ما إن انتهت الحرب الإيرانية العراقية، بعد إعلان آية الله الخميني الاستسلام ووقف الحرب، حتى بدأت المشاحنات السياسية بين العراق والكويت.

فقد طالب العراق بدفع قيمة النفط الذي استخرجته الكويت من حقل عراقي أو حقل مختلف عليه وكان العراق قد رصد الكميات التي استخرجتها الكويت من ذلك الحقل لكن الكويت رفضت دفع الأموال التي طالب بها العراق.

واستدعى الرئيس صدام حسين سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق غلاسبي وبيّن لها طبيعة الخلاف العراقي الكويتي، وطلب منها أن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لحل الخلاف، لأن عدم حله قد يعني مزيداً من المشكلات التي قد تتفاقم إلى حد الصدام العسكري.

ونقلت غلاسبي على الفور الرسالة لواشنطن، التي طلبت منها إبلاغ الرئيس صدام حسين، أن السياسة الأميركية في الخليج هي سياسة عدم التدخل في الخلافات القائمة بين دوله.

ووقعت القيادة العراقية في الفخ الذي نصبته لها واشنطن فقد اعتبرت القيادة العراقية جواب واشنطن، ضوءاً أخضر للتصرف حيال الأزمة مع الكويت وأنها لن تتدخل في هذا الشأن.

الرئيس ياسر عرفات كان يتابع ما يدور بحذر شديد فقد كان يدري حجم الانعكاسات السلبية على المنطقة وعلى قضية فلسطين بشكل خاص، التي ستنجم عن استخدام الحل العسكري لفض خلاف نفطي.

وعندما شعر عرفات بأن الخلاف أصبح ساخناً جداً، قرر أن يرمي بثقله وثقل فلسطين لمنع نشوب حرب بين العراق والكويت.

وكان من الضروري المحافظة على الزخم والضغط الدوليين لإيجاد حل سياسي للصراع ـ الفلسطيني الإسرائيلي وهذا لن يكون ممكناً في حال نشوب حرب بين العراق والكويت إذ ستصبح هذه الحرب شغل العالم الشاغل وسيتلاشى زخم الضغط الدولي على إسرائيل.

قرر الرئيس عرفات أن يتحرك بسرعة في محاولة دبلوماسية مكوكية بين بغداد والكويت، في محاولة لنزع فتيل الحرب.

فطلب لقاءً عاجلاً مع الرئيس صدام حسين فاستقبله في الليلة ذاتها ودار بينهما حديث جاد، وحاول الرئيس عرفات أن يبين للرئيس صدام حسين مخاطر الحل العسكري وطلب منه منحه فرصة ليحاول إيجاد حل أو آلية حل لهذه المشكلة.

تماماً كما بذل الجهد مع الرئيس صدام حسين لمنع الاحتكاك العسكري، بذل الجهد مع أمير الكويت لإقناعه بتشكيل لجنة لإيجاد حل أخوي للمشكلة.

بقيت صامتاً طوال الوقت، لكنني كنت أراقب بدقة خلجات الوجوه، وأصغي لكل كلمة تقال وسرعان ما توصلت للخلاصة:

الكويتيون لا يريدون تسوية المشكلة سياسياً، لأنهم يعتقدون أنهم على حق وأن العراق يحاول ابتزازهم كما خرجت بخلاصة، أن الأمير لا يريد من الرئيس عرفات أن يتدخل.

ووقع المحظور وغزا العراق الكويت في 2 أغسطس 1990 وهذا ما كان يخشاه الرئيس ياسر عرفات، ولمنعه بذل كل الجهد لإبعاد الحرب والتوصل لحلول سياسية تبقي الحد الأدنى من وحدة الموقف العربي.

ولم يكلّ ولم يتعب، بل راح يحاول إيجاد حل سياسي، حتى بعد غزو العراق للكويت ذلك أن الولايات المتحدة بدأت بحشد القوات والاستعداد لشن حرب على العراق تحت عنوان تحرير الكويت، لكنها في الحقيقة تستهدف العراق وثرواته النفطية.

