ساد الفتور العلاقات الأردنية ـ الفلسطينية منذ أن ألغى المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته التي عقدت في العاشر من ابريل عام 1987، اتفاق عمان الشهير.
وكان اتفاق عمان، الذي وقعه الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، ينظم بشكل مشترك التحرك السياسي دولياً وإقليمياً لإيجاد حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، قائم على أسس قرارات الشرعية الدولية (قراري مجلس الأمن 242 و338) والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتحول الفتور تدريجياً إلى جمود يكاد يشبه القطيعة.
وفي العام 1989، أي بعد إطلاق مبادرة السلام الفلسطينية في ديسمبر من العام 1988 ، انشدّ المجتمع الدولي للمبادرة التي لم تكن مسبوقة في التاريخ السياسي الفلسطيني واهتمت مصر (وهي أكبر دولة عربية ـ والدول التي وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل)، بالمبادرة وراحت تحشد القوى العربية والإقليمية والدولية لتأييدها وإعطائها زخماً.
في محاولة لشق طريق نحو سلام فلسطيني ـ إسرائيلي. وفي هذا الإطار رأت مصر أنه من الضروري ألاّ يبقى الجمود مسيطراً على العلاقات الأردنية الفلسطينية وأن يتحول هذا الجمود إلى حركة، وإن تدريجية، تعطي زخماً إضافياً لمبادرة السلام الفلسطينية.
عندما ألغى المجلس الوطني الفلسطيني اتفاق عمان، غضب الملك حسين، عاهل الأردن، وانعكس غضبه على المؤسسات الأردنية، وأغلقت جميع القنوات المباشرة بين الأردن و«م.ت.ف».
وراحت مصر تحث الرئيس ياسر عرفات وقيادة «م.ت.ف» على إعادة بناء الجسور مع الأردن لكنها أيقنت، بعد وقت، أن كل الأبواب مغلقة، وأن على مصر أن تبادر إلى حركة سياسية ما، لتتحول إلى بداية إعادة بناء الجسور بين الأردن و«م.ت.ف».
ففي شهر يوليو عام 1989 أصرت عائلتي على الذهاب إلى شاطئ البحر المتوسط، قرب الاسكندرية في مصر.
بعد أربعة أيام من الاسترخاء على الرمال وسماع أغاني الطرب العربي، كنت أجلس على شرفة الفيلا أشرب القهوة، عندما وصلت للبوابة الخارجية للمنزل سيارة شرطة مصرية.
هبط منها ضابط مهذب، وسأل: الأستاذ بسام أبو شريف؟
فقلت له: نعم، تفضل.
شكرني، وقال إنه على عجلة من أمره، لأن لديه عملاً يؤديه.
وأبلغني أنه جاء ليبلغني رسالة.. فاقتربت منه.
«الرئيس عازمك على الفطار غداً صباحاً. الساعة السابعة والنصف- صباحاً، في مقره ببرج العرب». كانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها مقر الرئاسة المصرية الصيفي في برج العرب. ورحت أراقب المكان فيما تتحرك السيارة ببطء نحو هدفها.
خالجني شعور بأنني أدخل معسكراً للجيش، نظيفاً وأنيقاً، الشجر والورد في كل مكان، والشوارع مغسولة والأرصفة لامعة الطلاء. وبين شارع داخلي وآخر تقف مجموعة من الحرس الجمهوري أو الانضباط العسكري بلباسها الجميل.
أوقف الضابط السيارة أمام مبنى بسيط وقديم، ودعاني للنزول.
الباب قديم لكنه نظيف وقد طلي حديثاً. وما أن اقتربت منه، حتى فتح فجأة وأطل منه الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس حسني مبارك للشؤون السياسية.
«أهلاً أهلاً بسام» قالها بصوته المميز، عالي النبرة. عانقته وتوجهنا سوياً نحو حديقة جميلة، رتبت على طرفها طاولة خشبية قديمة أحاطت بها كراس من قش كتلك التي كنا نستخدمها ونحن أطفال.
