كل ما يجري على المسرح السياسي للمنطقة بعد رفع الستار عن فوز حماس المباغت ليس أكثر من مشهد عاطفي قصير الأجل. ثمة عروض طازجة ومثيرة تغلب عليها العقلانية والبراغماتية آتية لا ريب فيها. بعض العروض ذات نسيج مثير ولها أبطال مميزون. لا أحد يتحكم في توقيت العرض أو أوانه.

حماس تغير بعض جلدها لكنها لن تستبدل عظمها. على قدر افتنان الفلسطينيين بأداء حماس تكون وقع الفصول التالية الإسرائيليون يتجردون خلف الكواليس من التصلب. عملية السلام تبقى في الغرف الخلفية فترة ربما تطول، عندما يرفع عنها الستار تبدي شهية للاندفاع. أميركا وحليفاتها تتخلى طوعاً عن إملاء الشروط وتستأنف فتح صنبور المساعدات.

حماس باتت في حاجة ماسة لجمهور الصالة أكثر مما كانت عليه قبل الزلزلة الاستثنائية. إذا كانت فتح لم تحصل على جدار قومي تسند ظهرها إليه فإن حماس تقف على حافة الهاوية وظهرها عار تماماً.

مفصل الإثارة في إنجاز حماس لا يقتصر على الفوز الكاسح وحده بل في المباغتة التي لم تستثن الحركة الفائزة نفسها. حماس خاضت المعركة بطموح لا يتجاوز سقفه التواجد الثقيل داخل البرلمان دون الحلم باستلام السلطة.

الانتخابات أسفرت في مجملها عن استبدال قطب بآخر إذا منحت حماس غالبية مطلقة في البرلمان. تعدد الكتل السياسية بموازين قوى متقاربة يتيح أفقاً أرحب للعمل الديمقراطي. كما في مصر ظهر في فلسطين هزال الأحزاب اليسارية والقومية.

الانضباط الفلسطيني إبان عملية الانتخابات استأثرت باهتمام وتقدير الشرق والغرب. هذا المشهد يؤكد قدرة الفصائل على تحقيق ما لا يخطر على البال حين تجمع أمرها باتفاق طوعي. على النسق نفسه من الممكن اختزال المرحلة الانتقالية بما في ذلك تشكيل الحكومة الجديدة وعملية التسليم والاستلام.

عوضاً عن رد الفعل الثأري الناجم عن النظرة الحزبية الضيقة التي تستهدف دفع حماس إلى هاوية الفشل فإن المصير الفلسطيني يتطلب تشابك الأيادي. الخسائر المترتبة على إخفاق حماس تشكل بالضرورة أعباء ثقالاً على من يتولى زمام السلطة بعدها.

الشعب الفلسطيني لن يتردد في دعم حماس ما استطاع إلى الصمود سبيلاً. مساندة حماس تمثل إصراراً على الخيار الشعبي الذي صنعه الفلسطينيون عبر صناديق الاقتراع. روح التحدي ستشتعل من أجل مقاومة الإملاءات الغربية والإسرائيلية التي تستهدف إجهاض الخيار الفلسطيني.

لا شيء لدى الفلسطينيين يخشون عليه من إصرارهم على الدفاع عن ديمقراطيتهم ونتائجها. الشروط المعلنة في وجه حماس لن تجد من يدافع عنها خارج دائرة أميركا وحلفائها. على النقيض من ذلك ربما تكسب حماساً مساحات جديدة في التضامن معها أو لنقل يكسب الشعب الفلسطيني ذلك التضامن.

* فتح أجهضت الحلم الفلسطيني

قيادات فتح أجهضت فرصة تاريخية عقب توليها زمام إدارة شؤون الفلسطينيين في ظل اتفاقات أوسلو في العام 1993. المأمول وقتذاك أن يبدأ القادة تأسيس مشروع الدولة من حيث كانت الأنظمة العربية.

