على الرغم من أن بول بريمر يقدم لنا من خلال استعراضه لاجتماعاته مع الرئيس الأميركي ووزيري دفاعه وخارجيته ومجلس الأمن القومي الأميركي انطباعاً قوامه أنه كانت لديه صورة واضحة ومحددة عن طبيعة المهمة التي يتعين عليه القيام بها في العراق، إلا أن هذا الانطباع لا يمكن أن يكون دقيقاً بأي حال من الأحوال.

يرجع السر في ذلك إلى أن واشنطن نفسها كانت في حقيقة الأمر منقسمة على ذاتها فيما يتعلق بما ينبغي عمله في العراق بعد إعلان الرئيس جورج بوش انتهاء العمليات العسكرية الكبرى في العراق.

إن بريمر نفسه لا يتردد في القول إنه تكون لديه الانطباع بأن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد يريد تخفيض عدد القوات الأميركية في العراق والاعداد لترك الأراضي العراقية في أسرع وقت ممكن.

ويشدد بريمر أيضاً على أن المحافظين الجدد كانوا يريدون منه إفساح المجال للمنفيين العراقيين، الذين عادوا على متن الدبابات الاميركية، لتشكيل حكومة مؤقتة بحلول سبتمبر 2003، أي بعد أربعة أشهر لا غيرها من استقراره في مجمع القصور الرئاسية في المنطقة الخضراء بقلب بغداد.

في الوقت نفسه، يوضح لنا بريمر ان الرئيس بوش أكد له ان الولايات المتحدة ستبقى في العراق كل الوقت الضروري لتحويل العراق إلى بلد ديمقراطي.

ويؤكد لنا المبعوث الرئاسي الأميركي أنه بعد أسابيع قلائل من وصوله إلى بغداد تبين له بوضوح وجلاء ان تحقيق الأهداف التي يرمي إليها بوش في العراق يمكن أن يستغرق سنوات طويلة من الالتزام الأميركي العسكري والاقتصادي والسياسي في العراق، وهو ما يتضارب مع الاشهر المحدودة التي تصورها المخططون في البنتاغون وعلى رأسهم رامسفيلد نفسه.

أمام هذا التضارب في رؤية واشنطن، أقدم بريمر على تفسير مهمته بحسب التوجيهات الصادرة له في اجتماعه مع بوش قبل أربعة أيام من رحيله إلى بغداد.

لهذا، بالضبط، تجاهل بريمر مطالب البنتاغون بتسليم السلطة على نحو عاجل للمنفيين العراقيين الذين انخرطوا في مجلس الحكم الذي حظي بقدر هائل من انتقادات بريمر وصل إلى حد السخرية المريرة من أعضائه.

ولهذا، أيضاً، ركز المبعوث الرئاسي على مهام مثل حل الجيش العراقي ومحاولة ايجاد قوة أمن بديله و«اختراع» قيادات محلية جديدة والعمل على «تحرير» الاقتصاد العراقي.

ليس من قبل الصدفة هنا أن المراقبين اليوم، والمؤرخين غداً، يشددون على الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها بريمر عندما تجاهل الاحتياجات الفورية للعراقيين، وفي مقدمتها توفير الأمن وضمان الحد الأدنى من الخدمات العامة.

وعمد إلى التركيز على الأهداف بعيدة المدى مثل بناء ملامح النموذج الاقتصادي الليبرالي. بينما كان الشارع العراقي يصرخ مطالباً بتحرك سريع لتحسين حياة الناس وتجديد البنى الأساسية للحكم.

* ملامح المهمة المستحيلة

يضع بول بريمر اللمسات الأولى على فهمه لملامح المهمة التي عهد إليه بالقيام بها في العراق بالإشارة إلي أن منصبه هو المبعوث الرئاسي في العراق، بمعنى أنه المرجعية المطلقة للأميركيين في العراق، والتسلسل القيادي بالنسبة له يمر عبر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد.

ومن ثم مباشرة إلى الرئيس الأميركي، وعلى حد تعبير بريمر نفسه فإنه سيكون بالنسبة للعراقيين في غالبيتهم العظمى الشخصية القيادية المهيمنة على نحو لا مثيل له إلا ما رأوه في صدام حسين!

لما كان بريمر مسؤولاً مدنياً، فإنه لم تكن له سلطة قيادية على قوات التحالف في العراق البالغ قوامها 170 ألف رجل، ولكن القيادة المركزية الأميركية التي تشكل الذراع العسكرية للتحالف والتي تتخذ من تامبا في ولاية فلوريدا مقراً لرئاستها تلقت أوامر من بوش ورامسفيلد بالتنسيق بين ممثليها وسلطة التحالف المؤقتة وبريمر.

في ذلك الوقت كانت قوات التحالف المرابطة في مختلف أرجاء العراق تتألف بصفة أساسية من الجنود ورجال البحرية الأميركيين وما يزيد على عشرين ألف جندي بريطاني وأعداد أصغر من الاستراليين وقوات من دول حلف الناتو بما في ذلك الأعضاء الجدد في أوروبا الوسطى.

يحرص المؤلف على التشديد على أن مكتب الإعمار والمساعدة الإنسانية بقيادة غاي غارنر كان يفتقر إلى الخبرة في المفاوضات الدبلوماسية والعمل السياسي على مستوى رفيع، وأنه خلافاً لتقارير أجهزة الإعلام في ذلك الوقت فإن البيت الأبيض لم يعتزم قط ترك غاي في منصب المبعوث الدائم للرئيس الأميركي في بغداد.

ويلفت نظرنا أن بريمر يحرص عقب تشديده هذا على القول إنه هو نفسه ـ أي بريمر ـ قد تمتع بالمهارات والتجربة الضرورية لهذا المنصب الرفيع.

* لقاء في الكويت

يخرج بول بريمر من سياق حديثه عن الفوضى ضاربة الأطناب في العراق مع وصوله إلى العاصمة بغداد، ليحدثنا عن لقائه مع غارنر في الكويت في الليلة التي سبقت وصوله إلى بغداد، فقد طلب بريمر من غارنر وكبار مساعديه الحضور من بغداد للقائه في فندق الماريوت بالكويت لتناول العشاء وعقد اجتماع لإطلاعه على الموقف السائد في العراق.

يشير المؤلف إلى أنه «استلطف» غارنرفي التو، فالرجل بعيد عن الصرامة، والابتسامة لا تفارقه، ولا تخطئ الأذن لهجته الجنوبية الدالة، لكنه في ذلك المساء لم يكن مسرفاً في الابتسام، حيث بدا عليه بجلاء الضيق من تقارير أجهزة الإعلام التي تتحدث عن تنحيته من منصبه لأنه أساء إدارة عملية إعادة الاعمار في العراق.

ويحرص بريمر، بالطبع، على تذكيرنا بأن صحيفتي «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز» كانتا قد صدرتا في صبيحة ذلك اليوم بتقارير رئيسية تتحدث عن انغماس الإدارة الأميركية في عملية تطهير لمكتب الاعمار والمساعدة الإنسانية شملت الاطاحة بغارنر نفسه.

ويعرب المبعوث الرئاسي عن تعاطفه مع غارنر، وهو رجل عسكري سابق خرج من تقاعد مريح ليخدم بلاده بأداء مهمة صعبة وبالتالي فإنه يستحق معاملته باحترام ويستحق التكريم على ما قدمه من خدمات.

لكن ذلك كله لن يمنع المؤلف، بالطبع، من تذكيرنا بأن أجهزة الإعلام قد تحدثت مطولاً عن الفوضى السائدة في العراق وعن صفوف الغاضبين المنتظرين عبثاً أمام محطات الوقود وعن عملية النهب الشاملة للمتحف الوطني في بغداد، حيث أكدت التقارير ان القائمين بعملية النهب سرقوا الألوف من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن.

والتي تعود إلى فجر الحضارة في بلاد الرافدين. ويبرر بريمر حرصه على لقاء غارنر وكبار معاونيه في العراق بأنه ربما كان غارنر وفريقه قد وقعوا في أخطاء عديدة في العراق، لكن الرجل يتمتع بخبرة في الشؤون العراقية تفوق خبرة بريمر.

كما ان هذا الأخير ـ على حد تعبيره ـ أراد تحقيق عملية انتقال هادئة من مكتب الاعمار والمساعدة الإنسانية إلى سلطة التحالف المؤقتة.

ومع ان بريمر أكد لغاي حرصه على ان يكون هذا الأخير معه، إلا أنه يصارحنا بأنه كان يدرك تمام الإدراك انه كان حقاً يحل محله، ليس لأنه أساء إدارة الوضع في العراق، وإنما لأن بوش ورامسفيلد أرادا ان يتولى المسؤولية رجل يتمتع بخبرة سياسية أكبر.

وتمتد مصارحة بريمر لنا عبر قوله انه أراد ان يبقى غارنر في العراق إلى ان يتمكن هو من الوقوف بثبات على الأرض العراقية.

وهكذا في نهاية العشاء أعاد غارنر تأكيد التزامه بالبقاء في العراق حتى الموعد المقرر رسمياً لرحيله، وهو 15 يونيو 2003.

*رصاص في ليل بغداد

في ذلك الاجتماع الأول الذي عقد مساء وصول بريمر إلى بغداد والذي ضم ثلاثين من كبار المسؤولين الأميركيين، حرص المبعوث الرئاسي على تأكيد ان الأولوية المطلقة في العمل ينبغي ان تكون لإعادة القانون والنظام إلى البلاد.

وشدد على ان التغطية الإعلامية لعمليات النهب واسعة النطاق في بغداد تجعل الأميركيين يبدون أمام العالم عاجزين تماماً وغير قادرين على التصرف على النحو الصحيح.

لكن ما الذي كان يدور في ذهنه على وجه الدقة في هذا الصدد؟ انه لا يتردد في الإشارة إلى أنه قام بتذكير الجميع في ذلك الاجتماع المسائي العتيد بأنه عندما غزت القوات الأميركية هاييتي في عام 1994 فتحت النار على القائمين بعمليات النهب فقتلت ستة منهم.

لأنهم خالفوا حظر التجول فتوقفت عمليات النهب، وأضاف بصرامة: «انني اعتقد اننا ينبغي ان نفعل الشيء نفسه هنا، حتى لو كان ذلك يعني تغيير قواعد الاشتباك العسكرية».

ساد الجمع صمت غير مريح، لكن ذلك لم يمنع بريمر من متابعة القول: «ان حراسة مباني الوزارات العسكرية والمصالح التجارية هي مسألة ذات أولوية فائقة، وعلينا العمل بجد لإعادة قوات الشرطة المحلية إلى الشارع». لكن تلك لم تكن المتاعب الوحيدة التي تنتظر بريمر، وانما كانت الجزء الطافي من جبل الجليد فحسب.

في ذلك الاجتماع العتيد، ما غيره، بادر بيتر جيبسون أحد كبار مسؤولي مكتب الاعمار والمساعدة الانسانية إلى لفت نظر بريمر إلى الحقيقة البسيطة التي يعرفها بحكم كونه مستشارا لوزارة الكهرباء.

وهي ان محطات الطاقة في العراق بكامله لا تولد ما يتجاوز ثلاثمئة ميجاوات، وهو ما يكفي بالكاد مدينة صغيرة، وليس دولة تضم خمسة وعشرين مليون نسمة من البشر.

شكلت الكهرباء بداية قائمة المشكلات، فهناك أيضاً مشكلات لا تقل أهمية، ومنها مشكلات المجاري ومعالجة المياه، التخلص من النفايات، اطفاء الحرائق، اغلاق معظم المدارس والجامعات، محدودية امدادات مياه الشرب النقية.

توالت ملامح الصورة القاتمة أمام بريمر من خلال احاديث المشاركين في الاجتماع، لكن ما يلفت نظرنا حقاً، هو أنه عقّب في نهاية المطاف بجملة دالة: «دعونا نتحدث عن الشرطة!».

على الفور بادر بوب جيفورد، مستشار وزارة الداخلية التي تشرف على الشرطة إلى القول: «لقد انهار تماما ما كان موجودا من قانون ونظام في ظل صدام».

كان ذلك أمراً مفهوماً، فعقب انتهاء العمليات العسكرية الكبرى اندلعت عمليات نهب هائلة واكبتها عمليات تخريب من جانب كوادر حزب البعث، الأمر الذي أسفر عن تدمير العديد من المقار الحكومية في بغداد.

وحدها وزارة النفط هي التي نجت من هذا المصير، لأن القوات الأميركية تلقت أوامر صارمة بحماية مقرها، بكل ما فيه من أرشيف ومعلومات عن حقول النفط في شمال العراق وجنوبه.

من خلال التقارير التي طرحت في الاجتماع تبين أن النهب كان واسع النطاق حقا، فعلى امتداد البلاد تعرضت للهدم بل والتسوية بالأرض جميع المباني التي ارتبطت في أذهان الناس بأجهزة المخابرات في ظل حكم صدام، وفي العديد من ثكنات الجيش لم تبق طوبة فوق الأخرى، وتعرضت للنهب عشرات من المشروعات المملوكة للدولة.

وبصفة خاصة تلك المشروعات التابعة لوزارة الصناعات الحربية، ولم يبق منها إلا الجدران وحدها قائمة، بل انتزعت أدوات السباكة والأدوات الصحية الموجودة داخل تلك الجدران.

هنا تساءل بريمر مجدداً: أين الشرطة؟

جاء الرد، مرة أخرى من جيفورد، وهو خبير تابع لوزارة الخارجية الأميركية متخصص في شؤون الشرطة، له تجربة طويلة من خلال عمله في أفغانستان.

بادر جيفورد الى القول: «من الناحية النظرية، هناك أربعة آلاف رجل تلقوا تدريباً محدوداً يقومون بالعمل في بغداد، ولكنهم مسلحون بالمسدسات وحدها، ومعظمهم اختفى، تماماً كرجال الجيش، أما القائمون بعمليات النهب فهم مسلحون ببنادق الكلاشنكوف.

وبعضهم بالرشاشات بل وبالقذائف الصاروخية. ورجال الشرطة في بيوتهم يحمون عائلاتهم، وحلقت نسبة جرائم الشوارع عالياً.. السطو المسلح.. الاختطاف.. جرائم القتل.

يقول بريمر في معرض التعقيب: «ينبغي علينا حشد الكثير من رجال الشرطة العسكرية ذات التسليح الجيد للقيام بدوريات في هذه الشوارع.

قبل ان ينتهي الاجتماع أكد المبعوث الرئاسي للحاضرين أنه بسبيله إلى إصدار أمر في القريب العاجل بحل حزب البعث والقضاء عليه تماماً. وقال: «آمل بتشكيل إدارة عراقية مؤقتة في منتصف يونيو، ولكننا لن نندفع نحو إجراء انتخابات لأن العراق ليست لديه الآليات التي تمت إليها الحاجة لإجراء انتخابات.

وليس هناك اجماع، ولا قوانين للانتخابات، ولا أحزاب سياسية، وكل البنية المرتبطة بالانتخابات التي نعتبرها أمراً مسلماً به. كما ان علينا كذلك ان نحرك هذا الاقتصاد، وهذا سيكون تحدياً هائلاً، فالعراق المستقر يحتاج إلى قطاع خاص قوي.

تحولت هذه النقاط إلى برنامج عمل هائل للمبعوث الرئاسي الأميركي، وكانت هي أيضاً ما عكف على التفكير فيه خلال محاولته نيل قسط من النوم، على الرغم من زخات الرصاص التي مضت تلعلع في ليل بغداد. وعبثاً كان يحاول، فلم يجد في نهاية المطاف مفراً من وضع سدادات الأذن البلاستيكية التي كان قد تلقاها على متن الطائرة سي ـ 130 التي أقلته الى بغداد وظل محتفظاً بها.

* رسالة إلى فرانسي

على الرغم من مشاعر الكآبة التي فرضت نفسها على المؤلف، مع إدراكه لطبيعة المهمة التي امتدت أمامه بكل تفاصيلها المعقدة، إلا انه يلفت نظرنا حرصه منذ الليلة الأولى.

وعلى امتداد العام الذي قضاه في بغداد، على أن يرسل رسالة عبر البريد الالكتروني الى زوجته، فرانسي، وهناك مقتطف بعينه يستحق الوقوف عنده طويلاً في رسالة الليلة الأولى.

بعد تلخيص الانطباعات الأولى المعقدة التي تلقاها بريمر خلال الساعات الست والخمسين الأولى التي أعقبت مغادرته أميركا يقول في رسالته: « لسوف استقر حيث وجدت نفسي. الحياة هنا بدائية، ولكنها ليست في نصف رداءة ما كانت عليه..

أو ما واجهته القوات. لقد بدأت في إصدار الأوامر بترتيب الأمور. فالوضع هنا بمثابة كابوس إداري. ولكن عليّ التحرك بحذر حتى لا أثير ضيق غاي، فليس بمقدوري المخاطرة بفقده الآن.

حيث أنه سيصحب معه العديد من الأشخاص المهمين لدى مغادرته. ولكنني سأشرع تدريجياً في إقامة بنية إدارية موازية، تسير إلى جانب بنيته الإدارية، ومن ثم يجري الانتقال إليها في الأسابيع المقبلة».