ً إذا كان هناك فصل بعينه، في الكتاب الذي نناقشه هنا، يثير الفضول ويدفع القارئ إلى متابعة تفاصيله بحرص ولهفة حقاً، فإن هذا الفصل لن يكون إلا الفصل التاسع الذي يحمل العنوان الدال «قبضنا عليه».

من الواضح أن الفصل المؤلف من إحدى وعشرين صفحة مكرس في غالبيته العظمى لإلقاء الضوء على تفاصيل عملية إلقاء القبض على صدام حسين في قاع ما وصف بأنه «حفرة عنكبوت» في مزرعة بعيدة عن تكريت.

ولكن ما ليس واضحاً هو أن عنوان الفصل يشكل الكلمتين اللتين استهل بهما بول بريمر مؤتمره الصحافي المخصص للإعلان عن هذا التطور، وهما الكلمتان اللتان يصارحنا المؤلف بأنه استعان باختصاصيين في الرأي العام والإعلام لصياغتهما.

ما ليس واضحاً أيضاً هو مجمل ملابسات هذه العملية بكاملها، ومدى دقة ما تردد عن استخدام غاز مخدر في المنطقة بكاملها وإلى أي حد تتصف بالمصداقية الصورة التي قدمها الأميركيون عن استسلام الرئيس العراقي المخلوع والتزامه الهدوء والجمود فيما الأميركيون يفحصون شعره وأسنانه في صور شهيرة التقطت وأعلنت للعالم في مخالفة صريحة لمعاهدات جنيف.

* حوار في جوف الليل

في الساعة الواحدة والنصف من بعد منتصف ليل الأحد الرابع عشر من ديسمبر 2003 استيقظ بول بريمر من نومه الذي كان قد غرق فيه بالكاد بعد يوم عمل حافل يقول إنه استمر ثماني عشرة ساعة متواصلة.

كان الجنرال جون أبي زيد يطلبه عبر مساعديه، ويلح عليه بأن يبادر بالاتصال به فوراً عبر هاتف آمن ضد محاولات التنصت.

غمغم بريمر محدثاً نفسه بأن حرص أبي زيد على أن يحدثه عبر مثل هذا الهاتف في مثل هذه الساعة لا يعني إلا وجود أخبار جيدة للغاية أو بالغة السوء، وتابع: «دعنا نأمل ألا يكون هناك المزيد من القتلى والجرحى».

بعد خمس عشرة دقيقة، هي المدة التي استغرقها انتقاله من غرفة نومه إلى مكتبه في القصر وجد بريمر في انتظاره مساعده الجديد ديك جونز وأحد الضباط من محطة المخابرات المركزية «السي. آي. إيه» في بغداد والتي كانت قد أصبحت بالفعل أكبر محطة من نوعها في العالم كله.

التفت ديك جونز إلى ضابط المخابرات وقال له: «لست أريد سرقة الرعد منك». قال رجل المخابرات في إيجاز «إننا نعتقد أننا قد قبضنا على صدام».

التقط بريمر سماعة الهاتف، وبادر إلى الحديث مع أبي زيد في مقر قيادة الأخير في قطر، والذي أبلغه بأن رجال العمليات الخاصة عثروا على رجل ملتح، متسخ، في قاع حفرة عنكبوت بلا حراسة غير بعيد عن تكريت.

كان السؤال الذي قفز إلى لسان بريمر هو عن كيفية معرفة أن هذا الرجل هو بالفعل صدام حسين، علماً بأن هذا الأخير اشتهر باستعانته بعدد من البدلاء الذين يشبهونه كثيراً لتضليل مساعديه.

جاء رد أبي زيد بأنه تم إحضار صدام إلى بغداد وسيعرضه على عدد من كبار مساعديه السابقين المعتقلين لدى قوات التحالف للتأكد من هويته، كما أنه سيتم إرسال عينة من حمضه النووي إلى ألمانيا للتأكد من أنه صدام حقاً. وهو الإجراء الذي سيستغرق ما قد يصل إلى ست وثلاثين ساعة.

بادر بريمر إلى تأكيد أنه ليست هناك طريقة في الكون كله تكفل حجب خبر كهذا عن العالم ك هذه المدة، وبالتالي لابد من التحرك السريع وإعلان الخبر للعالم، ولكن على أبي زيد أن يبذل كل جهده للتأكد من هوية السجين حتى لا يتحوّل الجنرال الأميركي إلى أضحوكة يسخر منها العالم كله.

انتهى الحوار، لكن كابوساً حقيقياً كان قد بدأ بالنسبة للمبعوث الرئاسي الأميركي.