لحظات قليلة مضت قبل أن تفتح الأبواب ليخرج منها عدد من ضباط الأمن وبعدهم الرئيس حسني مبارك.
صافحني مرحباً وجلس على كرسي القش الصغير.
تحدثنا حول الأوضاع السياسية وحول الرؤية المستقبلية.وخلص الرئيس مبارك إلى الموضوع الذي دعاني من أجله:
«عايزك تروح لتونس وتبلغ الرئيس ياسر عرفات الرسالة التالية»:
«المحتاجة غناجة».
فقلت له: عفواً لم أفهم ما تقصد؟
فقال: الرئيس عرفات يعرف ماذا أقصد. هذا مثل مصري. وهو خبير في الأمثال المصرية. قل له: «المحتاجة غناجة».
فقلت له: سأتوجه لتونس وأبلغه ذلك.
غادرت في اليوم التالي القاهرة إلى تونس وتوجهت فوراً لمقر الرئيس عرفات الذي كان غارقاً في العمل كالعادة. ونقلت له رسالة الرئيس مبارك.
فوضع قلمه جنباً، ونظر إليّ قائلاً: «هو قال لك كده؟» فهززت رأسي تأكيداً. فكر الرئيس قليلاً، وهو ينظر بعيداً. ثم نادى الكابتن عدنان وأصدر له التعليمات بترتيب سفره لمصر. وأجريت اتصالات رسمية لترتيب موعد زيارة الرئيس عرفات للقاهرة.
كان هذا رد الفعل الأول على الرسالة التي نقلتها من الرئيس حسني مبارك للرئيس ياسر عرفات.
وتم الأمر.
لقاء عرفات ـ حسين
مع بداية شهر رمضان المبارك هبطت طائرة للرئيس عرفات في مطار القاهرة. وتوجه الركب فوراً لمقر الرئيس ياسر عرفات المعروف «قصر الأندلس». في شهر رمضان تتبدل مواعيد اللقاءات لتنسجم مع تقاليد الشهر المبارك.
استقبل الرئيس حسني مبارك الرئيس عرفات ليلاً وتناول البحث الجهود السياسية المبذولة لفتح الطريق أمام حل سياسي في المنطقة يستند إلى قرارات الشرعية الدولية وركز الرئيس مبارك على ضرورة حشد القوى العربية لمساندة منظمة التحرير الفلسطينية في سعيها لفتح طريق المفاوضات لإنهاء الاحتلال.
وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل (حل الدولتين) ثم انتقل مباشرة إلى النقطة الجوهرية التي أراد أن يقنع الرئيس عرفات بها، وهي رأب الصدع في العلاقة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وطلب منه بذل الجهد في هذا الاتجاه وأن يعانق الملك حسين ويفتح صفحة جديدة معه، خدمة للمصالح العربية العليا وخدمة للمصلحة الفلسطينية العليا ..
وأضاف :أنتم بحاجة لدعم كل الدول العربية، لذلك عليكم القيام بالجهد اللازم وألا تنتظروا الآخرين ليقوموا بذلك، من هنا جاء المثل الذي حملته من الرئيس مبارك للرئيس عرفات، المحتاجة غناجة أي أن (الذي يحتاج للعلاقة عليه أن يبذل الجهد لإقامتها، أو إصلاحها).
تقبل الرئيس عرفات رأي الرئيس مبارك بإيجابية فانتقل الرئيس مبارك للشروع العملي، فأجرى اتصالاً بالملك حسين، واقترح عليه أن يستقبل الرئيس ياسر عرفات لإجراء مباحثات صريحة ومباشرة حول الرؤية السياسية، والتحرك السياسي اللازم لشق طريق السلام عبر المفاوضات وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية .
فرحب الملك حسين بذلك
وصلنا مطار عمان في الثالثة فجراً
وكان الملك حسين على رأس المستقبلين، رغم أن الزيارة كانت زيارة عمل ولم يكن مضطراً لاستقبال الرئيس ياسر عرفات على أرض المطار ولكنه أراد أن يعبر عن مدى اهتمامه وترحيبه بزيارة الرئيس عرفات الدكتور أسامة الباز طار معنا إلى عمان، وكذلك سفير فلسطين لدى القاهرة سعيد كمال كان الملك حسين ظاهر السرور، ولباسه كان غير رسمي، مما أضفى جواً من الصداقة والشعور العائلي منذ اللحظة الأولى .
ودعا الرئيس عرفات للصعود إلى سيارته في المقعد المجاور لمقعد السائق، وتحرك سريعاً نحو مقعد القيادة، وانطلق نحو قصر بسمان وتبعناهم نحن ضمن الموكب غير الرسمي بدت المسافة قصيرة جداً فالشوارع كانت خاليه تماماً، في الثالثة والنصف، دخلنا القصر الملكي دعينا فوراً لمائدة الطعام كان الطعام بسيطاً .
ويناسب شهر الصيام لكن الدعوة للمائدة لم تكن للأكل فقط، بل أساساً للحوار فيما يتناول المدعوون طعام السحور الملكي دار حديث هادئ ومسؤول حول ما يمكن عمله في ظل الظروف الراهنة وفي ظل موقف الحكومة الإسرائيلية المتعنت والمناور بشأن مفاوضات السلام في الشرق الأوسط .
ولا شك أن الكلام لم يعبر صراحة عما يجول في خاطر كل طرف فقد كان دبلوماسياً ونبرة الشعور بالمسؤولية والحرص كانت عالية جداً وأدلى أسامة الباز، أكثر من مرة، بدلوه مستهدفاً تركيز النقاش حول اقتراحات محددة لكن الكلام بقي عاماً وعائماً
كان الملك حسين دمثاً ومنشرحاً .
وكذلك كان الرئيس ياسر عرفات لكن توتراً غير معلن كان يطل على المائدة طوال الوقت ويبدو أن الملك حسين شعر بذلك فعمل على توسيع دائرة المتحدثين إذ التفت فجأة وسأل سعيد كمال عن رأيه ورغم أن سعيد فوجئ بالسؤال إلا أنه أجاب بلغة دبلوماسية لم يخف على أحداً تشابهها مع لغة أسامة الباز الدبلوماسية .
والتفت الملك مبتسماً لي وقال لنسمع رأي الأخ بسام أجبته مؤيداً رأي الرئيس عرفات مبلور مشكلة كبيرة علينا جميعاً أن نواجهها، وهي قوى الضغط في الولايات المتحدة واختتمت بالقول في نهاية الأمر القرار سيكون أميركياً استحسن الملك حسين والرئيس عرفات الأفكار الأخيرة مما شجعني أن أقترح تعاوناً مشتركاً وجاداً في هذا الميدان، وأن ننشئ مؤسسة مشتركة للتعامل مع الأمر عبر شبكة علاقات عامة منظمة مع قوى الضغط في واشنطن.
انتهى اللقاء دون نتائج ملموسة أو قرارات، لكن النتيجة الكبيرة كانت كسر الجليد الذي تراكم على العلاقات الفلسطينية الأردنية، وفتح باب جديد لاستمرار الحوار وربما التعاون.
اللقاء مع الخميني
قبل سقوط الشاه في إيران كانت التنظيمات المناهضة للشاه تنشط داخل إيران وخارجها.
ومنذ أواخر الستينات بدأت هذه المنظمات والفصائل الإيرانية اتصالاتها بفصائل الثورة الفلسطينية التي منحتها الدعم والحماية.
وراح عدد كبير من المجاهدين الإيرانيين يتوافدون على معسكرات التدريب الفلسطينية.
لكن أغلبية المتدفقين من المجاهدين الإيرانيين المناهضين للشاه توجهت لمعسكرات فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهكذا نمت على مدى السنوات علاقات وثيقة بين الفصائل الفلسطينية المقاتلة والفصائل الإيرانية المناهضة للشاه.
وبرزت من بين هذه الفصائل في منتصف السبعينات الحركة الدينية التي قادها آية الله الخميني من منفاه الطوعي بباريس.
وأصبح واضحاً أن حركة الخميني هي حركة منظمة يلتف حولها ملايين الإيرانيين وتسارعت وتيرة الاتصالات بين قيادات فلسطينية وآية الله الخميني، سواء كان ذلك في باريس حيث مقر الخميني أو في بيروت التي كان يزورها رجال الخميني تباعاً للتشاور والبحث.
من جانب الرئيس ياسر عرفات، كان أبو حسن سلامة هو المكلف بمتابعة الحركة الإيرانية وتلبية طلباتها ومد يد المساعدة لها ومن جانب الجبهة الشعبية كان الدكتور وديع حداد القيادي الذي يتابع العلاقات مع الحركة الإيرانية ويفتح أمامها كل آفاق الدعم الممكن.
وكان آية الله الخميني يعتز بهذه العلاقة. ورغم لزومه الصمت أمام رجال الإعلام بباريس إلا أنه منح في العام 1978 مقابلة مطولة لمجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتحدث فيها عن استراتيجيته لتغيير النظام في إيران وتأسيس نظام إسلامي يحكم بالعدل ويمنع الظلم ويرعى الفقراء ويطور إيران عبر مداخيلها الضخمة التي كانت تنهب من قبل الشاه وحاشيته الفاسدة.
لم يحدد الخميني موعداً لقلب نظام الشاه في إيران لكنه بدا واضحاً أن الأمر بات وشيكاً. بعد عام من تلك المقابلة التي تحدث من خلالها للشعب الفلسطيني وفي 11 نوفمبر من العام 1979 توجه الخميني إلى طهران حيث استقبله ملايين الإيرانيين وحمل على أكفهم نحو مدرسة كبيرة، كان أتباعه قد أعدوها له لتكون مقراً مؤقتاً.
وفي بيروت، ما أن وصل الخبر إلى مسامع الرئيس ياسر عرفات حتى أصدر أمره باستئجار طائرة ليتوجه على متنها إلى طهران.
لكن شركة «الميدل إيست» اللبنانية لم يكن لديها آنذاك طائرة واحدة غير مشغولة على خط من خطوط الطيران فأصدر أوامره للإعداد للتوجه إلى دمشق على وجه السرعة.
وبالفعل توجه موكبه الضخم لأن عدداً كبيراً من القيادات والكوادر رافقه إلى دمشق. غادر بيروت عبر البقاع إلى سوريا وفي دمشق أجريت اتصالات على عجل وتمكن مكتبه من استئجار طائرة.
حاولت الطائرة أن تأخذ إذناً بالتحليق فوق إيران والهبوط في طهران إلّا أن طهران كما يبدو كانت قد أغلقت مجالها الجوي وأوقفت اتصال برج المراقبة بالطائرات بعد هبوط طائرة الخميني لذلك تعذر بشكل مطلق أخذ الإذن بالتحليق والهبوط في طهران.
محاولات الاتصال دامت عدة ساعات، كان خلالها الرئيس ياسر عرفات ينتظر في مكتبه بدمشق نتائج تلك الاتصالات (مكتب كان يطلق عليه رقم 23)، كان يهز ساقه كعادته، عندما يستغرق في التفكير أو يكون على وشك الإقدام على خطوة هامة أو على مجازفة خطرة.
وعندما أبلغه الأخوة الذين كلفوا بمتابعة الأمر، أن لا جدوى من الاتصال مع برج مراقبة مطار طهران لأنه مغلق وأن عليه أن ينتظر حتى ينتهي إغلاق المجال الجوي الإيراني، وساد الصمت في مكتب الرئيس ياسر عرفات والكل ينتظر الكلمة منه فكر الرئيس ياسر عرفات واستمرت ساقه بالحركة يمنة ويسرة.
فجأة كسر الرئيس الصمت وهبّ واقفاً وقال لنتوجه للمطار هل جهزت الطائرة؟ سأل الكابتن عدنان، طياره الخاص فأجاب الكابتن:
ما أن نصل المطار حتى يكون كل شيء جاهزاً للإقلاع، وتوجه الموكب إلى مطار دمشق الدولي. وفي قاعة الشرف في المطار جرى نقاش بين مدير الطيران المدني وقبطان الطائرة من جهة وبين الرئيس ومرافقيه من جهة أخرى.
