تمضي وثائق الخارجية البريطانية في تحليل سياسة حزب البعث العربي الاشتراكي وايديولوجيته والنهج الذي اختاره لتعزيز قبضته على السلطة في العراق ولتحسين علاقاته بدول الجوار العربية وبإيران.

ففي الجزء المتبقي من المذكرة التي عرضنا جانباً منها في الحلقة السابقة، نلاحظ أن السفارة البريطانية في بغداد تسهب في شرح شعارات حزب البعث الرئيسية المتمثلة في الوحدة والحرية والاشتراكية والجهود التي بذلها صدام حسين من أجل التقرب من الدول العربية الأخرى حتى وإن كانت تختلف مع العراق من حيث المبادئ والسياسة.

وتبرز الوثيقة كذلك عناصر التشابه والاختلاف بين حزب البعث العراقي والأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى مفهوم الحزب للديمقراطية الذي يراه واضع التقرير مختلفاً كل الاختلاف عن المفهوم الغربي الذي يعتبر الديمقراطية اختيار الكثرة للقلة في السلطة بينما تعني الديمقراطية بالنسبة للبعث تبرير القلة أفعالها للكثرة.

وتشير الوثيقة كذلك إلى غياب الحرية عن المجتمع العراقي في ظل البعث، حيث تمارس الدولة الرقابة على الصحافة والاعتقالات الفجائية والمحاكمات السرية وإعدام المعارضين السياسيين سواء أكانوا حقيقيين أم متخيلين، هذا بالإضافة إلى عمليات الاغتيال داخل وخارج العراق. وفيما يلي نصر المذكرة:

«سري

حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق تبلغ العضوية الإجمالية في الحزب، بحسب وزير في الحكومة كان يتحدث لصحافي من ألمانيا الغربية مؤخراً، «ما لا يقل عن ربع مليون. وفي أماكن أخرى، ذكر الرقم 400 ألف، والرقم الأخير قد يبدو مبالغاً به، ولكن هناك مؤشرات على أن تجنيد الأعضاء للحزب يشهد اتساعا.

وذلك راجع في جانب منه إلى التأثير الحتمي للانحياز إلى جانب الطرف المسيطر، وإلى التوجه من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى تجنيد الشباب وتعزيز حركة الكشافة ومعسكرات الشباب لخلق جيل متشرب بمثل وايديولوجية الحزب.

(والخطوة الأحدث في هذا الاتجاه والتي أصبحت ممكنة من خلال الثروة العراقية المكتشفة حديثاً، هي القرار بمنح إجازة سنوية مدفوعة الأجر لكل عراقي يدرس في الخارج).

إن الإجراء المتبع في الانضمام للحزب غير معروف بصورة علنية، ولكن الوزير المذكور أعلاه أبلغ ضيفه بأن هناك فترة اختبارية يجب على المرشح خلالها أن يبرهن على قدرته وإخلاصه للقضية.

(لاحظ مجدداً التشابه مع الحركات الدينية والشيوعية) فالأعضاء في السابق كان يتم تنظيمهم بنمط الخلايا المشابه لنمط الحركات الثورية السرية، ولكن قد تكون الهيكلية الآن أكثر انفتاحاً، في ظل وجود تنظيم هرمي يبدأ من فروع على مستوى الدائرة إلى مستوى القيادة القطرية والقومية.

وبسبب عقيدة البعث القومية، فإن المستوى الأخير نظرياً يعتبر المستوى الأعلى ويسيطر على القيادات القطرية العديدة في العراق أو لبنان أو في أي مكان يتم فيه تنظيم فروع منتسبة للحزب العراقي.

ولكن من الناحية العملية، فإن القيادة القطرية العراقية المؤلفة من 13 شخصاً هي التي تتحمل النفقات وتفرض معظم مواقف القيادة القومية، المؤلفة في معظمها من أشخاص منفيين، يقودهم «الزعيم المؤسس» ميشيل عفلق (الذي يقيم معظم وقته في بيروت) بصفته الأمين العام مع شبلي العيسمي كمساعد له.

إن مبرر وجود القيادة القومية هو تصدير الثورة، فكل عضو بلا شك يركز على البلد الذي نفي منه. ومن جهة أخرى، فإن القيادة القطرية تواجه المشكلات الواقعية للحكم، والتي تعني بأن عليها، من بين أشياء أخرى، أن تتصالح مع الطوائف المختلفة في المجتمع العراقي ومع جيران العراق من العرب والإيرانيين.