فشل جهود عرفات

وأوشكت جهود الرئيس عرفات على النجاح وتم الاتفاق على عقد قمة طارئة في القاهرة بتاريخ 10 أغسطس 1990 لبحث الوضع وإقرار مشروع حل سياسي تلعب فيه الدول العربية، عبر لجنة تشكلها القمة، الدور الرئيسي في الاتفاق موضع التنفيذ وكان يتضمن إرسال قوات عربية لتحل محل القوات العراقية تمهيداً للتوصل إلى حل نهائي.

لكن الضغوط الأميركية كانت أفعل وأكثر تأثيرا وانتهت جلسات القمة العربية، دون أن يتمكن الرئيس عرفات من طرح الحل السياسي، عبر استخدام ملتوٍ لقواعد النقاش في القمم وطريقة طرح الاقتراحات والتصويت عليها.

وحسم الأمر حرب على العراق تشارك فيها قوات عربية تجمعت في منطقة حفر الباطن بالسعودية.

عاد الرئيس ياسر عرفات لتونس فجر 15 يناير 1991 وانغمس في العمل مرة أخرى بعد مراسم دفن الشهيدين أبو إياد وأبو الهول.

بعد مراسم الدفن، تجمع القادة والكوادر في مكتب الرئيس، والكل يشعر برهبة الموقف كان اغتيال أبو إياد وأبو الهول صدمة كبرى للجميع خصوصاً بعد أن علم أن القاتل فلسطيني من أتباع أبو نضال، وكان قد أعلن توبته لينضم لحرس أبو الهول.

وكان القلق حول الحرب المتوقعة على العراق يكاد يصيب الجميع بالاختناق ذلك على الرغم من أن عدداً من القيادات كان مقتنعا بأن الولايات المتحدة لن تشن حرباً على العراق، خشية من الخسائر البشرية.

غادرت مكتب الرئيس عائداً إلى مكتبي عند الفجر في اليوم السادس عشر من يناير، اتصل بي صديقي من فرنسا، وقال لي إنه يتكلم من هاتف عمومي، وأن الهجوم الأميركي الجوي بالطائرات وصواريخ كروز سيبدأ فجر 17 يناير وأن الهدف هو بغداد وليست الكويت.

هرعت لمكتب الرئيس وأبلغته المعلومة، وكنت قد سجلتها كتابياً فأرسل تلك الملاحظة فوراً لبغداد.

اعترض بعض القيادات على إرسال المعلومة، لقناعتهم بأن الولايات المتحدة لن تتجرأ على شن هجوم على العراق لكن الرئيس كان له رأي آخر هنالك معلومة، ربما تكون مفيدة، وربما لا، ويجب أن تعلمها بغداد.

حسب المعلومة، الساعة الثالثة فجراً بتوقيت بغداد، كان موعد بدء الهجوم الصاروخي والجوي أي أن الهجوم سيبدأ منتصف الليل بالتوقيت المحلي لمدينة تونس، حيث كنا متجمعين في مكتب الرئيس.

وقرابة منتصف الليل تحركت نحو جهاز التلفزيون، في مكتب الرئيس، وأدرت المفاتيح لنشاهد قناة (سي. إن. أن).

دقائق قليلة مرت على منتصف الليل، فبدأ البعض يبتسم وترتخي أعصابه المعلومة كانت خاطئة ولن تشن الولايات المتحدة حرباً على العراق وفي تلك اللحظة بالذات شاهدنا مراسل (سي. إن. أن) يقول «سماء بغداد يضيئها اللهب».

وانهالت الصواريخ والقصف الجوي على بغداد كان ذلك في السابع عشر من يناير من العام 1991.

وانتهت كل محاولات وجهود الرئيس ياسر عرفات لمنع الحرب وإيجاد حل سياسي للصراع العراقي الكويتي وبدأت مرحلة جديدة.

مؤتمر مدريد

بعد انتهاء حرب الخليج الأولى وغزو العراق للكويت ألقى الرئيس جورج بوش الأب خطاباً في الكونغرس قوبل بترحيب شديد من قبل أعضاء الكونغرس جمهوريين وديمقراطيين.

