كان تعزيز السلام والرخاء وحقوق الإنسان هو الهدف الذي أُنشئت من أجله الأمم المتحدة. وفي المضمارين الأولين تؤدي المنظمة الدولية عملها بشكل أفضل مما يدّعي كثيرٌ من منتقديها أحيانا. في حين أن أداءها في المضمار الثالث، وهو حقوق الإنسان، يمثل فشلاً ذريعاً يهدد بنسف كيان المنظمة من أساسه.

فبعد أن كانت تُوصف بأنها الكيان الأول الذي وضع وأسس القواعد والأدوات العالمية لحماية حقوق الإنسان، لحق العار تماما باللجنة الدولية لحقوق الإنسان التي تتكون من 53 عضوا.

بل ويمكن القول إنه إذا لم تكن هناك أي إمكانية لإصلاح تلك اللجنة فإن الأفضل هو إلغاؤها. فبشكلها الحالي، لا تمثل تلك اللجنة سوى مجالا للاستهزاء والسخرية من قضايا حقوق الإنسان.

والسبب وراء ذلك بسيط للغاية. فاللجنة الحالية مليئة بأعضاء هم أنفسهم منتهكون بشكل سافر لحقوق الإنسان. ويعترف كوفي عنان، الأمين العام للمنظمة الدولية، أن وجود هؤلاء الأعضاء في اللجنة لا يهدف إلى تعزيز حقوق الإنسان.

وإنما إلى حماية أنفسهم من النقد. وفي الوقت الحاضر تضم اللجنة بين أعضائها دولا تجسد أمثلة للانتهاك السافر لحقوق الإنسان، مثل زيمبابوي والسودان والصين وكوبا ونيبال وروسيا.

ثمة خطة موجودة حاليا لإصلاح تلك الفوضى الموجودة التي تعاني منها اللجنة. لقد دعا عنان إلى تغيير تلك اللجنة التي لا تجتمع سوى مرة كل عام ليحل محلها مجلس لحقوق الإنسان يتكون من عدد أصغر من الأعضاء ويكون في حالة انعقاد طوال العام ويتحرك حال وقوع أي انتهاك خطير لحقوق الإنسان في أي مكان بالعالم.

وأيدت أميركا وعدد من الدول الديمقراطية الكبرى في العالم الفكرة التي عارضها بالطبع المنتهكون الرئيسيون لحقوق الإنسان الموجودون ضمن اللجنة.

وأثناء النقاش الذي دار حول الأمر، انكمشت فكرة عنان الوليدة لتتحول إلى مجرد هيكل عظمي تساءل الكثيرون عن قدرته على الاستمرار على قيد الحياة في ظل المعارضة الشديدة لوجوده.

ولكن بشكل يثير الدهشة كتُب لتلك الفكرة الحياة. فهناك الآن اتفاق على الحاجة إلى هيئة جديدة تقف على قدم المساواة مع مجلس الأمن وتجتمع مرات عدة في السنة، في صورة جلسات تُعقد بشكل طارئ. غير أن محل الخلاف هو مدى حجم ومسؤوليات وتركيبة تلك الهيئة.

فالأميركيون يريدون هيئة لا يزيد عدد أعضائها على 30 يتمتعون جميعا بأوراق اعتماد قوية في مجال حقوق الإنسان ويتم انتخابهم بموافقة أغلبية تبلغ ثلثي عدد أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة مع وجود مراجعة روتينية لحقوق الإنسان في الدول الـ 191 الأعضاء في الأمم المتحدة.

غير أن منتهكي حقوق الإنسان يريدون كيانا أكبر في حجمه (وذلك من أجل زيادة فرصهم في الحصول على العضوية) على أن يتم الانتخاب بغالبية بسيطة، كما هي الحال في الوقت الحالي، وإلغاء أي معايير للعضوية وإلغاء أي مراجعة أوتوماتيكية لسجل الدول الأعضاء في مجال حقوق الإنسان.

إن أي تحسين يراد لتلك اللجنة لا يجب أن يتضمن إنقاصا لعدد الأعضاء فحسب وإنما يجب أن يتضمن أيضا تغييرا للطريقة التي يتم من خلالها انتخاب هؤلاء الأعضاء.

ما يتم حاليا هو أن مناطق العالم تتقدم عادة بقائمة من المرشحين تتماشى مع عدد المقاعد المخصص لها، وهو العدد الذي تصوت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة .

ويُنقل إلى اللجنة في شكل جبهة. غير أن أحد الاقتراحات السليمة والعقلانية يتمثل في أن يُطلب من تلك المناطق التقدم بعدد أكبر من المرشحين يزيد على الحصة المخصصة لها.

ومن ثم فإن كل دولة مرشحة تقوم بخوض الانتخاب بشكل منفصل. ومن شأن وجود مراجعة مبكرة فردية لكل عضو في الجمعية أن يقلص من حافز منتهكي حقوق الإنسان على الحصول على مقاعد.

غير أن الرفض شديدٌ للغاية لهذا الاقتراح ليس من قبل المنتهكين لحقوق الإنسان فحسب وإنما أيضا من قبل تلك الدول التي تخشى من أن تُفضح على الملأ الانتهاكات البسيطة التي ترتكبها، وهي انتهاكات بسيطة نسبيا إذا ما قورنت بالانتهاكات السافرة لدول أخرى.

الوقت ضيق للغاية. فاللجنة القديمة على وشك عقد اجتماعها السنوي في مارس المقبل. يريد كوفي عنان أن تكون هناك لجنة جديدة مستعدة لتحل محل القديمة قبل هذا التاريخ، وهو ما يعني الوصول إلى اتفاق حول القضية خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

وفي حال الفشل في تحقيق ذلك فإن أفضل حل متاح بعد ذلك هو أن يتم قلب الأمور في تلك اللجنة رأسا على عقب. إن حقوق الإنسان تعني الكثير لاستمرار وجود الأمم المتحدة لدرجة لا يمكن معها تحويل النقاش حول تلك القضايا إلى هيئة تسخر من تلك الحقوق وتحوي مجموعة من أسوأ منتهكي حقوق الإنسان في العالم. إن تلك اللجنة تسيء بشكل كامل لسمعة المنظمة الدولية.

عن «إيكونوميست»