* حديث الحفرة

يحكي بريمر القصة، كما رواها كل من البريجادير جنرال بربارة فاست (من كبار ضباط المخابرات الأميركيين) وجنرال سانشيز.

على امتداد شهور عدة، طاردت قوات التحالف ـ بلا طائل ـ صدام حسين، لكنها في خريف 2003 انتقلت إلى استراتيجية مختلفة، فبدلاً من مطاردة كبار مساعديه، الذين بدا واضحاً أن الرجل انفصل عنهم تماماً، بعد سكوت المدافع، بدأت مطاردة عنيفة لعناصر المساعدة على المستويات المتواضعة.

أي على وجه التحديد مطاردة الخدم، والسائقين والقائمين على رعاية الحدائق والبساتين، وتم إعداد قاعدة معلومات عن كل هذه العناصر التي لها أدنى صلة من هذا النوع بصدام.

قالت فاست إن العاملين في القوات الخاصة التابعة للتحالف اعتقلوا أحد «عناصر الاتصال» المشتبه بها غير بعيد عن تكريت، وخلال التحقيق معه، قال إنه يستطيع أن يدل محدثيه على «شخص أكثر أهمية بكثير» يختبئ في مزرعة بإحدى القرى خارج تكريت، غير أنه رفض في عناد الكشف عن هوية هذا الشخص الذي يتحدث عنه.

في حوالي الساعة الثامنة من مساء السبت قاد هذا «المرشد» القوات الخاصة إلى مبنيين منفصلين يقعان إلى الغرب من نهر دجلة، وكشف استخدام أجهزة الرصد الليلية عن عدة دور مشيدة بالطوب اللبن ومجموعة أكواخ، ولكن لم يكن هناك وجود لأية أضواء أو مؤشرات دالة على وجود سكان بها.

وفي التو قامت الفرقة الرابعة مشاة بضرب نطاق من القوات والمدرعات وطائرات الهليكوبتر حول المنطقة، ثم تقدم رجال القوات الخاصة لإلقاء نظرة عن قرب.

كان واضحاً أن الكوخ الأول مهجور تماماً، ولكن في الكوخ الثاني تم رصد مؤشرات سكنى حديثة للمكان، حيث عثر جنود القوات الخاصة على كميات من الخبز والأطعمة المعلبة ولفافة من «التي شيرت» الجديدة، وفي الخارج كانت هناك سيارة أجرة عتيقة الطراز.

بعد بحث مطول، أوشك الجنود على الانصراف من المكان، غير أن أحدهم ألقى نظرة فاحصة تحت قدميه، فألفى طبقة من التراب السميك، تحتها مثلث من الطوب اللبن، وسرعان ما تم العثور على حبل قصير، وعندما جذبه الجنود، تمكنوا من انتزاع غطاء مموه لحفرة صغيرة.

صرخ الجنود هاتفين بمن يحتمل أن يكون داخل حفرة العنكبوت، لكنهم لم يتلقوا رداً، وجه سرجنت من المجموعة ضوء مصباحه النقال إلى داخل الحفرة، وتأهب لإلقاء قنبلة يدوية صاعقة بداخلها.

عندئذ تجمد الجميع في موضعهم، فقد برزت من الحفرة يدان خاليتان متسختان وبرزت رأس تناهزها اتساخاً يتوجها شعر أشيب مسترسل وتكملها لحية متطاولة.

تحدث الرجل الملتحي بإنجليزية تشوبها لكنة ثقيلة قائلاً: «أنا صدام حسين، رئيس العراق، أريد التفاوض». عثر الجنود في حفرة العنكبوت العتيدة على مسدس وحقيبة أوراق بها وثائق وصفت بأنها «مثيرة للاهتمام».

وفي وقت لاحق من الليلة نفسها تم اعتقال اثنين من الأشخاص الذين يقدمون الدعم والمساعدة لصدام مسلحين ببنادق الكلاشنكوف، ووجدت لديهما أكياس تحتوي على 750 ألف دولار أميركي في صورة أوراق نقد من فئة المئة دولار.

تكفلت طائرة هليوكبتر خاصة تابعة للعمليات الخاصة بنقل صدام إلى مركز الاعتقال التابع للمخابرات العسكرية الأميركية في مطار بغداد حيث أخضع للفحص الطبي وجلسات التحقيق الأولى.

بادرت المخابرات العسكرية الأميركية إلى إحضار أربعة ممن وصفوا بـ «الأسرى ذوي الأهمية الفائقة» لتسهيل التعرف عليه والتأكد من هويته وكان في مقدمتهم طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي السابق.