كان مدير الطيران المدني متمسكاً بالقوانين إذ لا يمكن لطائرة أن تقلع من مطار دمشق إلى مطار طهران دون إذن مسبق من مطار طهران ودون إقرار خط طيرانها مع الدول التي ستعبر أجواءها.
بعد ذلك النقاش قال الرئيس ياسر عرفات أنا أتحمل المسؤولية لنقلع فوراً.
وبالفعل أقلعت الطائرة وبعد ساعات دخلت المجال الجوي الإيراني.
لم تمض دقائق معدودة حتى أحاطت طائرات مقاتلة من طراز إف 15 بطائرة الرئيس وراحت تميل بأجنحتها في إشارة تعني أن المقاتلات تطلب من الطائرة الهبوط الفوري.
وعندما أطلقت المقاتلات طلقات تحذيرية في الهواء هب الرئيس عن مقعده واقترب من النافذة التي تطل على المقاتلات وخلع الحطة وراح يحيي بها الطيارين الإيرانيين.
وكان المقصود أن يعرف الطيارون أن الطائرة التجارية التي اخترقت المجال الجوي الإيراني كانت تقل الرئيس ياسر عرفات ويبدو أن الطيارين خاطبوا مركزهم الأرضي وأبلغوه المعلومات.
وبقيت المقاتلات تحيط بالطائرة صعوداً وهبوطاً، ومن الجانب الأيمن والأيسر وبعد دقائق ساد فيها التوتر والترقب حرك الطيارون أجنحة طائراتهم بما يعني الترحيب فقد أبلغوا قيادة الثورة الإيرانية بوصول الرئيس ياسر عرفات فجأة لأجواء إيران، دون إذن مسبق فرحبت قيادة الثورة الإيرانية بأول زعيم يصل أجواءها بعد أن سيطرت على إيران.
ابتسم الرئيس ياسر عرفات وراح الجميع يهيؤون أنفسهم للهبوط.
هبطت الطائرة، وسارت على المهبط بالاتجاه الذي حدد لها وعندما توقفت وأوقفت المحركات، كان عدد من القياديين في الثورة الإيرانية قد وصلوا وراحوا يقتربون من باب الطائرة الذي فتح ليطل منه الرئيس ياسر عرفات.
تعانق الجميع وتحرك الموكب فوراً نحو المدرسة الكبيرة التي كان يقيم فيها آية الله الخميني مؤقتاً والحقيقة أن المدرسة على كبرها.كانت تعجّ بالقادة والكوادر والعلماء.
كان الجميع منهمكاً في عمل ما. والرسل تتحرك من وإلى مقر الخميني لتقديم التقارير أو لتبليغ الأوامر. خلية نحل لا تتوقف.
خصص قادة الثورة الإيرانية جناحاً واسعاً للرئيس ياسر عرفات والوفد المرافق له. ورحب المستقبلون به أحسن ترحيب، وراحوا يسألونه عن أوضاع الثورة الفلسطينية والأراضي المحتلة.
وبعد نصف ساعة حضر أحد العلماء الشباب، وأسرّ بكلمة في أذن القيادات الإيرانية الموجودة في جناح الرئيس ياسر عرفات. فنهض القياديون فوراً وسألوا الرئيس ياسر عرفات أن يتفضل للتوجه إلى مقر آية الله الخميني.
أمضى الرئيس ياسر عرفات مع آية الله الخميني ساعة كاملة، تناولا فيها أوضاع الشعب الفلسطيني وكفاحه ومستقبل إيران.
وأكد الخميني أن إيران الثورة الإسلامية لن تدخر جهداً ولا مالاً ولا سلاحاً من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وكفاحه العادل. وقبل الوداع قال الخميني: «بإذن الله سينتصر الشعب الفلسطيني أيضاً كما انتصر الشعب الإيراني».