وبالتالي، فإنها تميل نحو قدر أكبر من الواقعية والمرونة من القيادة القومية مع أن مثل هذه الصراعات يتم إخفاؤها بعناية عن أعين الأشخاص الذين تعوزهم الخبرة ومع ذلك.

وانطلاقاً من الإدراك لمخاطر التراخي، فإنه يتعين الحفاظ على طهارة الحزب من المكائد الامبريالية (خطاب صدام في 8 يونيو 1975 أمام اللجنة الكاملة للجبهة القومية الوطنية التقدمية)، وهكذا، سيكون هناك حملات دورية ضد التراخي.

* الايديولوجية

يميل النقاد في العراق، وبخاصة في أوساط رجال الأعمال الوافدين، إلى رفض ايديولوجية حزب البعث باعتبارها نظرية سياسية تناسب المدارس الإعدادية (العديد من قادته الحاليين بدأوا مسيرتهم السياسية أثناء عملهم كمدرسين في المدارس الإعدادية)، ولكن هذا يعتبر رفضاً سطحياً.

فحزب البعث العربي الاشتراكي يستحق الاحترام لكل من ماضيه باعتباره الحزب القومي العربي الأول الذي لديه ايديولوجية مميزة، وفي الوقت الحاضر، لتمسكه بالسلطة في العراق لفترة أطول من أي مجموعة أخرى منذ عام 1958، ومن مؤتمرات الحزب العديدة، سواء القومية (التي عقد منها 10) والقطرية، ظهر كم كبير من النصوص السياسية.

وبشكل خاص، فإن التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن في العراق، الذي عقد في يناير 1974، يتمتع الآن بمكانة القانون في العراق ويتم الاقتباس منه بصورة متكررة في خطب الحزب ومقالاته، فجريدة الحزب تنشر نصوصاً يومية من التقرير. ومن الملائم التمعن في الايديولوجية من خلال الأجزاء الثلاثة من شعار الحزب وهي «الوحدة والحرية والاشتراكية».

* الوحدة

إن الوحدة العربية بشكلها الحديث تعود إلى نهاية القرن الماضي وإلى النوادي التي كانت سائدة في أوائل القرن التاسع عشر والتي كان للعراقيين فيها حضور بارز.

وفي النسخة البعثية، هناك توق بعيد لأمجاد الماضي العربي العظيم، ويعتقد الحزب، بكلمات افتتاحية حديثة لإحدى الصحف، بأن «الوحدة هي الهدف الأسمى للأمة العربية، وهي تمهد الطريق لتقدم العرب ورخائهم».

وبحكم التعريف، وبحسب الدستور الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي لعام 1947، فإن الوطن العربي يعتبر «وحدة سياسية، اقتصادية وثقافية واحدة لا تتجزأ»، وإعادة دمج تلك الوحدة هو الهدف بعيد المدى للحزب وهذه النقطة واضحة في شعار البعث الذي أشرنا إليه، «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة».

والدور السياسي على المستوى القطري يهدف إلى تقديم «تجربة ناضجة، متكاملة وثورية تحت قيادة حزب ثوري شعبي سيكون النموذج ومنصة الانطلاق لحركة ثورية قومية».

ففي تاريخ الحزب، كان هناك خلافات في الرأي حول كيفية تحقيق الوحدة. وفي تجربة عام 1963، طغت الوحدة على الاشتراكية في برنامج النظام (وبحسب المؤرخ العراقي ماجد خضوري، فإن ميشيل عفلق أصدر تعليمات في ذلك العام بأن لا تنفذ الاشتراكية إلى أن يتم تحقيق الوحدة العربية).

في أكتوبر 1963، أصدر المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي قراراً يصادق على مبدأ الاتحاد الفيدرالي الكامل بين العراق وسوريا. (كانت مصر قد انسحبت سابقاً من خطط لإقامة اتحاد ثلاثي)، ولكن السوريين لم يحركوا ساكناً وأنهى سقوط النظام العراقي في الشهر التالي تلك المحاولة، على الأقل تحت سيطرة البعث.

والانفصال اللاحق داخل حزب البعث بين الفصيلين السوري والعراقي استبعد أي تعاون إضافي.كان الدافع لقرار أكتوبر 1963 بلا شك هو رغبة في استغلال طاقات وحماسة الآخرين من خارج الحزب الذين كانوا يعملون من أجل الوحدة العربية.

ولكن من دون القاعدة الايديولوجية نفسها، وأبرز هؤلاء كان الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذي انتقدت طريقته في تحقيق الوحدة من قبل شبلي العيسمي باعتبارها استبدادية وغير ديمقراطية، وفي العراق، كان أحد أقوى المعجبين بناصر هو عبدالسلام عارف الذي كان مسؤولاً عن إسقاط البعث من السلطة في نوفمبر 1963.

