو، أبلغت أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أعرب في حديث مطول مع بوش عن شكوكه فيما يتعلق بتقديم موعد نقل السيادة إلى العراقيين.
كان تحذير بلير من خطورة عواقب تقديم هذا الموعد يقوم على منطق طرحه خبراء الرأي العام والإعلام، وتواجه التساؤل عما إذا لم يكن من شأن هذا التقدير أن يظهر قوات التحالف بمظهر الهارب الذي يسرع الخطا وصولاً إلى النجاة.
وعلى الرغم من التحذير البريطاني، فقد تعزز في نهاية المطاف تسليم السيادة في 28 يونيو 2004 للعراقيين. حيث أفادت تقارير المخابرات بانخفاض عمليات المقاومين في الأيام السابقة لهذا الموعد من 40 عملية يومياً إلى 19 عملية فقط.
* التقرير الأخير
يلقي بريمر الضوء على جوانب مما وصفه بالتقرير الأخير الذي كتبه للرئيس بوش عن مهمته في العراق.
استهل التقرير بالطبع، بالإشارة إلى أن العراقيين سعداء أشد السعادة ب«التحرير» وأنهم على امتداد العام المنقضي أظهروا تعطشاً للحرية الفردية التي أصبحت متاحة لهم.
هنا يروي لنا بريمر ما أورده في تقريره إلى الرئيس الأميركي من أن طالباً من جامعة بغداد قال له «كنا نعيش في غرفة مظلمة على امتداد عقود. وقد أتيتم وفتحتم نافذة على العالم المضيء».
ويشدد على أن التحالف بذل قصارى جهده لإقرار مبدأ مسؤولية الحكومة أمام الشعب والالتزام بحكم القانون، وأنه غرس مفاهيم مهمة من قبيل توازن السلطة في الحكومة واحترام حقوق الأقلية وحرص على إدراج ذلك في صميم نصوص الدستور الانتقالي.
هنا لا بد لنا من التوقف عندما يصارحنا به بريمر من أنه أقر في تقريره الأخير لبوش بأن الواقع السياسي في العراق قد تناقض ـ لسوء النحظ ـ مع الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، وبصفة خاصة تخفيض الدعم المقدم للعراقيين. ولكن ماذا عن مكافحة الفساد؟ وهل تم التصدي لهذا الجانب .
من الحياة العامة في العراق الجديد؟
يقول بريمر إنه تطرق في تقريره الأخير من بغداد إلى هذا الجانب وأنه قد حذر من أن الأمر سيقتضي أعواماً قبل أن تتمكن المؤسسات من تحقيق انحسار المد السائد في هذا الجانب.
ويتطرق بريمر في تقرير إلى الضرر الكبير الذي ألحقه حكم صدام بالبنية التحتية للعراق، لكنه يحرص على الإشارة إلى أن «التأثير الأكثر ضرراً كان هو الذي لحق بالبنية النفسية للشعب العراقي.
ماذا عن الوضع الأمني؟ ماذا عن الهجمات التي تتعرض لها قوات التحالف يومياً؟ ماذا عن الوضع في غرب العراق الذي وصفه بريمر نفسه بأنه يهدد بالتحول إلى حرب مفتوحة؟
يبادر بريمر بالإقرار صراحة بإخفاق سلطة التحالف المؤقتة في إيجاد ما يسميه بالبيئة الآمنة. وهو يقول في تقريره التقيد للرئيس بوش بالحرف الواحد: «برهن المخربون على أنهم أفضل تنظيماً وأصعب في اختراق صفوفهم مما توقعنا.
وقد عقد إرهابيو القاعدة والزرقاوي العزم على جعل العراق الجهة الأمامية في نضالهم الشرير، ولأن الحكم الديمقراطي هو العلاج الشامل والشافي من هؤلاء الناس فسوف يندلع المزيد من العنف في الشهور المقبلة».
وفي مواجهة هذا الوضع يوصي بريمر في تقريره بالتركيز على تدريب القادة المحترفين لكل قوات الأمن العراقية، ويقول في هذا الصدد: «إننا ينبغي أن نؤكد على النوعية الرفيعة للقادة أكثر من تأكيدنا على عدد مناصرينا».
ويختتم بريمر تقريره بالقول شأن أي موظف في البيروقراطية الأميركية انه بفضل شجاعة الرئيس الأميركي وجهود التحالف فإن «العراق يمتد الطريق أمامه نحو مستقبل أفضل.
إنه مستقبل قوامه الأمل لكل العراقيين، مستقبل يمكن للعراقيين أن يقولوا فيه ما يريدونه، ويدرسوا ما يرغبون فيه، ويسافروا كما يطيب لهم، ويتابعوا مباهج العمل والأسرة واليقين، التي حظينا نحن الأميركيين بالتمتع بها طوال قرون».