روح الانتقال من الثورة إلى الدولة كانت متوهجة لدى الجميع. التجربة أثبتت أن القادة أجهضوا الفرصة التاريخية والحلم الفلسطيني. سلطة الحكم الذاتي توغلت في مستنقع الفساد على نحو فاضح. فساد عدد من القيادات بلغ حد الفجور مقارنة مع حال قطاعات شعبية واسعة تتعرض للعقاب الجماعي تحت الاحتلال.

مع استفحال الفساد في أجهزة السلطة كانت موجات السخط الشعبي والرفض تتصاعد وسط الجماهير. رجال الحكم الذاتي لم يرعوا حتى عندما اشتدت وطأة الاحتلال.

الفساد كان الآفة الأولى التي بدأت تنهش «فتح». حال القاعدة الجماهيرية لم يتغير تحت ظل السلطة الوطنية. من الطبيعي أن يعزز هذا الشعور مزيداً من الإحباط. كما في الشأن الداخلي فإن سلطة الحكم الذاتي لم تجسّد السيادة والكرامة التي يُراهن عليها شعب مقاتل مناضل قدم تضحيات غير قابلة للحصر من أجل استرداد حقوقه المشروعة.

قيام سلطة الحكم الذاتي لم تنه جميع أشكال ممارسات الاحتلال بما في ذلك تواجده العسكري. الأكثر سوءاً أن المدن والمجتمعات الفلسطينية تعرضت إلى حملات عسكرية دموية قاسية كما تعرض الشعب بأسره إلى حملات تجويع وترويع في محاولات شرسة للتركيع.

مشهد حصار ياسر عرفات الزعيم والرمز حفر جرحاً عميقاً في ضمير الشعب الفلسطيني. عجز رجال السلطة إزاء إنقاذ الرئيس من ذلك الفخ ضاعف الآلام. المأساة بلغت حد توجيه الاتهامات لعدد من رجال الرئيس بالتورط في تصفيته سياسياً وجسدياً.

ربما كان المأزق أكبر من قدرات سلطة الحكم الذاتي.

الشريك الإسرائيلي المفترض في عملية السلام لم يكن ليسمح لنفسه بقراءة الواقع بعينين اثنتين، إذ كان لا يرى إلا بعينه. استراتيجيته أحادية الجانب فهي عسكرية تنأى بنفسها عمداً عن الأبعاد السياسية. بالمفهوم العسكري استقصدت الإدارة الإسرائيلية تحطيم الطرف الآخر حتى الرمق الأخير غير مدركة للاحتمالات المرتقبة.

الرعاة المشرفون على عملية السلام ليسوا بأفضل حال من الطرف الإسرائيلي. السلطة الفلسطينية تعرضت إلى جميع أشكال الضغوط السياسية الخارجية. تحت انسداد أفق السلام وعبء الاحتلال .

وتدهور الوضع المعيشي واستشراء الفساد وعجز السلطة حتى من ضبط رجال الأمن والتجويع المستهدف وتفشي البطالة ما الذي يبقى من وجه سلطة حاكمة ليس لديها من الخيارات ما يعينها على علاج إحدى هذه القضايا؟ بل أسوأ من ذلك تترقب صنبور المساعدات الخارجية لتسدّ به رمق الحياة اليومية. كل تلك العناصر تضافرت من أجل تشويه صورة «فتح».

التاريخ وحده لا يصلح جسراً للعبور إلى المستقبل. المنظمة التي تشكل الواجهة الفلسطينية نضالاً وإرادة وسلطة فقدت ما يمنحها الهوية السياسية. كأنما كل الأطراف تعاهدت على تدمير «فتح».

* «حماس» تنجح حيث تخفق السلطة

لكن المنظمة نفسها عملت لصالح الآخرين، فبدلاً عن إعادة رصّ الصفوف والاستنفار الجماعي، تعرضت «فتح» للتشقق وتوزيع الولاءات والإرادات. إنه هجوم مضاد من الداخل. حتى عندما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي لم يدرك الحرس القديم والجديد حجم الخطر الذي تواجهه «فتح».