كان خطاب الانتصار خطاب تحرير الكويت.

وخلال الخطاب صفق أعضاء الكونغرس للرئيس بوش وقوفاً خمس مرات لكن أطول وقفة تصفيق جاءت عندما أعلن الرئيس بوش أنه آن الأوان لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي وإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

وهكذا أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لبدء عملية سلام في الشرق الأوسط تستهدف تحقيق الاستقرار والسلام استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 و338.

وبالتشاور مع روسيا، تقرر أن ترعى الولايات المتحدة وروسيا مؤتمراً دولياً للسلام في الشرق الأوسط تحضره كافة الأطراف المعنية وعلى أن يعقد في مدريد العاصمة الإسبانية.

في تلك الفترة كان إسحق شامير يمين الليكود يرأس الحكومة الإسرائيلية وكان معارضاً لأي عملية سلام تتم استناداً إلى قرار أي انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967.

لكن إصرار الولايات المتحدة والرئيس بوش لم يمكّن شامير من تبرير رفضه للمؤتمر برفضه لقرارات مجلس الأمن بل استند إلى رفضه التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية التي اتهمها بالإرهاب وأن إسرائيل لا تتفاوض مع الإرهابيين.

ورد على الرئيس بوش الذي وجه له رسالة بهذا الخصوص، يدعوه فيها لحضور مؤتمر مدريد بالقول إن حكومة إسرائيل ترفض التفاوض مع المنظمة، لكنها على استعداد لمفاوضة فلسطينيين محليين من الضفة وغزة لم تتلوث أيديهم بدماء يهودية.

وزاد شامير في تعقيد الأمور باشتراطه موافقة الحكومة الإسرائيلية على أسماء من سيشارك في المؤتمر من فلسطينيي الداخل.

وسارعت الإدارة الأميركية وروسيا إلى إقناع قيادة المنظمة بأن على القيادة الفلسطينية ألاّ تضيّع الفرصة، كما يشتهي شامير.

ورغم إصرار منظمة التحرير الفلسطينية على مشاركتها المباشرة في مؤتمر مدريد، تعاملت مع العقبات التي كان يضعها شامير لإجهاض المشروع بشكل واقعي.

وطلبت الإدارة الأميركية من منظمة التحرير وضع لائحة تضم أربعين من أسماء الشخصيات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة ليجري اختيار الوفد من بين الأسماء الأربعين.

وهكذا كان، وتشكل الوفد من شخصيات وطنية من الأرض المحتلة وبدأت التحضيرات لعقد المؤتمر وراح كل طرف معنيّ يعدّ مداخلته للجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

وصادقت اللجنة التنفيذية على الكلمة التي أعدت ليلقيها الوفد في الجلسة الافتتاحية وفي الوقت ذاته كان عدد من أعضاء الوفد في الداخل منكباً على صوغ الكلمة.

وقررت اللجنة التنفيذية إرسال عدد من القيادات والكوادر من تونس إلى مدريد ليواكبوا جلسات المؤتمر الرسمية، وعلى اتصال دائم بالوفد القادم من الأرض المحتلة.

وكنت أحد الذين تقرر توجههم إلى مدريد لكن في اللحظة الأخيرة استدعاني الرئيس ياسر عرفات وطلب مني البقاء إلى جانبه لمتابعة مجريات المؤتمر ولم أتردد بطبيعة الحال لكنني علمت لاحقاً أن عدداً من قيادات فتح أصر على عدم ذهابي إلى مدريد فقد كانت مجموعة منهم تبذل قصارى الجهد لإقصائي عن مركز الفعل، بعد أن تكللت الجهود السياسية والدبلوماسية والإعلامية بالنجاح في بلورة خطوة ملموسة هي الأولى منذ أن أطلقت مبادرة السلام في 13 ديسمبر من العام 1988أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كان من المقرر أن تعقد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد بعد يومين من طلب الرئيس أن أبقى إلى جانبه وفي صبيحة يوم الافتتاح اتصل بي الرئيس وطلب مني أن أتوجه فوراً للمطار وكما هي العادة توجهت فوراً، وعلمت إننا سنتوجه للمغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني لمتابعة مجريات الافتتاح من هناك.

وما هي إلا دقائق حتى حطت بنا الطائرة وسارت متمهلة إلى أن توقفت قرب قاعة التشريفات في مطار الرباط.

حرص الرئيس على أن يكون الاستقبال سريعاً لكسب الوقت، وتوجه فوراً نحو قصر الضيافة الملكي حيث سيقيم الوفد.

وطلب الرئيس من بعض مساعديه إجراء الاتصالات اللازمة لوصله بالدكتور نبيل شعث الذي كان مكلفاً بالتنسيق مع الوفد القادم من داخل الأرض المحتلة وكذلك مع الفريق الروسي الذي يشارك في الإشراف مع الفريق الأميركي على مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.

تم الاتصال، وأبلغ الرئيس الدكتور نبيل شعث الملاحظات حول الكلمة التي أعدت في الداخل، وقال له إنه لا بد من إضافة بعض التعديلات السريعة حتى لا تكون الكلمة كارثة سياسية.

وقام عبد الله حوراني بإعطاء الملاحظات والتعديلات للدكتور نبيل شعث وقد شملت جملاً مركزة حول الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقرارات الشرعية الدولية وتأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن قيادة المنظمة هي قيادة الشعب الفلسطيني وكذلك حل الدولتين.

لم يكن قد بقي كثير من الوقت على موعد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر لكن الوقت المتبقي كان كافياً لإجراء التعديلات على النص المقترح لكلمة الوفد الفلسطيني التي تقرر أن يلقيها الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد.

جلسنا في إحدى غرف الاستقبال ننتظر.

بعد دقائق حضر للقاعة أحد مساعدي الرئيس ليبلغه أن الدكتور نبيل شعث يريد أن يكلمه لأمر مهم.

فتوجهنا جميعاً إلى غرفة الاتصالات أصغى الرئيس باهتمام لما كان يقوله الدكتور نبيل شعث وفجأة علق قائلاً ينسحبون؟ بلهجة سؤال وطلب منه الانتظار على الخط.

وأخبرنا أن نبيل شعث اتصل بالروس ليبلغهم حول التعديلات التي نريد إضافتها على الكلمة وكان قد أطلعهم على نص الكلمة من قبل ولا شك بأنهم أعلموا الفريق الأميركي بمضمون كلمة الوفد الفلسطيني وأن الفريق الروسي قام ببعض الاتصالات قال بعدها إنهم يخشون في حال إدخال هذه التعديلات أن ينسحب الوفد الإسرائيلي من جلسات المؤتمر.

وقلت تعليقاً على ذلك لم يذهب شامير إلى مؤتمر مدريد لينسحب، هذه رغبة أميركية ولن يحرجوا أنفسهم مع الرئيس بوش إضافة لذلك فنحن لا نعلم ماذا سيقول شامير في كلمته رغم أنني أتوقع أن تكون متطرفة ورافضة لمشروع السلام.

اقتنع الرئيس بكلامي وكرر ذلك لنبيل شعث، رغم قلقه الشديد من انهيار المؤتمر.

فقد كانت هذه أول خطوة ملموسة على طريق البداية، في مسيرة لا شك ستكون طويلة نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وطلب الرئيس من نبيل شعث إبلاغ الوفد أن هذه هي تعليماته

وهكذا كان.

جاءت كلمة الدكتور حيدر عبد الشافي بعد إضافة التعديلات لتضع الانتماء والأهداف بشكل واضح وحددت بما لا يرقى إليه الشك مكانة المنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وكذلك أن قيادتها هي قيادة كل الشعب الفلسطيني.

اتفاق أوسلو

جُرّ شامير جراً إلى مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في الثالث من نوفمبر من العام 1991.

وكان الرئيس جورج بوش قد أعلن نيته إيجاد حل سياسي للصراع العربي الإسرائيلي في الكلمة التي ألقاها أمام الكونغرس بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق إثر اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت.

وحدد شامير في كلمته أمام المؤتمر سياسة الليكود الحاكم آنذاك الرافضة للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة وجوهر عملية السلام وبقي الخط الذي رسمه إسحق شامير ساري المفعول ويحدد سياسة الليكود التي رسمها شامير، وهي التي التزم بها بيبي نتانياهو وأرييل شارون وهما رئيسا الوزارة الإسرائيلية الليكوديان، اللذان حكما بعد مقتل إسحق رابين على يد متطرف يهودي بتحريض من السياسة الليكودية في إسرائيل.

وتحولت المداولات التي شكلها مؤتمر مدريد للسلام، بفضل سياسة شامير، إلى مضيعة للوقت، أرادت حكومة شامير من خلال ذلك وقف وتمييع ثم إنهاء المبادرة الأميركية التي أطلقها الرئيس جورج بوش الأب آنذاك أمام الكونغرس، فأصيبت كل العملية بالشلل.

ورغم محاولات الإدارة الأميركية فقد استمر التعنت الإسرائيلي لدرجة أن وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك جيمس بيكر قال في مؤتمر صحافي هذه هي أرقام البيت الأبيض فإذا أرادت الحكومة الإسرائيلية أن تغير موقفها وتنحاز إلى السلام فلتتصل بنا.

لكن فوز حزب العمل بقيادة رابين في الانتخابات الإسرائيلية أحدث نقطة تحول ولعبت النرويج بسبب العلاقات الجيدة بين قيادة الحزب الحاكم فيها وحزب العمل دوراً ههماً في استضافة مباحثات سرية في العاصمة أوسلو أدت إلى التوصل لاتفاق سمي اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

وفي الثالث عشر من شهر سبتمبر من العام 1993 وقع الرئيس ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الاتفاق وتصافحا في البيت الأبيض بواشنطن.

وانهمك الجميع في الإعداد لرحلة العودة بناء على اتفاق أوسلو وفي الأول من يوليو من العام عاد الرئيس ياسر عرفات إلى فلسطين المحتلة وكانت محطته الأولى قطاع غزة.

وفي الثامن والعشرين من سبتمبر تم توقيع اتفاق جديد أطلق عليه أوسلو ليشمل الضفة الغربية بعد أن حطت رحال الرئيس عرفات قبل عام في قطاع غزة.

رغم العراقيل، يمكننا القول إن تطبيق اتفاق أوسلو كان يسير للأمام وإن كان متلكئاً.لكن الانقلاب في الموقف الإسرائيلي الذي أدى إلى سفك الدماء والدمار جاء إثر اغتيال رابين على يد متطرف من رجال الأمن الإسرائيليين، بتحريض من الليكود وتنظيمات يهودية متطرفة.

ففي الرابع من نوفمبر من العام 1995 وبعد إلقاء كلمته أمام مئات الآلاف من الإسرائيليين بتل أبيب، أطلق رجل الأمن المتطرف النار على إسحق رابين فأرداه قتيلاً.

ودب رعب في أوساط قيادة حزب العمل، مما جعل شمعون بيريز، الذي تسلم رئاسة الحكومة لحين إجراء الانتخابات، يتخذ مواقف سلبية من الاستمرار في تطبيق اتفاق أوسلو لا بل اتخذ قرارات خاطئة في محاولة لإثبات تطرف حزب العمل.

كذلك الخطأ الرهيب عندما أمر بشن غارات جوية على قانا بجنوب لبنان، أدت إلى مقتل وجرح المئات من المدنيين اللبنانيين، وكذلك عندما قرر تأجيل تطبيق اتفاق أوسلو كما هو محدد في الجدول الزمني فلم يسلّم مدينة الخليل للفلسطينيين كما هو متفق.

وعاد الليكود للحكم بعد أن خسر العمل الانتخابات وأصبح نتانياهو رئيساً لوزراء إسرائيل، وبرهن عن التزامه بالسياسة التي رسمها إسحق شامير الرافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون أساساً للسلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

بعد ضغط أميركي على حكومة نتانياهو المتطرفة، وافق نتانياهو على تسليم أربعة أخماس مدينة الخليل لمنظمة التحرير الفلسطينية كان ذلك في الخامس عشر من شهر يناير من العام 1997.

كانت تلك هي الخطوة الوحيدة التي اتخذها نتانياهو ضمن إطار تطبيق اتفاقيات أوسلو ثم انقطعت اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية قرابة سبعة أشهر.

واستمرت التظاهرات والمصادمات إلى أن فاز شارون في شهر فبراير من العام 2001 بالانتخابات وأصبح هو رئيس وزراء إسرائيل.

وعندها بدأ العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني في كل مكان.

في تلك الأثناء أبلغتني مصادر إسرائيلية موثوقة جداً حول مخطط شارون لمحاصرة مقر الرئيس ياسر عرفات في المقاطعة ومداهمة مبانيها إذا لزم الأمر.

وكما توقعت حسب المعلومات التي وصلتني حصلت الأمور فعند فجر الثاني عشر من شهر ديسمبر من العام 2001 قامت الدبابات الإسرائيلية بغزو مدينة رام الله وفرضت عليها منع التجول وتجمعت عشرات منها لتحيط بمقر الرئيس ياسر عرفات المقاطعة.

في البدء قامت تلك القوات باحتلال كافة المنازل المحيطة بالمقاطعة وحجز الأطفال والنساء والرجال في غرفة من غرف منازلهم، واعتلوا أسطح البنايات بأسلحتهم المتوسطة وقنّاصيهم وراحت الدبابات تقصف المقاطعة دون توقف وحلقت المروحيات العسكرية فوق المقاطعة وفوق محيطها.

وفي الوقت ذاته تستمر حرب الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني على الصعيد النفسي، فالتدمير والقتل والمجازر كانت دائماً وسائل شارون، لكنها لم تنجح إطلاقاً في إخضاع الشعب الفلسطيني وثنيه عن الاستمرار في النضال لتحقيق أهدافه الوطنية.

لكن شارون وحكومته اليمينية ـ اليسارية يسعون من خلال حرب التدمير والقتل والجرائم الجماعية إلى تدمير إرادة الفلسطينيين وإنزال ضربات بالكبرياء والكرامة الفلسطينية وإذلال هذا الشعب العظيم.

وربما يكون ذلك بهدف تنفيذ مخطط شارون وليبرمان لترحيل جزء كبير من الشعب الفلسطيني الذي يقيم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبذلك يتسنى لهذه الحكومة ضم 52% من الضفة الغربية و57% من قطاع غزة لإسرائيل وجلب المهاجرين اليهود من أميركا اللاتينية لاستعمار هذه الأرض.

وهكذا يحول شارون من تبقى من الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة إلى عمال سخرة لدى المستعمرين الجدد، لكن حسابات شارون هذه المرة، وربما كما كانت في لبنان لن تنجح، فالشعب الفلسطيني الذي أنزلت به قوات الاحتلال الإسرائيلية كوارث ومآسي.

وارتكبت بحقه الجرائم الجماعية لن يخضع لأنه يريد الحرية والاستقلال ما كان شارون ليشن هذا الهجوم الهمجي، وليدمر ويحاصر لولا أن الإدارة الأميركية أعطته في تلك الفترة ضوءاً أخضر، حمله له ديك تشيني نائب الرئيس بوش الذي زار إسرائيل في الثامن عشر من مارس من العام 2002 .

وفي الثالث عشر من أبريل وبعد جهود أوروبية وعربية تم رفع الحصار الأول عن الرئيس ياسر عرفات وانسحبت الدبابات التي كانت تحيط بنا من كل الجهات.

وجرى لقاء بين الرئيس ياسر عرفات وكولن باول وزير الخارجية الأميركي الذي حمل رسالة لشارون يطلب منه فيها الرئيس بوش إنهاء الحصار المفروض على مقر الرئيس ياسر عرفات.

ما إن انسحبت الدبابات الإسرائيلية حتى أسرعنا إلى مبنى المقاطعة لنطمئن على الرئيس ياسر عرفات الذي كانت قد قطعت عنه الاتصالات، باستثناء مرات نادرة كنا نتمكن فيها من الحديث معه عبر هاتف خلوي مربوط بالشبكات الإسرائيلية وليس بالشبكة الفلسطينية.

لكن العدوان الإسرائيلي استمر واستمرت ردود الفعل الفلسطينية وقامت بعض التنظيمات المسلحة بارتكاب أعمال مدانة من قبل السلطة كاستهداف المدنيين في إسرائيل ورغم إدانة السلطة لهذه العمليات صعدت إسرائيل عدوانها وقصفها للأماكن والأحياء المدنية وزادت من وتيرة عمليات اغتيال الكوادر والقيادات.

ودخلت الأحداث في حلقة مفرغة من العنف والعنف المتبادل.

واتبعت الحكومة الإسرائيلية خطة لعزل الرئيس ياسر عرفات بحجة أنه إرهابي ويدعم الإرهاب وأنه ليس شريكاً مناسباً في عملية السلام، وذلك لتعطيل عملية السلام برمتها كما تريد الحكومة الإسرائيلية.

وأعلن شارون أكثر من مرة أنه نادم لتعهده للرئيس بوش بعدم المساس بالرئيس ياسر عرفات، مما يدل على نيته وتوجهه لمثل هذه الجريمة واستعاض عن ذلك باتخاذ قرار في مجلس الوزراء الإسرائيلي بإبعاد الرئيس ياسر عرفات عن الأراضي الفلسطينية، لكنه أبقاه قيد التنفيذ دون تحديد موعد لهذا الإبعاد.

الحصار الأخير

عندها قرر شارون محاصرة عرفات إلى أجل غير منظور.

في تلك الأثناء وصلتني معلومات عن حديث دار في مجلس الوزراء المصغر بين شارون وموفاز وزير الدفاع الذي قال لشارون إن الوقت مناسب للتخلص من عرفات فأجابه شارون بأنه تعهد للرئيس بوش بعدم المساس بياسر عرفات لكنه أضاف بعد ذلك إلا إذا كانت هناك طرق أخرى.

فكتبت للرئيس ياسر عرفات رسالة وصلته باليد حول نية شارون اغتياله بوسائل أخرى أي ليس بقصف مقره بالدبابات والطائرات، لأن هذا سيشير لإسرائيل مباشرة على أنها اغتالت الرئيس ياسر عرفات، ولكن بطرق أخرى وأبلغته أن تجاربنا تدل أن إسرائيل تلجأ للسم والكيماويات للقيام بذلك وحذرته ونبهته من محاولات إسرائيلية لدس السم له.

والتقيت به في اليوم التالي وتحدثنا حول هذا الاحتمال وكان جوابه: هذه ليست أول مرة لقد حاول شارون اغتيالي 18 مرة حتى الآن وسيستمر.

ونبهت الرئيس ياسر عرفات للمرحلة الثانية من مخطط شارون وهي محاصرة واعتقال ياسر عرفات بمقره بالمقاطعة في رام الله وعزله عن شعبه والعالم .

وفي اليوم التالي 20 سبتمبر قامت الدبابات الإسرائيلية وطائرات مروحية عسكرية بقصف مكثف للمباني في مقر المقاطعة، مما أسفر عن تدمير بناية ونهب محتوياتها بما في ذلك الهدايا الرمزية التي تلقاها الرئيس ياسر عرفات من رؤساء الدول على مدى العقود الأربعة الماضية.

وأبقى الجيش الإسرائيلي على المبنى الذي يقيم ويعمل فيه الرئيس ياسر عرفات بعد أن دمر جزءاً منه وراح وزراء إسرائيليون يهددون ويتوعدون ويطالبون بترحيل ياسر عرفات وذلك باقتحام مكتبه ووضعه على متن طائرة تقله خارج الأراضي الفلسطينية.

ووصل الأمر ببعضهم إلى تحديد الصحراء الليبية مكاناً للإلقاء بياسر عرفات بعيداً عن وطنه لكن الرئيس ياسر عرفات سخر من هؤلاء وأطلق جملته الشهيرة.

لن أكون طريداً أو أسيراً، بل شهيداً شهيداً شهيداً.

وبذلك أصبح الحصار والاعتقال أمراً واقعياً وبدأت الدوائر الأمنية الإسرائيلية تعد وتخطط لتنفيذ قرار اغتياله بوسائل أخرى.

وفي شهر أكتوبر لاحظت على الرئيس ضعفاً غير معهود وقد ضمر جسده، وبهت لون خديه جلسنا سوياً قرابة نصف ساعة نتحدث في ما يحمله المستقبل لنا وفي صعوبة الظروف والقرار الأميركي والعجز العربي كان منهكاً جداً.

وعندما حان وقت الانصراف ودعني وعانقني خمس مرات لم تكن هذه عادته، نظرت إليه في عينه وقلت له أبو عمار هل أنت بخير

أجاب نعم، لكنني مرهق.

وازدادت حدة المرض وبدأت نفس المظاهر تتفاقم كما جرى مع الدكتور وديع حداد.

وبدأ القلق يزداد وأرسل الرئيس التونسي أطباء تونسيين والرئيس المصري أطباء مصريين إضافة لأطبائه الخاصين.

الجميع كان يبحث ويفحص بعيداً عن السبب الحقيقي لهذا الانهيار المتدرج والمتسارع. وكنت أعلم أن السبب هوالسم.

لم أذق طعم النوم عدة أيام ثم قررت أن أتصرف في ساعة متأخرة من ليل الخامس والعشرين من أكتوبر اتصلت بالقنصلية الفرنسية ولم أجد أحداً فاتصلت بالملحق الاقتصادي الذي كان نائماً في بيته وطلبت منه إبلاغ قنصل فرنسا العام ريجي كوتشه، أنني أريد أن أتحدث معه لأمر ضروري فقد رفض المناوب الأمني بالقنصلية الإفصاح عن رقمه الخاص بالطوارئ.

وبعد دقائق اتصل بي القنصل العام الفرنسي فأبلغته أن الرئيس مريض جداً وطلبت منه الاتصال الفوري بالوزير بارنييه لإبلاغه ذلك وأننا نطلب من فرنسا أن ترتب طائرة المستشفى لنقله لأفضل مستشفيات باريس لإجراء الفحوصات.

وتم ذلك وأبلغني القنصل وشكرته على جهوده.

بطبيعة الحال لا بد أن جهات أخرى عديدة قامت بالاتصالات لترتيب انتقال الرئيس إلى فرنسا لكنني أتحدث عما قمت به في تلك الليلة.

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر وصلت طائرتان مروحيتان أردنيتان لنقل الرئيس ومرافقيه لمطار ماركا في عمان عاصمة الأردن حيث هبطت الطائرة الفرنسية المجهزة لنقله لباريس.

وتوجهت القيادات والضباط والكوادر لمهبط المروحيات في المقاطعة لوداع الرئيس.

توجهت للمقاطعة، ووقفت في الصفوف الخلفية وقلبي يعتصره الألم.

نقل الرئيس، وتدافع المودعون وبقيت في الخلف أراقب ودموعي تسيل لا إرادياً.

وعندما جاهد الرئيس أبو عمار ليرفع يده إلى فمه ويوجه قبلة للجميع أحسست أنه الوداع الأخير.

وعدت لمكتبي وبقيت دموعي تنهمر لا إرادياً فقد كان قلبي حزيناً حتى الموت.

في اليوم التالي لوصول الرئيس ياسر عرفات إلى المستشفى العسكري الفرنسي بباريس اتصلت بالقنصل الفرنسي العام ريجي كوتشه لأطلب تأشيرة لفرنسا كي أزور الرئيس، فأجابني القنصل التأشيرة سهلة، لكن الأطباء يمنعون زيارة أي كان للرئيس ياسر عرفات لأنه في غرفة العناية الفائقة ولا يريدون أي زوار حتى يبقى في حال مستقرة.

ومع تضارب ما صرح به حول صحته تأكدت دون أن أفصح عن ذلك، من التشابه الكبير مع حالة الدكتور وديع حداد، وأيقنت أنني لن أرى الرئيس مرة أخرى.