منذ أقل من عام أفادت مجموعة بحثية من جامعة جونز هوبكنز أن نحو مئة ألف مدني عراقي لقوا حتفهم من جراء حرب العراق في فترة زمنية بلغت 14 شهرا تسببت خلالها بشكل مباشر أعمال العنف المسلح التي قامت بها القوات الأميركية وحلفاؤها في قتل نحو 60 ألف ضحية من هؤلاء المئة ألف.

واستخدمت الدراسة، التي نُشرت في صحيفة «ذا لانسيت» الطبية البريطانية ذائعة الصيت، الأساليب العلمية الدقيقة ذاتها التي استخدمها باحثو جامعة هوبكنز في تقدير عدد القتلى في الكونغو في عام 2000 والذي بلغ 7,1 مليون شخص.

وعلى الرغم من أن الدراسة الخاصة بالكونغو قد نالت إشادة إدارتي بوش وبلير ومثلت بعد ذلك الأساس الذي بُنيت عليه الإجراءات التي اتخذتها الأمم المتحدة ووزارة الخارجية حيال الكارثة الكونغولية.

إلا أن الحكومة العراقية والأطراف المؤيدة لحرب العراق سارعت بإعلان أن الدراسة العراقية لا يمكن الاعتماد عليها لأنها غير صحيحة.

ولم يكن هذا الرفض للدراسة بالأمر المفاجئ إلا أن المفاجأة الحقيقية جاءت عندما تجاهلت بشكل كبير موجة من الاحتجاجات القصيرة، حتى تلك التي نظمتها حركة مناهضة الحرب (مع وجود عدد من الاستثناءات) ـ تجاهلت تلك الاحتجاجات المجزرة الدائرة في العراق والتي أبرزتها الدراسة.

أحد الأسباب التي لم تجعل الدراسة تولد قدرا متواصلا من الغضب والاستياء هو أن الباحثين القائمين عليها لم يوضحوا كيف أن قوات الاحتلال قد نجحت في قتل عدد كبير من الشعب بشكل سريع ـ إذ وصل عدد القتلى إلى ألف مدني أسبوعيا في أول 14 شهرا من الحرب.

تلك الحقيقة قد تعكس قناعتنا بأن تلك المذبحة التي اُقترفت على هذا المستوى تتطلب سلسلة من الأعمال الهمجية التي تدخل تحت وصف المذبحة الجماعية أو المعارك الضخمة التي تتسبب في أعداد كبيرة من القتلى العراقيين. ومع استثناء معركة الفلوجة، فإن مثل هذا النوع من الأحداث البالغة الوحشية لم يقع في العراق من قبل بهذه السهولة.

غير أن حرب العراق هي حرب القرن الواحد والعشرين ولذا فقد سمحت معجزة الآلة العسكرية للجيش الأميركي بقتل عشرات من العراقيين وإصابة أعداد كبيرة أخرى أثناء عمل يومي روتيني ينطوي على عدد من المناوشات الصغيرة التي تأتي ردا على أعمال تفجيرية على جانبي الطريق وهجمات قناصة ودوريات أميركية راجلة.

وفي أوائل يناير 2006 روت صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» أحداث واقعة بسيطة نسبيا (لم تكن حتى بحاجة إلى أن تأتي في صدر الصفحة الأولى) جسدت بشكل كامل قدرة الآلة العسكرية الأميركية على قتل ألوف من المدنيين العراقيين كل عام.

وها هو تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» لما حدث في الثالث من يناير في مدينة بيجي التي تبعد 240 كيلو مترا عن العاصمة بغداد، واعتمد التقرير على مقابلات مع عدد من المسؤولين الأميركيين لم يُفصح عن هويتهم:

«رصدت طائرة استكشاف من دون طيار ثلاثة رجال يزرعون قنبلة على جانب الطريق في الساعة التاسعة مساءً». وقال الجيش الأميركي في تقرير له ما يلي: «حفر الرجال الثلاثة حفرة بالشكل المتبع في زرع القنابل التي توضع على جانبي الطريق».

وأعُتبر أن الرجال الثلاثة يشكلون تهديدا على المدنيين العراقيين وقوات التحالف وبناءً عليه تم نقل صورة موقع الثلاثة إلى شاشات طياري دعم كانوا موجودين بالقرب من المكان.