وعندما يقرأ المرء هذه الكلمات فإنه لا يملك إلا التساؤل عن المفارقة بين هذه الكلمات الكبيرة وبين الواقع في العراق بكل تضاريسه الرهيبة.
* السيادة التي نقلوها
في الثامن والعشرين من يونيو 2004، وقبل يومين من الموعد المعلن رسمياً، بادر مكتب الاتصالات الاستراتيجية التابع لسلطة التحالف المؤقتة بالاتصال بأجهزة الإعلام المختلفة لإبلاغها بأن بريمر وعلاوي لديهما ما يريدان إبلاغه للإعلاميين في مقر الحكومة في تمام الساعة العاشرة.
عندما دخل المراسلون والمصورون إلى المقر السابق لمجلس الحكم بادر مساعدو بريمر إلى جمع الهواتف النقالة من كل الحاضرين حتى لا يتم إبلاغ ما سيحدث إلى خارج القاعة إلا بعد أن يكون المبعوث الرئاسي الأميركي قد غادر العراق بالفعل.
وحرص القائمون على ترتيب الإجراءات على نقل الوقائع بالصوت والصورة إلى أنقرة حيث يشاهدها المسؤولون الأميركيون.
بعد أن ساد الهدوء القاعة، انبعث بريمر واقفاً وفتح ملفاً من الجلد المغربي الأزرق الفاخر، وأخرج منه رسالة كان قد وقعها في صباح اليوم نفسه تتضمن رسمياً نقل السيادة إلى الشعب العراقي وحكومته.
وتختتم الرسالة بالقول: «إننا نرحب بخطى العراق التي تستهدف جعله يأخذ مكانه في المساواة والشرف بين شعوب العالم».
وبادر بريمر، ببعض الانفعال كما يقول لنا، بتسليم الملف ومن طيه الرسالة العتيدة إلى كبير قضاة العراق الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة ونادرة.
في أنقرة، علمت رايس من مساعديها بأن نقل السيادة في العراق قد تم، فكتبت مسرعة على قطعة صغيرة من الورق تقول: «العراق ذو سيادة، تم تمرير رسالة من بريمر في الساعة العاشرة والدقيقة السادسة والعشرين بهذا المعنى».
وأعطت الورقة لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي جلس وراء الرئيس بوش مباشرة في اجتماع قادة الناتو، وانحنى إلى الأمام قليلاً وسلم الورقة للرئيس. أطلع بوش توني بلير على الورقة حيث كان يجلس إلى جواره، وكتب عليها مسرعاً: «فلندع الحرية تسود!».
* تلويحة وداع
ربما كان حرياً ببول بريمر أن ينهي كتابه الذي نناقشه هنا، عند هذا الحد، ولكنه فيما يبدو تلقى نصيحة من ناشره أو من الكاتب الشريك في تأليف كتابه مالكولم ماكونل بأن يضيف لمسة نهائية تغطي المسافة الزمنية بين الثامن والعشرين من يونيو 2004 وبين الوقت الحالي.
أياً كان مدى سداد هذه النصيحة، التي يخالفها كاتب هذه السطور على أسس مهنية صرفة، فإننا سنجد في نهاية الكتاب ما يمكن أن نسميه بالمختتم.
يشير بريمر في هذا المختتم إلى الانتخابات العراقية التي أجريت في بداية العام. ويتساءل عمن عساه ينسى المشاهد المؤثرة للعراقيين الذين تدفقوا إلى اللجان الانتخابية للإدلاء بأصواتهم، ولم يعودوا إلا وقد حملوا على أطراف أصابعهم الحبر الدال على مشاركتهم في الانتخابات؟
ويشير إلى أن 31% ممن انتخبوا لعضوية البرلمان العراقي هم من النساء وهي تعد إحدى أعلى النسب في العالم وتبلغ ضعف النسبة السائدة في الكونغرس الأميركي.
هذا كله جميل، ولا شك أن القارئ يشارك بريمر الحماس له وربما يفوقه، ولكن ماذا عن استمرار وجود قوات «التحالف» على الأرض العراقية؟ هل ستصبح المناطق النفطية في العراق أوكيناوا أخرى سترابط بها القوات الأميركية بعد خمسين عاماً من اليوم؟
وماذا عن الأصوات التي تتعالى اليوم في أميركا نفسها عن ضرورة الانسحاب من العراق؟
إن القارئ لابد له من التوقف عند ما يقوله المؤلف من أن الانسحاب من العراق، إذا تم، سيكون غلطة تاريخية على حد تعبيره، لأنه لن يؤدي إلا إلى إبراز مؤشر لهزيمة المصالح الأميركية ليس في العراق وحده وإنما في المنطقة الأوسع نطاقاً. ويظل كتاب بول بريمر مثيراً للجدل، للخلاف، للنقاش، وربما كان هذا هو على وجه الدقة أفضل ما فيه.