هذه الصورة القاتمة صالحة للمقارنة مع صورة أخرى. حركة حماس ظلت تعبر عن رفض صارم وصلب لجميع تلك الممارسات والمظاهر السلبية. «حماس» لم تكتف بالكلام، بل ترجمت ذلك الرفض بوسائط عملية صارخة.

أبسط تلك الوسائل تتجسد في شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية معوضة بذلك عن قصور السلطة. قادة الحركة تعرضوا للتقتيل بطرق متوحشة. الناجون منهم يمارسون حياة متقشفة صارمة «تحت الأرض». هذا العمل الاجتماعي معزز بعمل مقاوم مثير للجدل على صعيد العالم بأسره.

عندما قصفت طائرة مقاتلة إسرائيلية زعيم الحركة الشيخ أحمد ياسين في كرسيه ذي العجلات قبل سنتين وصف شارون تلك العملية الإجرامية بأنها خطوة كبيرة لتصفية حركة المقاومة الإسلامية. «حماس» قالت إن اغتيال الشيخ «يفتح أبواب جهنم». الطرفان لم يثبتا مصداقيتهما. القصف لم يكسر «حماس» والحركة ارتضت الهدنة.

«حماس» نفذت قرابة 60 عملية انتحارية تجاوز قتلى إسرائيل فيها الـ 400 من جنود الاحتلال والمستوطنين. الفلسطينيون لم يمنحوا «حماس» أغلبية برلمانية من أجل مواصلة تنفيذ العمليات الانتحارية. محمود عباس أبومازن ربح انتخابات الرئاسة السنة الماضية من أجل إنهاء نزيف الدم وإحلال السلام.

الفلسطينيون يرغبون في نظام سياسي وطني خال من الفساد يتمسك بالثوابت الوطنية ويرفض التفريط في الحقوق المشروعة المكتسبة منها والعالقة. الشعب الفلسطيني لا يقرّ بوجود مفاوضات للسلام. تلك عملية دمرها شارون وأدخلها في غيبوبة قبل أن يدخل هو نفسه في غيبوبة.

بما أن فوز «حماس» جاء على نحو مباغت فقد توالت ردود فعل فورية من كل الأطراف. جميع الردود حكمتها المواقف السابقة للانتخابات الفلسطينية فبدت في مجملها تعبيراً مكروراً لتوجهات سابقة.

الانضباط مقابل الغضب الفوري

رد الفعل داخل فتح جاء غاضباً. القاعدة الساخطة عبرت عن خيبتها فيما يشبه الانتفاضة ضد القيادة. ثمة اجماع شعبي على تحميل القيادات مسؤولية الاخفاق. التظاهرات الاحتجاجية طالبت باستقالة الحرس القديم. البعض حمل الشباب المتطلعين للصعود المسؤولية. الانشقاق الذي سبق عملية الاقتراع أربك الحركة بأسرها.

العقلاء ينادون بمؤتمر عاجل لاسترداد الهدوء.

بعد 40 سنة من الهيمنة على الشأن الفلسطيني وقيادة العمل السياسي وجدت فتح نفسها على نحو فجائي خارج بؤرة الحدث. كل ردود الفعل الانفعالية مبررة.

الحكمة في ألا يتجاوز الانفعال حد الاحتمال أو سقفه الزمني. حماس أبدت قدراً من الانضباط حين دعت أنصارها إلى التواضع وعدم الإسراف في التعبير عن الفرح وتفادي الاصطدام مع الآخرين خاصة «الأخوة في فتح».

رد الفعل الإسرائيلي لم يتجاوز التوقعات. رفض الاعتراف أو التعامل مع سلطة تشكلها حماس. المراقبون الإسرائيليون اعتبروا «عملية السلام قد دخلت الثلاجة» بعضهم حرر شهادة وفاة لخارطة الطريق. آخرون توقعوا إزاحة طاولة المفاوضات خارج المسرح.