وتم تتبع الثلاثة أثناء ذهابهم من مكان زرع القنبلة إلى مبنى قريب حيث تم قصف ذلك المبنى عن طريق «ذخيرة حربية دقيقة التصويب» على حد وصف البيان العسكري. ولم يوضح البيان ما إذا كان قد تم العثور بعد ذلك على قنبلة على جانب الطريق أم لا.

وأفاد بيان إضافي أن الهدف تم قصفه عن طريق طائرات «إف 14» التابعة لسلاح البحرية الأميركي والتي بدورها قصفت الهدف بـ 100 طلقة مدفع وقنبلة واحدة. والملاحظ في هذا البيان استخدام عبارة «ذخيرة حربية دقيقة التصويب».

وهو ما يعني تأكيدا على أن القوات العسكرية الأميركية استخدمت تقنيات تقل من خلالها احتمالية إصابة هدف خطأ بالمقارنة بالذخيرة التقليدية القديمة. إن تلك الدقة هي التي تسمح لنا باستشعار الوحشية البالغة للإستراتيجية العسكرية الأميركية في العراق.

الهدف كان «مبنى قريب» كما ورد في البيان العسكري حددته طائرة من دون طيار باعتباره مكانا يختبئ فيه العدو. وبحسب تقارير الشهود التي نقلتها «واشنطن بوست» فإن الهجوم الأميركي تسبب في تدمير المبنى وستة مبان محيطة به. في حين أنه إذا كانت الظروف طبيعية فإن المباني الأخرى كان يجب ألا تصاب بأي أذى.

غير أن المشكلة تأتي بسبب ما حدث في المبنى المستهدف، وهو منزل كانت تسكنه عائلة عراقية ذات عدد كبير. ومن خلال جمع أقوال سكان المنطقة، خلصت «نيويورك تايمز» إلى القول إن 14 فردا من تلك العائلة كان موجودين في المنزل في وقت الهجوم وقتُل تسعة منهم. وأوردت «واشنطن تايمز» التي قالت إن 12 فردا قضوا في ذلك الهجوم، وصفا مريعا للواقعة:

« كان من بين القتلى نساء وأطفال تم انتشال جثثهم في ملابس نوم وفي بطاطين يبدو أنهم كانوا نائمين داخلها. وشاهد مراسل «واشنطن بوست» جثث ثلاث نساء وثلاثة غلمان يبدو أن أعمارهم تقل عن عشرة أعوام حالما كانت تُنتشل جثثهم من المنزل».

وبسبب أن ذلك الهجوم ـ على نحو لم يكن متوافرا لهجمات أخرى كثيرة نفذها سلاح الجو الأميركي باستخدام الذخيرة بالغة الدقة ـ قد شهد تغطية لحظية لصحيفة أميركية، فإنه قد طُلب من القائد العسكري تفسير وجود هذا الكم من الضحايا.

ومن دون الاعتراف بأن هذا العدد من البشر بالفعل قد قتل، علق ليفتنانت كولونيل باري جونسون، مدير المكتب الإعلامي لقوات التحالف في بغداد على الحادث بالقول: «مازلنا نرى كيف أن الإرهابيين والمتمردين يستغلون المدنيين في محاولة لحماية أنفسهم».

والملاحظ هنا كيف أن جونسون (من دون أن يعترف بأن مدنيين قد قتلوا بالفعل) قد أكد على السياسة الأميركية المتمثلة في أنه في حال أن يقوم رجال عصابات باستخدام أي مبنى كملاذ لهم فإن هجوما كبيرا على هذا المبنى يكون مبررا حتى في حال أن يحاول المتمردون استخدام المدنيين « كدروع لحماية أنفسهم».

بعبارة أخرى تلك هي قواعد الاشتباك الأميركية بحذافيرها. فالهجوم يجب أن يكون «دقيقاً» فقط بمعنى أن يبذل الطيارون أقصى ما لديهم من أجل تجنب إصابة المباني المجاورة للمبني المستهدف. بعبارة أخرى فإن إيقاف المتمردين أهم من حماية الأبرياء.

ومن الملاحظ أيضا أن الجيش الذي يقرر من تلقاء نفسه قتل أو اعتقال الأبرياء لا يستطيع التوقف من أجل إخلاء المنازل من المدنيين الذين يسكنون بها.

فأي تأخير قد يسمح للمتمردين بالفرار إما متخفين في ملابس مدنيين أم من خلال النوافذ والأبواب الخلفية أو من خلال أي طريق هروب آخر قد يسلكه رجال العصابات. فأي هجوم يجب أن يتم بسرعة وبشكل غير متوقع ان أمكن.

هناك ثلاثة مبادئ مهمة تقوم عليها الحرب في العراق:

ـ الحرب ينبغي أن تُشن بأقل قدر ممكن من الخطر على القوات الأميركية.

ـ لا ينبغي السماح لرجال العصابات بالهروب إذا كانت هناك أي وسيلة لاعتقالهم أو قتلهم.

لا ينبغي السماح للمدنيين العراقيين بإيواء أو تشجيع رجال المقاومة.

وكما شرح الأمر أحد الجنود الأميركيين في لقاء مع صحيفة «نيويورك تايمز» فإن الاستعداد للتضحية بالمدنيين المحليين يعد جزءاً من استراتيجية أكبر تستخدم فيها القوة الأميركية ل«معاقبة ليس رجال العصابات فحسب وإنما لتبيان ثمن عدم التعاون أمام العراقيين العاديين»، بحسب تعبيره.

وفسر الأمر أحد جنود البحرية الأميركية في لقاء إذاعي أخيرا عندما صرح بالقول: «هل تعرف لماذا يُقتل هؤلاء الناس؟ لأنهم يتركون المتمردين يختبئون في منازلهم».

هذا بالمناسبة هو التعريف القاموسي للفظ «إرهاب»: مهاجمة شعب مدني من أجل منعه من دعم العدو. إن هذا التوجه الاستراتيجي الذي يُطبق أينما تحارب القوات الأميركية المقاومة العراقية، يمثل تبنيا للإرهاب كتكتيك مبدئي للقضاء على حركة التمرد العراقية.

إن مدينة بيجي، وهي مدينة لا يقطنها عدد كبير من السكان، ليست من المواقع التي تشهد عادة استخدام طائرات سلاح الجو الأميركي بشكل منتظم؛ ففي المدن العراقية المكتظة بالسكان التي تشهد كثيرا من مواجهات العنف، يأوي المنزل الواحد فيها عادة عائلات عدة .

وتكون تلك المنازل متلاصقة وشديدة التقارب من بعضها البعض. فضلا على ذلك، فإن معارك المدن غالبا ما تشهد مشاركة وحدات أكبر من رجال العصابات الذين يقومون بعمل كمائن للدوريات الأميركية ثم يتفرقون إلى داخل المساكن القريبة أو يكون هناك قناصة يستهدفون الأميركيين من مناطق عدة.

ومن ثم فإنه حال وصول طائرات «إف14» الأميركية أو أي طراز آخر من الطائرات الأميركية، فإنه يكون هناك في انتظارها أهداف أكبر وأكثر انتشارا من تلك الموجودة في المدن المنخفضة الكثافة السكانية.

وفي هذا الصدد تتطلب عملية تصفية رجال العصابات تفجيراً «دقيقا» لعدة مبان عن طريق ما يعرف بأسلوب الدمار الشامل أو حتى يمكن أن يتطلب الأمر تسوية مدينة كاملة من المباني بالأرض.

وبدلا من أن يكون هناك 100 طلقة مدفع وقنبلة تزن 227 كيلوغراماً، فإن مثل ذلك الهجوم يمكن أن يتضمن استخدام عدة ألوف من الطلقات المدفعية ومجموعة من القنابل التي تزن 907 كيلوغرامات.

ومن نافل القول إن الخسائر البشرية لتلك الهجمات تكون أكبر وأوسع وذلك على الرغم من أننا لا نقرأ شيئا عنها في الصحف الأميركية وذلك لأن الصحافيين الذين يعملون لتلك الصحف لا يكونون موجودين إلا بشكل نادر قبل أو أثناء أو بعد وقوع تلك الهجمات. غير أن هذا الأمر قد بدأ في التغير منذ مقالة« التوجه إلى الجو» .

وهي المقالة التي كتبها سيمور هيرش في صحيفة «نيويوركر» وركزت الضوء على استراتيجية إدارة بوش الجديدة التي تدعو إلى اعتماد متزايد على الهجمات الجوية.

تلك الاستراتيجية الجديدة التي توصف بأنها وسيلة لعدم تصعيد الحرب ما هي في الواقع إلا وصفة لارتكاب مذبحة في حق المدنيين العراقيين.

ترجمة: حاتم حسين

عن« إيشيا تايمز»