وتوجه الرئيس ياسر عرفات والوفد المرافق له للمطار، واستقلوا الطائرة عائدين إلى دمشق. وهكذا كان الرئيس ياسر عرفات أول زعيم يدخل طهران ويلتقي بآية الله الخميني بعد قيام الثورة الإسلامية ووصول الخميني لطهران.
لقد اتخذ الرئيس ياسر عرفات قراراً بالوصول إلى طهران، وكان مستعداً لتذليل أي عقبة تعيق ذلك. وتحمّل مسؤولية المجازفة لأنه يعلم معنى وأبعاد لقائه مع آية الله الخميني في تلك اللحظة. وهكذا كان، فقد حدد آية الله الخميني موقف الثورة الإيرانية الداعم لنضال الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل. وأصبح قوله سياسة لا يمكن أن يحيد عنها أحد.
وتنامت العلاقات إيجاباً بين الثورة الإسلامية الإيرانية ومنظمة التحرير الفلسطينية من ناحية أخرى.
وقامت الثورة الإسلامية في مراحلها الأولى بمدّ يد الدعم للثورة الفلسطينية التي كانت قد قامت بدور داعم ومساند للفصائل الإيرانية المناهضة لشاه إيران قبل الثورة الإسلامية في إيران.
وكانت أمواج بشرية إيرانية تهتف للثورة الفلسطينية وتندد بالولايات المتحدة وإسرائيل. وقام آلاف من الثوريين الإيرانيين بمحاصرة السفارة الأميركية في طهران التي كانت تعجّ بالموظفين والدبلوماسيين. واعتبر الثوريون جميع من هم داخل السفارة آنذاك معتقلين.
الوساطة الفلسطينية
وحاولت إدارة كارتر أن تفك أسر هؤلاء عبر عملية إنزال في الصحراء القريبة انتهت إلى فشل ذريع. وعنها راحت جهات دولية وإقليمية عدة تحاول التوسط للإفراج عن الدبلوماسيين لكن الجهة الأكثر قرباً من الثورة الإيرانية آنذاك كانت الثورة الفلسطينية التي لم تتحرك بهذا الاتجاه إلا عندما طلبت دول أوروبية من الرئيس ياسر عرفات أن يجس النبض في هذا الموضوع.
لكن الرئيس ياسر عرفات كان حذراً جداً عندما أرسل من يجس النبض. فقد كان من شأن نجاح (م.ت.ف) أن تنهي احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين آنذاك أن يرفع مكانة (م.ت.ف) ودورها في الشرق الأوسط خصوصاً بعد رفض مناحيم بيغن مشاركة (م.ت.ف) في مباحثات السلام التي انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.
كان عهد الرئيس كارتر على وشك الانتهاء، وكان الحزب الجمهوري قد قرر ترشيح رونالد ريغان لمنافسة جيمي كارتر على الرئاسة.
وشهدت الولايات المتحدة حملات انتخابية شعواء. فقد كان كارتر قد بنى رصيداً كبيراً بنجاحه في إتمام اتفاقية كامب ديفيد وكان من الصعب على رونالد ريغان أن يطيح به.
وعمل كارتر جهده الجهيد عبر حلفائه الأوروبيين لطرق كل باب ممكن للإفراج عن المعتقلين في سفارة الولايات المتحدة بطهران.
فقد قدر مستشاروه في الحملة الانتخابية أن مثل هذه الخطوة سوف تقضي تماماً على فرص رونالد ريغان في الفوز رغم الدعم المالي الكبير الذي قدمته كبريات الكارتيلات (خاصة المجمع الصناعي العسكري وكارتيلات النفط) لحملته الانتخابية.
وكذلك قدر مستشارو ريغان للحملة الانتخابية.
ولذلك راحوا يعملون لتأجيل أي إفراج عن المعتقلين في السفارة الأميركية بطهران قبل الانتخابات حتى لا تصبح فرص ريغان في الفوز ضئيلة.