ثمة ردود فعل خارج إسرائيل تذهب في الطريق نفسه. هناك من منح سلطة الاحتلال حق استئناف الجدار. البعض اعتبر فوز حماس خسارة فادحة في الحرب الأميركية على الإرهاب. عدد آخر رأى بداية مرحلة جديدة يتبادل الفلسطينيون إبانها القصف والتفجيرات المفخخة.

من المؤكد أن يلقي فوز حماس انعكاسات على الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة في 30 مارس. في العام 1996 كان شمعون بيريز قريباً من الفوز غير ان سلسلة عمليات انتحارية قلبت التوقعات وأدت الى فوز نتانياهو. بعد عمليات مشابهة في العام 2000 خرج باراك خاسراً وصعد شارون الى المسرح فائزاً.

ما يقلق إسرائيل حالياً هو فشل أجهزتها الأمنية في تغليب احتمال فوز حماس الذي صار حقيقة. أميركا وحلفاؤها رفعوا كالعادة أسلحة التهديد والوعيد وإملاء الشروط. الحركة تواجه الانحناء والاستجابة أو التشبث بالمواقف المعلنة. في الحالتين تجهض حماس الفوز الذي أربك الجميع.

كالعادة مارس العرب الاختباء خلف الصمت الرسمي إلا قليلاً. باستثناء ترحيب سوري واضح وإلحاح من الجامعة على أميركا وحليفاتها للاعتراف بخيار الشعب الفلسطيني لم يصدر عن العواصم العربية ما يبلور مواقف جلية.

* أعباء الفوز الفجائي

بفوزها الفجائي وجدت حماس نفسها في مأزق لم تعد له العدة والعتاد. للفوز البرلماني الغالب استحقاقات عاجلة. هناك سلسلة من الأسئلة الملحة تتطلب اجابات فورية وعلى نحو قاطع. مما يزيد الضغوط على الحركة ان كل خطواتها تحت رقابة شعبية ورسمية مكثفة على الصعيد الفلسطيني الداخلي والخارجي.

حماس مطالبة باستلام سلطة الحكم الذاتي استناداً للأغلبية البرلمانية. بالإضافة إلى عدم الاستعداد فإن الظروف الموضوعية لهذا الحدث النوعي غير مواتية لصالح الحركة. عملية السلام مدمرة والوضع الاقتصادي الفلسطيني تحت الصفر والأمن في حالة انفلات.

خزانة السلطة تواجه عجزاً مالياً يوازي 96 مليون دولار الشهر السابق، السلطة تعتمد على المساعدات الخارجية، أميركا وأوروبا ودول عربية توازي 350 مليون دولار بالإضافة الى 50 مليون دولار مقابل الجمارك والرسوم من إسرائيل. ثمة تقديرات بـ 600 مليون دولار عجزاً مالياً في موازنة السلطة للعام الحالي.

معظم هذه المبالغ تذهب لرواتب 135 ألف موظف تحت مظلة سلطة الحكم الذاتي بينهم 58 ألفاً من العاملين في أجهزة الأمن. هؤلاء يعولون 30% من العائلات الفلسطينية.

مما يعمق مأزق حماس أنها وجه غير مقبول على الصعيد الدولي. المانحون الأساسيون رفعوا في وجهها جملة من الشروط بعضها يجرد الحركة من المؤهلات التي منحتها الغلبة البرلمانية. قيادات الحركة أطلقوا سلسلة من الإدعاءات والتصريحات الصريحة التي تكشف عن مرونة واستعداد للتجاوب. من الطبيعي ألا تعلن حماس عن قبول يوحي بالانكسار.