وشخصية أخرى بارزة في حزب البعث والسكرتير الخاص لصدام، حيث أقروا جميعاً أن الرجل الجالس على سرير حربي في غرفة بلا نوافذ هو حقاً الرئيس العراقي المخلوع.

* قبضنا عليه

بعد رحيل سانشيز وفاست، استدعى بريمر مساعديه للإجابة على السؤال الأكثر أهمية: ماذا بعد؟

ساد الإجماع على أنه لا بد من الانطلاق بهذا الفوز ركضاً إلى الأمام، وهكذا كانت البداية بإيقاظ مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس وإبلاغها بالخبر، وبدورها أيقظت الرئيس بوش لتطلعه على التفاصيل.

وأمضى بريمر ساعات طويلة مع كاتب خطاباته دون هاملتون ومع مستشاره الصحافي دان سينور ومع عدد من الخبراء في الإعلام والرأي العام لوضع مسودة نص الخطاب الذي سيلقيه المبعوث الرئاسي في المؤتمر الصحافي الذي سيعقده لإعلان الخبر، حيث جرى التشديد على ضرورة إقناع الرأي العام العراقي بأنه تم بالفعل إلقاء القبض على صدام حسين.

ويقول بريمر إنه كان عليه استدعاء الإعلام الغربي والعربي لإعلان النبأ بالاستعانة بكل ما هو ممكن من الصور والتفاصيل، وذلك لأسباب عديدة، يلفت نظرنا تشديده على ما يلي منها:

ـ أولاً: أن الشعب العراقي ـ كما يصفه بريمر ـ من أكثر شعوب العالم نزوعاً إلى التآمر، وبالتالي فلا سبيل إلى إقناعه إلا بالدليل المادي بأنه تم إلقاء القبض على صدام بالفعل.

ـ ثانياً: لدى قتل عدي وقصي صدام حسين، تعين على خبراء الإعلام الأميركيين عرض صور رهيبة لجثتيهما للتغلب على الشائعات التي سادت الشارع العراقي وأفادت أنهما أفلتا في الهرب.

في أصيل ذلك اليوم، وفي مركز المؤتمرات بمقر سلطة التحالف المؤقتة اجتمع الإعلاميون والمصورون والمراسلون حتى ضاق بهم المكان.

خطا عدنان الباجه جي إلى منصة الحديث وتبعه بريمر وغير بعيد عنه الجنرال سانشيز. ووقف الرجلان إلى جوار بريمر وهو يلتقط الميكروفون ليقول: «سيداتي سادتي.. قبضنا عليه!».

الكلمتان الأخيرتان اقترحهما اختصاصي بريطاني في شؤون الصحافة هو تشارلز هيثلي، الذي يتحدث العربية بطلاقة، وحظي اقتراحه بحماس حشد من الخبراء الإعلاميين.

كان التأثير فورياً ودراماتيكياً، حيث نهض الإعلاميون العراقيون من مقاعدهم وراحوا يهتفون ويصرخون في جنون وأعقبهم العديد من رجال الإعلام الغربيين.

وتوالت فقرات كلمة بريمر وأعقبته كلمتان لسانشيز ومن ثم الباجه جي، وكان هذا الأخير بالرغم من خبرته الدبلوماسية والسياسية الطويلة يسيطر بالكاد على مشاعره.

* لماذا لم تقاوم؟

في أعقاب المؤتمر الصحافي، انطلق بريمر مع جنرال سانشيز وسكوت كاربنتر وأعضاء مجلس الحكم عدنان الباجه جي، أحمد الجلبي، موفق الربيعي وعادل مهدي للقاء صدام حسين في موقع لم يكشف النقاب عنه في مطار بغداد الدولي.

كانت الشمس توشك على الغروب عندما هبطت طائرات الهليوكبتر التي أقلتهم، وهي من طراز «بلاك هوك» قرب مبنى تحيط به الأسلاك الشائكة، ودلفوا من البوابة التي كان رجال الشرطة الحربية الأميركيون ذوو التسليح الكثيف يحرسونها.

بادر سانشيز إلى سؤال أعضاء مجلس الحكم عما إذا كانت لديهم الرغبة في لقاء صدام مواجهة أم عبر جهاز «المونيتور» الذي يرصد كل بوصة في المكان الذي أودع به الرئيس العراقي المخلوع، فتطلعوا إلى أكبرهم سناً، الباجه جي، ثم إلى عادل المهدي، وأخيراً نطقوا كأنما بصوت واحد مطالبين بلقاء عبر المواجهة.

فتح الباب المعدني السميك، لتصافح العيون غرفة غريبة الشكل، عرضها ثمانية أقدام وطولها ضعف عرضها، ينيرها مصباحان فلورسينتيان قويان مثبتان في السقف.

دلف العراقيون الأربعة إلى الغرفة الضيقة، وبقي الأميركيون في الدهليز. وإلى يمين الباب جلس صدام على الفراش العسكري الوحيد في الغرفة مرتدياً منامة بيضاء ومنتعلاً صندلاً بلاستيكياً رخيصاً، ويشير بريمر إلى أنه لاحظ أن أظافر قدمه كانت متسخة ومتقصفة، كأنما كان يسير في التراب على امتداد أسابيع طويلة.

جلس العراقيون على مقاعد من النوع الذي يطوى فيما عدا موفق الربيعي، الذي استهل بكيل اللعنات على صدام، الذي رد عليه فوراً: «من أنت لتلعنني، أيها الخائن الذي جاء مع الأميركيين؟».

التفت صدام إلى الباجه جي، وقال له: «صديقي دكتور عدنان، لماذا جئت مع هؤلاء الخونة؟ أنت لست منهم، وإنما أنت منا».

حدق صدام في الوجوه الأخرى، وتساءل ساخراً: «من الذي سيعرفني بقادة العراق الجديد العظام هؤلاء؟».

رد عادل المهدي مقاطعا سخرية صدام: «كيف يمكنك تفسير عملية الانفال وحلبجة. لماذا أصدرت الأوامر؟

لوح صدام بيده اليسرى استهانة، وقال: «لقد كانوا خونة وغرباء».

راح أعضاء مجلس الحكام الأربعة يصرخون موجهين الاسئلة الى صدام جنبا إلى جنب مع سيل من الاهانات. وللحظة بدا هذا الأخير مذهولا، فعلى امتداد عقود لم يجرؤ أحد على الكلام معه بهذه الطريقة.

صرخ الربيعي: لماذا لم تواتك الشجاعة للقتال أو على الأقل للموت في غمار محاولة القيام بذلك.

رفض صدام الرد عليه، وبدلا من ذلك التفت الى سانشيز وقال له: لو أنك كنت مكاني، هل كنت ستحاول المقاومة؟ «ثم عاود النظر إلى الربيعي ساخراً، وقال له: «على أي حال ما الذي تعرفه أنت عن القتال؟».

*هل تستطيعون أنتم؟

تساءل عادل المهدي، موجها حديثه إلى صدام: ماذا تقول عن المقابر الجماعية، عن عشرات الألوف الذين أعدمتهم ودفنتهم فيها؟

رد صدام بدوره متسائلا: أعدمتهم؟ هل سأل أي منكم أقاربه من هم هؤلاء المجرمون؟ إنهم لصوص وخونة ومتسللون غرباء؟

تتابعت الأسئلة والإجابات على هذا النحو، وتحدث الباجة جي والأسى يغمر صوته، موجها حديثه إلى صدام، «كيف أمكنك أن تسيء معاملة بلدك على هذا النحو؟

رد صدام: «وضعت مصلحة الشعب دوما نصب عيني، وقد تم انتخابي عبر انتخابات حرة ونزيهة، وحتى اليوم يمكنني الذهاب إلى مسقط رأسي والرقاد هناك بسلام هل تستطيعون أنتم القيام بذلك؟

يعقب بريمر بالقول إن المشهد أعاد إلى ذهنه هتلر في المخبأ العتيد في ابريل 1945، عندما كان يعيش في أرض أحلام من صنع أوهامه، ويصدر أوامره إلى جيوش لم يعد لها وجود بالقضاء على السوفييت الذين انقضوا على برلين.

أنبعث أحمد الجلبي واقفا من مقعده وقد استبد به الغضب الشديد، وخرج من الغرفة، وتبعه الآخرون.

بينما كان موفق الربيعي يمر بفراش صدام، حدق في هذا الأخير بمزيد من الحنق، وقال «صدام حسين، لعنك الله، كيف ستلقى خالقك؟».

يقول بريمر إنه إذا كانت هذه الكلمات المفعمة بالغضب قد تركت أثرا في نفس صدام، فإنه أجاد حقا إخفاء هذا الأثر، لأنه رد على الفور قائلا: «سألقاه بضمير صاف مؤمنا بقضائه وقدره سبحانه».

في الدهليز، دمدم الجلبي بصوت خفيض: «إنه لم يتعلم أي شيء.. لم يتعلم أي شيء». في الطريق إلى طائرات «البلاك هوك» تطلع سكوت الى سانشيز وبريمر، وقال: «لم ينطق أحدنا بكلمة واحدة، فقد كنا نعرف بصورة غريزية أن تلك مسألة عراقية».