ولابد ان فشلهم في عام 1963 قد دفع البعث في العراق إلى مراجعة سياسة التعاون بين هؤلاء الحلفاء، ومنذ عودتهم إلى السلطة في يوليو 1968، ابتعدوا عن المحاولات العديدة للاتحاد من قبل مصر، سوريا، السودان، ليبيا وتونس بتركيباتها المتعددة.

وأبقوا أنفسهم حتى وقت قريب بعيداً عن التيار الرئيسي للسياسة العربية، والأساس المنطقي لهذا النهج ورد من خلال التقرير الذي قدم لمؤتمر الحزب القطري الثامن في 1974 .

والذي حذر من المبالغة في الجانب «القومي» من سياسة البعث على حساب الجانب «القطري» لأن «وضع القومي فوق القطري قد يقود إلى تصرف طائش وصبياني (كما حدث في عام 1963 ومرة أخرى في 1970 عندما أراد القادة «القوميون» لحزب البعث العربي الاشتراكي إرسال قوات إلى الأردن خلال أحداث «أيلول الأسود».

وهذا النهج الأكثر براغماتية كان بلا شك هو المسؤول عن القرار العراقي بالمشاركة في مؤتمري القمة في الرباط والجزائر، واليوم، فان الحكومة العراقية الخاضعة للسيطرة المفترضة من صدام حسين، تبذل بوضوح جهوداً حازمة من أجل العودة إلى الحضن العربي ولإقامة علاقات طبيعية مع الأنظمة المختلفة عنها مثل السعودية، والتحركات نحو الوحدة تتم على المستوى العملي المنخفض كما جرى في الاتفاقية المبرمة أخيراً للتعاون الصناعي مع مصر.

الوحدة تظل الحلم، ولكن التعاون العملي هو السياسة المباشرة، كما أوضحت صحيفة الجمهورية بمناسبة الزيارة التي قام بها إلى بغداد في مايو 1975 الرئيس السادات.

«العراق يمد جسور التعاون، بصرف النظر عن الاختلاف في المواقف والآراء السياسية، ويقوم بتعزيز العلاقات الاقتصادية، الثقافية، والإنسانية التي تعتبر الأسس الحقيقية للوحدة العربية».

وصدام حسين نفسه أكد على هذا النهج في خطابه الذي نقلته الصحف في بغداد في 29 مايو 1975، وقال فيه ان هناك طرقاً عديدة لتحقيق الوحدة، والمهم هو ان يكون العمل فاعلاً، وليس قائماً فقط على العاطفة.

* غياب الحرية

بالنسبة للمراقبين الاجتماعيين ـ الديمقراطيين الغربيين، لا يبدو هناك الكثير من الحرية في العراق ـ رقابة على الصحافة، اعتقالات مفاجئة، محاكمات سرية، إعدامات للمعارضين السياسيين، حقيقيين أو متخيلين وممارسة عرف الاغتيالات داخل وخارج العراق، كل هذه تضاف إلى الحرمان من الحرية. الجانب الأكبر من هذه الممارسات لا يمكن تبريره وفق أي مقياس.

ولكن يجب ان نتذكر ان هذه الممارسة لحزب البعث العربي الاشتراكي هي تركة من ماضيه السرّي وخوفه من الخصوم (بخاصة في ضوء عمليات التطهير التي تلت سقوط البعث من السلطة في نوفمبر 1963).

وللعرف السياسي العراقي الحافل بالانقلابات والتآمر والذي يعود إلى سنوات الثلاثينات على الأقل، إن لم يكن إلى عهد الخلفاء الأمويين.

ـ يجب الأخذ بعين الاعتبار أيضاً فكرة حزب البعث عن الديمقراطية، فقد انتقد المؤتمر القطري الثامن للحزب نظام البعث في 1963 لعجزه عن تخليص نفسه من «العلاقات الديكتاتورية» وشدّد على الحاجة «لديمقراطية شعبية».

الفلسفة السياسية الغربية تفهم الديمقراطية على أنها تعني قيام الأكثرية باختيار الأقلية، أما في فلسفة البعث فإنها تعني قيام الأقلية (مجلس قيادة الثورة الحاكم الذي يتخذ كل القرارات يتألف من 6 أشخاص فقط) بتبرير أفعالها للأكثرية، وبالتالي، فان شرعية النظام تقوم على «صحة» سياساته ونجاحها.

* الاشتراكية

الاشتراكية، مثل الوحدة، يعتقد من جانب الحزب البعثي بأنها «ضرورية للتحرير، الوحدة وانبعاث الأمة العربية»، وفي الواقع ان المحتوى الاشتراكي الثوري للبعث هو الذي جعل العراق يبدو خطيراً بالنسبة للأنظمة المجاورة له، وكما أشرنا سابقاً، فان هناك اختلافاً في المصالح بين القيادتين القومية والقطرية والأخيرة التي تعتبر أكثر قوة يبدو أنها تتبنى موقفاً وسطاً.

وكان يفترض أصلاً، ان يتم تحقيق الاشتراكية من دون الاهتمام بالطبقات، ولكن المؤتمر القومي لحزب البعث الذي عقد في 1963 اعترف بالحاجة إلى الصراع الطبقي من أجل تحطيم الاستغلال.

ومنذ ذلك الوقت، زعم الحزب بأنه يمثل «الجماهير الكادحة»، وكانت الاشتراكية بالفعل الهدف المعلن لكل نظام تعاقب على السلطة في العراق منذ ثورة 1958، ولكن حتى عام 1968، لم تكن الاشتراكية قائمة على فلسفة متماسكة وجرى إدخالها بالتدريج.

ومنذ ثورة 17 يوليو 1968، زعم الحزب، مع بعض التبرير، بأنه قد تم إحراز تقدم كبير نحو إقامة دولة اشتراكية بالمفهوم الذي يقول بأن يكون المزيد ثم المزيد من وسائل الإنتاج مملوكاً من قبل الدولة، وان يتم بشكل متزايد تقديم الضروريات مثل التعليم، الرعاية الطبية، المسكن من قبلها.

وعددت مقالة صحافية نشرت أخيراً، الإنجازات التي تحققت: لقد تمت إزالة الاحتكار الأجنبي للثروة النفطية للأمة (مع ان شركة بترول البصرة لم يتم تأميمها حتى الآن بنسبة 155%)، القطاع العام هو المسيطر في الفروع الأهم من الاقتصاد الوطني، وتم تطبيق إصلاح زراعي صارم (مع أنه لا يزال غير مكتمل).

ولكن حتى الآن، فإن المرحلة التي تم التوصل إليها ما هي إلا مرحلة في «رأسمالية الدولة»، التي تعتبر تشويهاً للاشتراكية لأنها «تزيف العلاقات الديمقراطية في الإنتاج، وتجمد دور الطبقة العاملة وتقتل حيويتها». (تقرير المؤتمر القطري الثامن ـ يونيو 1974).

والفترة المتعلقة بالخطة الخمسية التالية 1976 ـ 1980، يجب أن تشهد الانتقال إلى «الاشتراكية التامة». وهذا المفهوم للاشتراكية التامة لم يحدد بالتفصيل مع أن التقرير نفسه وفي الصفحة 249 يعلن أن «جوهر الاشتراكية يتمثل في القضاء على الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الرفاهية في شتى المجالات ضمن الإطار الخاص بالموارد المتاحة والمصالح الوطنية. وتعتبر زيادة الإنتاج أساس تحقيق الاشتراكية.

وبالتالي، من الضروري أن يكون التحول الاشتراكي متصلاً بشكل مباشر بزيادة الإنتاج وتحقيق دولة الرفاه». إن الطريقة الاشتراكية يجب أن تثبت صحتها، وهذا يتطلب، نمواً كبيراً في جميع مناحي الحياة، وتطور جميع وسائل الراحة الحديثة ورفع مستوى المعيشة (الفقرة 153).

إنه مفهوم أبوي في إدارة شؤون البلاد مع أنه محمل بإشارات إلى «تحولات ديمقراطية اشتراكية تكميلية» فإذا كانت الطبقة العاملة غير واعية بدرجة كافية، فإن من مسؤولية الحزب رفع مستوياتهم الثقافية والفنية والتنظيمية والسياسية، أما عملياً، فهناك قدر قليل من المساواة، والامتياز والثروة يتم الاحتفاظ بهما لصالح نخبة البعث، واللذان يتم الوصول إليهما من خلال الاختيار الذاتي.

* البعث والشيوعية

ـ ما مدى قرب البعث من الشيوعية؟ بحسب الوصف أعلاه، فإن الخصائص الرئيسية للشيوعية تعتبر حاضرة، بما في ذلك ديكتاتورية البروليتاريا، مع حلول الوحدة العربية محل التضامن الدولي للعمال.

وكما أشار سفير صاحبة الجلالة في دمشق في مذكرته، التي أشرنا لها سابقاً، فإن «البعث يعتبر عملياً جرعة كبيرة من الماركسية يمكن لقومي عربي أن يستوعبها».

إذن هل الاثنتان متطابقتان؟ وهل مصالحهما واحدة؟ بالتأكيد حزب البعث العراقي يعتبر نفسه جزءاً من الثورة العالمية. وكما يوضح تقرير المؤتمر القطري الثامن (الصفحة 220)، فإن:

«الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية هي الأقرب لنا، على الرغم من الخلافات في الرأي في العديد من القضايا، في المبادئ والأهداف والمصالح، وبالتالي فإن ثورتنا يجب أن تتقارب مع ثورة الاتحاد السوفييتي، القوة الأكبر في الثورة العالمية، حيث إننا نشكل جميعاً جزءاً من الكل نفسه».

ولكن التقرير نفسه يسبق هذه الفقرة بالعبارات التالية: «بشرط أن نحافظ على الاستقلال والإرادة الحرة لثورتنا العربية إلى جانب خصائصها المميزة».

قد يكون هذا هو المفتاح الرئيسي فحزب البعث يقاسم الجزء الأكبر من العقيدة الشيوعية ولغتها وتبنى أجهزة الدولة والحزب في الدولة الشيوعية (يقال بوجود خبراء من ألمانيا الشرقية لتقديم النصيحة، وبوجود صلات وثيقة بين البعث العراقي والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي.

كما هو الحال في البرنامج الخاص بعلاقات الحزب للعام 1975 ـ 1976 الذي اتفق عليه في موسكو في الأول من يونيو 1975، ونشر في صحيفة البرافدا)، ولكن على غرار تيتو في ظروف مشابهة، فإن القادة العراقيين غير مستعدين لتملق الدور القيادي للحزب الشيوعي السوفييتي.

بل على العكس، انتزعوا من الروس الاعتراف بالدور القيادي لحزب البعث في العراق. (في ظل ادعاء حزبي البعث في العراق وسوريا بلعب ذلك الدور في العالم العربي، فإن أمام الروس طريقاً صعباً يتعين عليهم سلوكه).

وعلى الرغم من تأكيدهم للعلاقات الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي، إلا أن القادة العراقيين أعلنوا سراً عداءهم للشيوعية وتم تنظيف الجيش من الشيوعيين وإرسالهم إلى أعواد المشانق.

وهناك شائعات تقول إنه وبعد حل المشكلة الكردية، فإن نظام البعث سيضع نفسه إلى جوار الشيوعيين إلى درجة أن صدام حسين في خطابه أمام الجبهة القومية الوطنية التقدمية في 8 يونيو 1975 ظن على ما يبدو أن من الضروري إعادة التأكيد لحلفائه على أن الثورة لا تزال بحاجة إلى دعمهم المشترك.

* الخلاصة

ـ في مجال يعتبر الكثير من الأمور فيه تنبؤية، فإن أي خلاصة تميل إلى أن تكون غير نهائية. ومع ذلك، فإنه يبدو من الواضح أن:

ـ حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب ماركسي، منظم بصورة قريبة جداً من الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية.

ـ يمكن تمييزه عن الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية بشكل أساسي، إن لم يكن حصرياً، من خلال إصراره على المساهمة الفريدة للأمة العربية ومصيرها. إن سمة الحزب المتعلقة بالاشتراكية القومية تجعله حذراً من الاتحاد السوفييتي بصورة تشبه كثيراً ابتعاد يوغوسلافيا عنه.

ـ إن ممارسة السلطة قد خففت من تطرف البعثيين العراقيين. ففي مواجهة مشكلات الحكم، تبنوا قدراً أكبر من البراغماتية التي يبررونها على أساس أنه وفي حين يتعين المحافظة على الهدف، فإن التقدم يمكن تحقيقه على أفضل وجه من خلال الخطوات العملية.

ـ ومن خلال تطبيق هذا الأمر على العلاقات العربية القومية والعلاقات الدولية، فإنهم مستعدون الآن للتعايش السلمي مع دول أخرى يختلفون عنها في الفلسفة السياسية. وهذا قد يقود إلى صراع بين القيادتين القطرية والقومية.

ـ وعلى الصعيد الداخلي أيضاً، من المتوقع أن يكون هناك بعض التلطيف في الفلسفة، مع أنه سيكون هناك محاولات من حين لآخر للحفاظ على النقاء.

ـ وبناء على هذه البنود، سيكون بالإمكان الحفاظ على علاقات معقولة مع العراق على المستوى الحكومي، وربما علاقات دافئة على المستوى الشخصي، لكي يكون بالإمكان بناء علاقات تجارية قيمة ومزدهرة.