في محاولة للتشبث بثوابتها فتحت قيادة حماس الأفق الفلسطيني أمام شراكة سياسية في صيغة إئتلاف أو حكومة للوحدة الوطنية. بما أن قيادة فتح الجريحة تدرك مأزق حماس فقد أعلنت رفضها الدخول طرفاً في حكومة تشكلها الحركة الفائزة. كذلك طرحت حماس خيار إسناد عملية السلام إلى المنظمة الفلسطينية. في الوقت نفسه عرضت الحركة مبادرة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل للاتفاق على هدنة طويلة الأمد.

اذا كانت حماس تدرك أنها حققت انتصاراً استثنائياً وباهراً على الساحة الفلسطينية فإنها تدرك ان الانتصار يظل منقوصاً ومهدداً بالضياع ما لم يتم الاعتراف به على الصعيد الخارجي على نحو يمكنها من تسيير مهامها الحكومية.

من الطبيعي المستوعب ان تدخل الحركة في معركة مع معسكر الخارج الذي يضم إسرائيل وأميركا وحلفاءها الذين فاجأهم فوز حماس الكبير.

للانتصار في هذه المعركة يجب على حماس استيعاب أبعاد المعركة. هي تدرك أن أكثر الأسلحة المستخدمة فعالية يتجسد في المساعدات المالية. عقب الفوز مباشرة واجهت الحركة فاتورة طويلة ومؤلمة واجبة السداد. ضمن القائمة الاعتراف بإسرائيل، إلقاء السلاح وإعلان الاستعداد لمواصلة العملية السلمية.

على حماس إدراك طبيعة المرحلة التي نقلتها اليها نتائج الانتخابات. الآن انتقلت الحركة من المعارضة إلى السلطة لتصبح مطالبة بالتغيير من الثورة الى الدولة. في ظل الظروف الضاغطة يلزم الحركة ان تتحرر قليلاً من أسارها الايديولوجي. قيام الدولة يسبق بالضرورة ويسبغ أي مسحة سياسية أو فكرية عليها.

العمل السياسي من موقع السلطة يختلف عنه في المعارضة. كما قال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة إنها ستتفاعل بواقعية. هذه النظرة تعكس فهم قيادة الحركة للمهمة الملقاة على عاتقها. أكثر من ذلك ستجد حماس نفسها مضطرة للتجريب البراغماتي من أجل الاحتفاظ بالسلطة.

* فتح الأفق المسدود

عرض الشراكة على فتح وخيار حكومة الوحدة الوطنية يعكسان قدراً من الحكمة. ربما تكتشف الحركة انه من الأفضل لها سياسياً التصدي للمهمة منفردة. كيف ما تأتي حصيلة المرحلة الجديدة بالنسبة للشعب الفلسطيني فستتحمل حماس أوزارها في حالة الإخفاق ويتقاسم معها الشركاء عائد النجاح.

لا يوجد فارق شاسع بين خبرات عناصرها القيادية وقيادة فتح عندما استولت على السلطة العقد الماضي. صحيح ان مسؤولي فتح راكموا قدراً من التجربة والعلاقات الخارجية لكنهم لن يكرسو مما يملكون لصالح حماس. من غير المستبعد ان يمارس الشركاء ما من شأنه عرقلة أداء حماس على نحو خفي.

بما ان الحركة ترث جهازاً ادارياً فتحاوياً فمن الأفضل لها ان تتعامل معه منفردة. الشراكة تفتح مجالاً واسعاً أمام اعتبارات أخرى غير قناعات حماس. لو أبقت الحركة على العاملين فيه سيعتبر ذلك انتصاراً للشريك وليس خياراً من الحركة نفسها.

الوفاء بالاستحقاقات المطلوبة من حماس تبدو في مجملها قائمة على الواقع.

في وسع الحركة رفع استحقاقات موازية لبلوغ معادلة براغماتية لا تكسر عظم الحركة. حماس واعداؤها في الخارج اشتبكوا بالفعل في معركة لعض الأصابع. أزمة حماس ان كسب هذه المعركة لا يعتمد على جلدها بل على مدى احتمال الشعب الفلسطيني وخصومها السياسيين في الداخل.

مقابل الاعتراف بإسرائيل يمكن للحركة ان ترفع استحقاق الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. من الواضح ان الرفض الحاسم الصادر في الغرب للتعامل مع حكومة تشكلها حماس بدأ يخبو. أكثر من وزير خارجية قال علناً أنهم سيتمهلون ليروا ماذا يمكن ان تفعل حماس وكيف تتعامل مع شروط ثلاثة هي الاعتراف بإسرائيل وإلقاء السلاح والاستعداد للتفاوض.

حين تقرأ إسرائيل، أميركا وحلفاؤها نتائج الانتخابات على مهل سينتهون حتماً إلى خلاصات مغايرة تعينهم على التنازل عن التصلب الفوري المعلن.

فوز حماس يضطرها إلى تعليق الأحزمة الناسفة ووقف العمليات الانتحارية المفخخة. الإسرائيليون قد يجدون في ذلك ما يعينهم على الطمأنينة المفقودة.

وجود حماس في سدة السلطة يفتح قنوات مع حماس لم يكن اللجوء إليها مبرراً. مثل هذا الحوار قد يذهب إلى «اقناع» الحركة بقطع علاقاتها مع حزب الله وسوريا وإيران.

الفوز الفجائي لحماس يشكل في جانب كبير منه ـ وفق رؤى عديد من المراقبين ـ رد فعل احتجاجياً على السياسات الأميركية الداعمة لإسرائيل. إذا اقتنعت إدارة بوش بهذه القراءة فإنها ستضطر لعدم التمادي في هذا التوجه. مصادرة خيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي سيولد حتماً رد فعل لن يكون أقل من مصادرة حقوقه ان لم يتجاوزه.

التوصل إلى حلول مشتركة مع حماس لا يبدو مستحيلاً. من شأن تبادل مثل هذه القناعات اثراء العملية السلمية في المنطقة. لابد ان عدداً من المسؤولين في الإدارة الأميركية أدرك ان كراهية أميركا في المنطقة تفرز تلقائياً مزيداً من العداء.

فوز حماس يشكل بالتأكيد في أحد جوانبه احتجاجاً على مهادنة سلطة فتح لسياسات أميركا وفي مقدمتها الدعم الأعمى لإسرائيل. فوز حماس لم يكن الأول من نوعه.

تفضيل الإيرانيين للاستاذ الجامعي المغمور أحمدي نجاد على سياسي مخضرم بقامة رافسنجاني جاء ترجمة مماثلة للرد الشعبي الاحتجاجي على سياسات أميركا.

التعامل بين الإسرائيليين والإسلاميين ليس بالمستحيل بل هو ليس بالجديد. قراءات عدة تعزو انتعاش حماس لسياسات أنتجها اسحق رابين وان انقلبت عليه لاحقاً.

هناك من يشبه حماس بـ «ليكود» فلسطيني. في العقلية العربية قناعات بأن أفضل الحلول السلمية يمكن انجازها مع الليكود. لماذا لا يكون ثمة رهان إسرائيلي مماثل؟ مثل هذا الاحتمال يتوقف الى حد بعيد على نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقرر اجراؤها 30 مارس. من المؤكد ان ينعكس فوز حماس على تلك الانتخابات.

مما لاشك فيه ان حماس فتحت بفوزها المباغت مرحلة جديدة في السياسات الغربية تجاه الشرق الأوسط اذ لابد ان تعيد الإدارة الحاكمة في العواصم الأميركية والغربية قراءاتها لمسار توجهاتها السياسية في المنطقة. الاستغراق في الخطابة عن الديمقراطية مع تجاهل آلام الشعوب وتطلعاتها يفضي إلى نتائج عكسية. هكذا تقول الانتخابات في باكستان «إيران» ومصر ثم فلسطين.

متابعة: عمر العمر