وكان أحد أصدقاء ريغان ومن كبار من أدار حملته الانتخابية أميركياً من أصل سوري من عائلة شاهين، فكلفه ريغان بالعمل على تأخير الإفراج عن المعتقلين لما بعد الانتخابات.
وكانت قد وصلت معلومات لمديري حملة ريغان الانتخابية ولمسؤولي الحزب الجمهوري أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المؤثرة في الوساطة للإفراج عن المعتقلين.
وأنه إذا أراد ريغان أن يقنع المنظمة بتأجيل الوساطة فإن عليه أن يقطع لها وعوداً سياسية. واعتبر ريغان أن شاهين هو الأنسب بسبب جذوره العربية للقيام بهذه المهمة.
مايك بسيسو أميركي ـ فلسطيني الأصل، كان يعمل لدى شاهين الذي لم يكن يخاطب الرئيس ريغان إلا باسمه المختصر «روني» لقربه الشديد منه وعلاقته الحميمة معه. وكان يقضي عطل نهاية الأسبوع في جو عائلي في مزرعة رونالد ريغان.
استدعى شاهين مايك بسيسو ورسم معه خطة التحرك ومصاريف تلك الخطة وأرسله إلى بيروت في مهمة استطلاعية مع منظمة التحرير الفلسطينية.
اتصل مايك بسيسو بي ولم يفصح عبر المكالمة ما الذي يريده لكنه طلب موعداً للقائي لأمر غاية في الأهمية وعندما حضر لمكتبي الكائن آنذاك في كورنيش المزرعة ببيروت الغربية أدركت أن الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية.
فالرجل يحمل رسالة من رونالد ريغان يطلب فيها تأجيل الوساطة للإفراج عن المعتقلين في سفارة الولايات المتحدة بطهران مقابل وعد «بفتح أبواب البيت الأبيض لمنظمة التحرير الفلسطينية عند فوز رونالد ريغان».
قلت له «أمهلني بعض الوقت فعليّ أن أتحدث بهذا الأمر مع قادة آخرين» دون أن أسميهم. وقبل مغادرته مكتبي اتفقنا على الاتصال مساء. توجهت لمكتب الرئيس أبو عمار وأبلغته بالموضوع فنظر إليّ وملء نظراته علامات دهشة واستفسار فقلت له هذا ما قاله الرجل.
وطلب مني أن أحدد للرجل موعداً في الواحدة بعد منتصف الليل في منزلي العائلي. أحضرت مايك بسيسو في الثانية عشرة والنصف ليلاً ورحنا ننتظر وصول الرئيس ياسر عرفات.
عند الواحدة تماماً دخل الرئيس مبتسماً ومحيياً، فهب مايك بسيسو يصافح ويعانق يكاد نَفسه ينقطع من هيبة اللقاء.
فطلب منه الرئيس أن يجلس وأشار للمرافقين فخرجوا من الغرفة.
روى مايك للرئيس ما روى لي، وكان الرئيس قد أخرج من جيبه دفتر الملاحظات الأخضر الذي يدون فيه ملاحظاته المهمة فقط أثناء لقاءاته السياسية أو غيرها. وراح يدون ما يقوله مايك وعندما انتهى مايك من الكلام نظر الرئيس ياسر عرفات له قائلاً: سنرى.
وتحرك الرئيس باتجاه الباب للخروج ورافقته مودعاً توقف والتفت إليّ وقال: «استفسر عن إمكانية الحصول على رسالة رسمية بهذا المعنى» وغادر المكان. سألت مايك حول هذه الإمكانية فأجاب سأستفسر ثم أجيبك.
وافق ريغان على إعطاء الرسالة لكنه لم يف بوعده تحت مختلف الأعذار. ولكن عندما طلبت إسرائيل ضوءاً أخضر من ريغان لاجتياح جنوب لبنان عام 1982 لمسافة أربعين كيلومتراً شمالي الحدود بينها وبين لبنان..
قال ريغان لشارون الذي كان وزيراً للدفاع «إذا كان الموضوع حماية بلداتكم فافعلوا لكن بسرعة، وإذا فشلتم فعليكم التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية».