يتاح للقارئ هنا اللقاء مع المناقشات والمداولات والمناورات والمماحكات أيضاً، التي واكبت صياغة ما عرف بالقانون الاداري الانتقالي في العراق، الذي يعتبر بول بريمر التوصل إليه في مقدمة إنجازات العام الذي أمضاه حاكماً مدنياً للعراق. يعترف بريمر أن ثلاث أزمات قد أخذت بخناقه في النصف الثاني من العام الذي أمضاه في مجمع القصور العتيد في المنطقة الخضراء بقلب بغداد.

الأزمة الأولى تعلقت بالعراقيل التي تعرضت لها العملية السياسية في العراق، والأزمة الثانية دارت حول الصدام بين قوات التحالف وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر. أما الأزمة الثالثة فهي القتال الضاري الذي شهدته الفلوجة وصورته كاميرات أطقم أبرز الشبكات العالمية، وطيرته إلى أرجاء الدنيا.

لا يتردد المؤلف في الإعراب عن اعتقاده بأنه في فبراير 2003 كانت عملية صياغة القانون الإداري الانتقالي تحرز تقدماً كبيراً، حيث كان ممثلو لجنة الصياغة المنبثقة عن مجلس الحكم العراقي قد التقوا بفريق اختصاصي تابع لسلطة التحالف المؤقتة، حيث بذلت جهود مكثفة فيما يتعلق بحقوق الأفراد وهياكل وآليات عمل الحكومة الجديدة، وتم إقرار المبادئ الأساسية مثل استغلال القضاء والسيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية.

لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح، أو مما تنقله تقارير أجهزة الإعلام، فقد عكف بريمر على القيام بعقد سلاسل لا تنتهي من اللقاءات مع القيادات الكردية، حيث جرى تطوير ما يمكن وصفه بالحل الوسط، الذي يسمح للمنطقة الكردية بالإبقاء على العديد من عناصر الحكم الذاتي الذي تمتعت به، بينما يتم في الوقت نفسه الحفاظ على اليد العليا للحكومة المركزية في القضايا المتعلقة بالسياسات الوطنية.

مع ذلك، فقد كان هناك حشد هائل من القضايا لا يزال معلقاً بلا حسم. فكيف ستكون ردود الفعل العربية على الحل الوسط الخاص بالفيدرالية؟ وهل تعترف الوثيقة التي سيتم التوصل إليها بالكردية لغة رسمية كما يطالب الأكراد؟ وما الذي سيرد في الوثيقة فيما يتعلق بدور الإسلام؟ وماذا عن دور المرأة في البنية السياسية العراقية؟

كان لا بد من الوصول إلى أجوبة عن هذه الأسئلة وغيرها كثير لكي يتم إقرار «الدستور المؤقت» في الأول من مارس، وهو الموعد الذي يشدد عليه اتفاق الثامن عشر من نوفمبر.

العقدة الكردية لم تكن إلا الجزء الطافي من جبل جليد متاعب المبعوث الرئاسي، فهناك أيضاً مشاكل مع آية الله علي السيستاني الذي يطالب بالانتخابات الحرة في أقرب وقت ممكن.

هناك أيضاً عمليات المقاومة التي يفضل المؤلف تسميتها بالمتاعب الأمنية، وبين السطور نقرأ التضارب في المواقف بين التيارات المختلفة في واشنطن بشأن العراق، وتكتمل دائرة المتاعب باضطرار بريمر للتعامل مع أعضاء الكونغرس الذين يزورون العراق وفي ذهنهم في المقام الأول أجندتهم الخاصة بإعادة انتخابهم، وفي النهاية هناك مشكلات التعامل مع الأجهزة البيروقراطية الأميركية.

* ثلاث أزمات

في الفصل الثاني عشر من الكتاب، والذي يحمل عنوان «الارتطام بالجدار» يتحدث المؤلف عن الفترة ابتداء من أبريل 2004، ليكشف النقاب عن ثلاث أزمات متزامنة فرضت نفسها عليه منذ التوقيع على القانون الإداري الانتقالي لتصل به إلى ركن ضيق وخانق يحس فيه بضراوة الحصار.

هذه الأزمات هي كالتالي:

ـ أولاً: تعثر العملية السياسية، حيث بدا من الضروري القيام ببذل أقصى الجهود لإقناع السيستاني وقيادات الشيعة في مجلس الحكم بتأييد عودة الأخضر الإيراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق لمواصلة مهامه المكوكية الممكنة ـ المستحيلة.

جوهر هذه الأزمة هو ان القيادات الشيعية أحست بخيبة أمل حادة حيال التقرير الذي أصدره الإبراهيمي عقب جولة تقصي الحقائق الأولية التي قام بها في فبراير 2004، حيث أكد ان انتخابات الجمعية الوطنية لن يكون بالوسع إجراؤها قبل نهاية 2004، ولكنه لم يقترح بديلاً في هذا الشأن.

انتقل الأمر إلى انتقادات من السيستاني للقانون الإداري الانتقالي وساد الجمود مداولات مجلس الحكم، الذي تردد في دعوة الإبراهيمي للعودة إلى العراق، الأمر الذي أثار ضيق كوندوليزا رايس.

هكذا لم يجد بريمر بداً، كما يقول، من أن يبادر بتحذير قيادات الشيعة في 17 مارس من أنهم لا يخاطرون بمواجهة الأمم المتحدة وحدها، وإنما الولايات المتحدة أيضاً، وانه إذا حدثت هذه المواجهة فإن الشعب العراقي يعرف على كاهل من ينبغي ان يلقي اللوم.

هكذا قام مجلس الحكم، بغير قليل من التردد، بإرسال دعوة للأمم المتحدة لإعادة الأخضر الإبراهيمي إلى العراق، لكن ذلك لم يمنع رايس من الإشارة إلى ان معارضة السيستاني للقانون الإداري تشكل عقبة كبرى وانه مع مضي العملية السياسية قدماً فإن المحتم أن يندلع المزيد من العنف.

ـ ثانياً: تجدد العنف من جانب جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، ويلاحظ بريمر في هذا الصدد ان الصدر لم يدع إلى مقاومة التحالف وحده وانما إلى التصدي لمجلس الحكم أيضاً.

هنا نلاحظ انه على الرغم من ضغط بريمر على العسكريين للتحرك ضد مقتدى الصدر، إلا أنهم أقروا بأن الموقف أكثر تعقيداً من ان يقوموا بذلك فالقوات الإسبانية المرابطة في النجف لم تكن متحمسة للتحرك ضد جيش المهدي، بل أحجمت تماماً عن اتخاذ أي خطوة في الاتجاه الذي يريده الأميركيون.

تفاقم الموقف في جنوب العراق بأسره إلى حد ان بريمر بادر بالاتصال هاتفياً بجنرال جون أبي زيد للإعراب عن قلقه وقال له بوضوح بالغ: «إننا نخاطر بفقدان السيطرة على المنطقة اللعينة بأسرها، وانتزاع ميليشيا مقتدى لها من أيدينا، فالاسبان يرفضون التحرك».

بصراحة العسكريين رد «ابي زيد» قائلاً: «سنعمل على هذا الأمر».

طلب بريمر من جنرال سانشيز إعداد خطة للسيطرة على جيش المهدي في جنوبي العراق وقال لمساعده ديك جونز: «ربما يكون بوسعنا البدء في الضغط عليه بصورة جديدة».

رد جونز: «ربما ولكننا سبق ان سرنا على هذا الدرب من قبل».

* مدينة قوية الشكيمة

ـ ثالثاً: تدهور الأوضاع في الفلوجة. ويقول بريمر ان هذه المدينة التي اكتسبت عن جدارة سمعتها باعتبارها مدينة قوية الشكيمة تضم 300 ألف نسمة، وتقع عند منعطف لنهر الفرات، وهي بمثابة ملتقى للعديد من طرق القوافل التقليدية التي تفضي غرباً إلى سوريا.

يروي بريمر، بطريقته الخاصة، حكاية ما يسميه بأزمة الفلوجة، فيشير إلى أن الأزمة اندلعت في صبيحة الأربعاء 31 مارس 2004، حيث تعرضت قافلة سيارات تقل عناصر من رجال الأمن الأميركيين التابعين لشركة بلاكووتر لكمين في قلب الفلوجة، حيث انهمر الرصاص من بنادق الكلاشنكوف على القافلة، وأشعلت النيران في إحدى السيارات وسحب عدد من أبناء المدينة جثث الأميركيين من الحطام وانهالوا عليها بالمعاول، ثم علّقوا أشلاء جثتين على الجسر الممتد بين ضفتي الفرات.

التمعت أضواء كاميرات أطقم التلفزيون وهي تصوّر المشهد، وفي أصيل اليوم نفسه بثتها المحطات الفضائية العربية، وفي وقت لاحق من اليوم عرضت الشبكات الأميركية شريطاً للمشهد بعد مروره بعملية مونتاج. وتحوّلت الصور إلى تجسيد للحقيقة القائلة إن قوات التحالف لا تسيطر على الفلوجة.

تمثل رد الفعل الأميركي في قيام جنرال ريك سانشيز بإزالة الغبار عن خطط موضوعة بالفعل مسبقاً لتركيع المدينة العراقية.

غير أنه سريعاً ما تعلّم المبعوث الرئاسي الدرس القائل إنه في العراق عندما تسوء الأمور، فإن الخطوة التالية ستكون الانتقال إلى ما هو أسوأ.

في ليل الخامس من أبريل أبلغ بريمر أعضاء مجلس الأمن القومي عبر تقنيات المؤتمرات عن بعد قوله: «إننا نواجه تحدياً لسلطتنا ولكل سلطة مركزية في العراق».

* استراتيجية الأناكوندا

رداً على السؤال التقليدي: ما العمل؟ أوصى بريمر باتباع ما أسماه باستراتيجية الأناكوندا.

هذه الاستراتيجية ـ كما أوضح المبعوث الرئاسي لأعضاء المجلس العتيد ـ مستمدة من خطة في الحرب الأهلية الأميركية وضعها جنرال ونفيلد سكوت لخنق قوات الجنوب باختراقها في أطرافها.

حيث إنه لم يكن بإمكان القوات الأميركية اقتحام الكوفة بالقوة لاعتقال مقتدى الصدر، فإن البديل هو ضرب أهداف أخرى تابعة للقائد الشاب. ومنها البيوت الآمنة، معسكرات التدريب، وحدات جيش المهدي، مطاردة أنصاره وقياداته، وتوجيه الضربات لهم في كل مكان عدا النجف نفسها.

تبنى مجلس الأمن القومي الأميركي الفكرة بالإجماع. أما في الفلوجة فإن الأنباء السيئة كانت تطارد بعضها لتصل إلى المبعوث الرئاسي الأميركي.

فقد الأميركيون أحد عشر من رجال المارينز سقطوا قتلى في هجمات منسقة في الرمادي استهدفت تخفيف الضغط عن زملائهم في الفلوجة. أما الكوت فقد سيطر عليها جيش المهدي بعد مهاجمة معقل سلطة التحالف المؤقتة بالأسلحة الصغيرة والقذائف الصاروخية.

في الفلوجة نفسها حاول المارينز التقدم، فجوبهوا بمقاومة عنيدة من مواقع دفاعية معمقة، مدعمة بالرشاشات ومكامن الهاونات وعناصر من القناصة الماهرين.

المقاومون بادروا بإطلاق النار من المدارس، المستشفيات، المباني السكنية والمساجد. ومع تفاقم القتال تصاعدت معدلات الخسائر وسجلت كاميرات «الجزيرة» كل التفاصيل، بما في ذلك تصدي طائرات هليكوبتر أميركية من طراز كوبرا بالصواريخ لمقاتل وحيد لا يحمل إلا بندقية كلاشنكوف في مئذنة مسجد.

لكن الصور التي بثتها «الجزيرة» أثارت الغضب ليس في العراق وحده وإنما في العالم العربي كله.

ضغط المارينز باتجاه التوغل بشكل أعمق في الفلوجة، لكن قوات الدفاع المدني العراقية التي شكلتها سلطة التحالف المؤقتة إما أنها تخلت عن مواقعها أو بادرت بالانتقال للقتال في صفوف المقاومين.

من بين الكتائب الخمس في قوات الدفاع المدني العراقية تغيب الثلث تقريباً عن عملهم في اليوم التالي وهو السادس من ابريل. وفي مدينة الصدر وصلت نسبة التغيب إلى 80% وعلى امتداد الجنوب العراقي قفزت النسبة إلى 100%.

عقّب بريمر بقوله: «وداعاً لفكرة تولي العراقيين مسؤولية أمنهم!» لكن الأمن لم يكن المشكلة الوحيدة التي تواجهه، فقد كان عليه وضع خطة تكفل استمرار العملية السياسية وتشكيل حكومة عراقية مؤقتة، على الرغم من كل الأزمات والمشكلات ورياح المتاعب التي تهب من كل الجهات.

* الالتفاف على الأزمات

لم يكن بوسع الأميركيين المضي قدماً باستراتيجية الأناكوندا في الفلوجة، لأن اقتحامها وارتكاب مذبحة هناك كان من الناحية العملية سيعني كسب معركة وخسارة حرب، باعتبار أن مشهداً كهذا كان سيعني عملياً انهيار العملية السياسية في العراق بأسره.

هكذا تم اللجوء إلى أسلوب «لواء الفلوجة» حيث دفعت عناصر من قوات الأمن العراقية برئاسة أحد جنرالات «جيش صدام» لدخول المدينة.

على الرغم من ذلك، فإن إمكانية اندلاع العنف في الفلوجة، بل في غرب العراق بأسره، ظلت قريبة من سطح الأحداث.

لكن بريمر يوضح لنا أنه على صعيد الأزمتين الأخيرتين، فإن الوضع كان أكثر هدوءاً، حيث كان مقتدى الصدر لا يزال قابعاً في قلب الكوفة بعد أن قتلت قوات التحالف مئات عدة من رجال وقطعت طريق وصول التعزيزات إليه. ولم يكن هذا التحدي قد حسم، لكن بريمر عقد العزم على مواصلة الضغوط السياسية والعسكرية عليه ومتابعة النتائج التي يمكن أن تفضي إليها.

على الجبهة السياسية، عاد الأخضر الإبراهيمي وفريق الأمم المتحدة في الأسبوع الأول من مايو 2004 للعمل مع سلطة التحالف المؤقتة في اتجاه تشكيل حكومة عراقية مؤقتة، وذلك على الرغم من أن قادة الشيعة لم يكونوا شديدي الحماس للإبراهيمي، غير أن فتورهم لم يترجم إلى تظاهرات انسحاب مشهودة من مجلس الحكم، أو تقديم احتجاجي للاستقالات من المناصب العامة في معرض إبداء الاستياء حيال دور الدبلوماسي الجزائري المخضرم.

في هذه المرحلة كان الهدف الرئيسي للتحالف هو استخدام تشكيل حكومة عراقية جديدة لتوسيع نطاق القاعدة التي يستند إليها، وبصفة خاصة من خلال استيعاب المزيد من عناصر السنة والمزيد من أبناء المحافظات العراقية.

يلفت نظرنا هنا على الفور تقريباً، أن بريمر يقول إن هذه العملية، كما هي الحال دائماً، كانت تعتمد على ما يسميه بـ «الرياضيات العراقية المعقدة».

ولكن ما الذي يقصده المبعوث الرئاسي الأميركي بهذا الاصطلاح على وجه الدقة؟

إنه يبادر إلى إيضاح أن المقصود بذلك السعي إلى مرشحين مؤهلين من الرجال والنساء يمثلون المحافظات المختلفة بصورة مناسبة وتحقيق توازن بين الحزبيين وغير الحزبيين منهم وبين المنفيين وغير المنفيين كذلك مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن تكون غالبيتهم من الشيعة

* أشباح أبو غريب

هنا من حق القارئ أن يقاطع بول برمير ويبادر بطرح السؤال الذي لابد أنه قد شغل الكثيرين طويلاً، وهو: كيف تعامل المبعوث الرئاسي الأميركي مع فضيحة أبو غريب؟

واقع الحال يقول إن الفضيحة عندما تسربت في يناير 2004 كان بريمر في واشنطن. أما بريمر نفسه فيقول إن التحالف كان «منفتحاً» مع أجهزة الإعلام بشأن الفضيحة.

بأمانة شديدة لا يدري المرء كيف كان التحالف «منفتحاً» مع الإعلام بشأن الفضيحة، كما يصر بريمر على التكرار، لكن ما حدث هو أن الجيش الأميركي استهل تحقيقات حول الفضيحة، لكن الإعلام العالمي كان له تصور آخر.

في 28 ابريل، عرضت في برنامج «60 دقيقة» صور ملتقطة داخل السجن الرهيب لسجناء عراقيين يتعرضون لتعذيب حقيقي ولانتهاكات مروعة لأبسط حقوقهم كبشر بما في ذلك الاعتداءات الجنسية عليهم من قبل رجال ونساء الشرطة العسكرية الأميركية.

يقول بريمر إنه استشاط غضباً وشعر بالاشمئزاز حيال الصور، كأي أميركي آخر، وعندما التقى مع جنرال ريك سانشيز وأعضاء مجلس الحكم العراقي في 12 مايو استهل اللقاء بتقديم اعتذار صريح لكل العراقيين عن السلوك الذي شهده سجن أبو غريب، وقدم سانشيز للمحاضرين تعريفاً موجزاً بما جرى واعتذر عن «المعاملة غير الإنسانية» التي أخضع لها الأسرى العراقيون، وأشار إلى أن المحاكمة العسكرية الأولى ستبدأ في بغداد الأسبوع المقبل.

يوضح بريمر أنه أبلغ الحاضرين في الاجتماع بأن هذا السلوك الذي شهده سجن أبو غريب مثير للحنق والغضب وأنه لا يمثل أميركا وأن الرئيس الأميركي قد اعتذر عنه وكذلك جنرال سانشيز وانه بدوره يكرر اعتذاره ويؤكد أن من سيتبين من التحقيق أنهم مذنبون سيعاقبون بحسب مقتضيات القانون، وان الموقف الأميركي في هذا الصدد يشكل مفارقة لما كان يحدث في ظل حكم صدام حسين عندما كانت ممارسة تعذيب أكثر وحشية تشكل سياسة متبعة دوماً.

في الاجتماع قالت عضو مجلس الحكم د. رجاء الخزاعي انها مضت على رأس وفد بناء على اقتراح من سلطة التحالف المؤقتة إلى سجن أبو غريب، وأنها وجدت أن الرعاية الطبية هناك كانت أفضل كثيراً من نظيرتها في المستشفيات العراقية.

بغض النظر عن التحقيق الأخير، الذي يبدو عجيباً حقاً من جانب د. رجاء الخزاعي، فإن القارئ لا يمكن إلا أن يرصد مجموعة بالغة الأهمية من الملاحظات:

ـ أولاً: أن العراقيين في كل هذه الأحداث التي يسجلها بريمر سواء أكنا نتحدث عن الفلوجة، الرمادى، مدينة الصدر، الكوفة، النجف أو غيرها من مدن العراق يظهرون لنا كما لو كانوا أشباحاً، بلا هوية، بلا كيان، بلا ملامح، وكأنهم ليسوا بشراً، تماماً كما يظهر الهنود الحمر عبر كاميرات هوليوود، وهو أمر نعرف جميعاً أنه مقصود، ومتعمد، ويراد به إبراز كل ما هو أميركي باعتباره إنسانياً.. إنسانياً جداً، إذا شئنا استخدام عنوان كتاب «نيتشه» الشهير وكل من عداهم يبدو غارقاً في ظلام التجهيل.

ـ ثانياً: أن بريمر يشير إلى المقارنات بين ما يجري في العراق من ناحية وتعامل الأميركيين مع تجربتي احتلال ألمانيا واليابان من ناحية أخرى، ولكنه ينسى دائماً، أو ربما يتناسى، أن قوات الاحتلال الأميركية لا تزال موجودة في أوكيناوا، تماماً كما هي موجودة في رامشتاين. فهل علينا أن ننتظر خمسين عاماً أخرى لكي نتأمل وضعية الوجود العسكري الأميركي المتواصل حتى ذلك الوقت في قاعدة الحبانية؟

ـ ثالثاً: يحرص بريمر على تصوير ما جرى في أبو غريب وكأنه حدث عارض وهامشي وعابر ويكاد يدعو القارئ إلى نسيانه أو تجاهله، وهو يشدد على أن مثله وأكثر كان يحدث في سجون صدام حسين. ولكنه في كل الأحوال يتجاهل الرد على السؤال الكبير الذي يساورنا جميعاً عندما تقفز مشاهد أبو غريب إلى أذهاننا: هل هذه هي تجليات ثقافة الديمقراطية التي يصر الغرب على أنها ينبغي أن تكون جزءاً من واقع الشرق الأوسط.

وكم في كتاب بريمر من منعطفات جديرة بالوقوف عندها وتأملها طويلاً!

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين