كان الإفراج عن نلسون مانديلا في 11 فبراير 1990 حدثاً تاريخياً ومؤثراً إلى أبعد حد من الناحيتين السياسية والعاطفية والمعنوية فقد قضى في السجن أكثر من ربع قرن وتحول إلى رمز إفريقي عالمي لمناهضة العنصرية من أجل الحرية وحقوق الإنسان عندما أبرقت وكالات الأنباء على عجل نبأ الإفراج عنه، كنت في مكتب الرئيس بتونس يوغورتا أتابع العمل معه والعمل لا ينتهي ولا يتوقف في مكتب الرئيس عرفات.

فقمت بإبلاغه بالنبأ فوراً توقف عن قراءة أوراق ملفه اليومي ونظر إليّ قائلاً:

هذا حدث عظيم وبداية تحول استراتيجي في جنوب القارة الإفريقية، ولا شك أنه سيعكس نفسه على الأجواء السياسية العالمية باتجاه حل المشاكل العالقة في مناطق مختلفة من العالم.

هززت رأسي تأييداً وقلت لنفسي يجب أن نربط قضيتنا بطريقة ما بهذا الحدث، فطالما شبهنا النظام في إسرائيل بنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا.

غادرت مكتب الرئيس وأنا أفكر بالأمر وخطر لي أن أفضل بداية هي أن يكون الرئيس ياسر عرفات أول مهنئي نلسون مانديلا على الخروج من السجن واستعادة حريته، وأن يؤكد لمانديلا أن كفاحه وكفاح شعبه هو جزء لا يتجزأ من كفاح الشعوب لنيل حريتها وحقوقها، وأن كفاح شعبنا من أجل الحرية والاستقلال هو كذلك أيضاً.

ولكن كيف الاتصال بنلسون مانديلا؟

لقد خرج من السجن فكيف نعثر عليه؟

لا شك أنه توجه فوراً لمعانقة أنصاره وأبناء شعبه في سويثو مدينة الفقراء السود هكذا فكرت.

توجهت على عجل إلى مكتبي القريب من مكتب الرئيس لأبحث عن رقم هاتف صديق في جوهانسبرغ.

الصديق كان سكوت ماكلاود مدير مكتب مجلة التايمز في جنوب إفريقيا وكان سكوت قبل نقله إلى جنوب إفريقيا، مدير مكتب مجلة «التايم» في الشرق الأوسط، وربطتني به علاقة صداقه متينة على مدى الأعوام الطويلة التي قضاها متنقلاً بين بلدان الشرق الأوسط .

ومَن أفضل من سكوت ماكلاود ليرشدني إلى مكان وجود نلسون مانديلا في تلك اللحظة، فاتصلت به هاتفياً على الفور لحسن الحظ كان سكوت في مكتبه وبعد التحية طلبت منه أرقام هواتف يمكن أن تقودني إلى نلسون مانديلا.

فأجابني سكوت إن مانديلا توجه إلى بيته في سويتو برفقة زوجته بعد احتفال شعبي وأُبلغ المراسلون أنه يريد أن يرتاح وأن ينام قليلاً لأنه كان متعباً جداً وزودني سكوت بأرقام هواتف يمكن أن توصلني به، ومنها هاتف مبيكي الذي أصبح رئيساً لجنوب إفريقيا بعد اعتزال مانديلا الرئاسة.

اتصلت به وكان غاية في اللطف والانفعال العاطفي وأعجب جداً بالفكرة، وزودني برقم هاتف منزله في سويتو وقال لي إنه يرتاح في المنزل لكنني متأكد أنهم سيوقظونه ليكلم الرئيس عرفات.

هرعت بعدها عائداً لمكتب الرئيس، الذي انتقل من مكتبه الواسع في الطابق الأرضي من مقره في يوغورتا إلى مكتبه الصغير، قرب غرفة نومه، في الطابق العلوي من المبنى وهو ينتقل عادة إلى مكتبه الصغير هذا عندما يريد أن يختلي إلى نفسه أو يختلي مع أوراق ملفه، أو تحضيراً للقاء يريده أن يكون سرياً وخاصاً.

صعدت للطابق العلوي ودخلت مكتبه الصغير كان منكباً على ملفه ولم يتوقف عن ذلك حينما دخلت وشرحت له الفكرة وأنني سأرتب الاتصال خلال دقائق وكعادته، كان يتابع أوراق ملفه.

ويستمع لما أقول وعندما أنهيت شرح الفكرة نظر إليّ مبتسماً وقال فكرة رائعة فهبطت الدرج مرة أخرى وتوجهت نحو غرفة الاتصالات وطلبت الرقم حاولت عدة مرات لأن خط الهاتف كان مشغولاً ولكن في آخر الأمر تمكنت من الاتصال رد علي أحدهم ثم تناولت زوجة مانديلا السماعة ورحبت بفلسطين كثيراً وقالت لي سأوقظه حالاً.

صعدت الدرج راكضاً وقلت للرئيس، زوجة مانديلا ستوقظه للتحدث معك.

* مانديلا على الهاتف

وضع الرئيس قلمه جانباً وانتظر متحمساً، فيما أنا أنتظر صوت مانديلا رد عليّ وفي صوته بحة خفيفة، حييته وقلت له:

أيها البطل، الرئيس ياسر عرفات سيكلمك.

وأمسك الرئيس بالسماعة ودار الحديث لدقائق وانتشر الخبر بعد ساعة في كل أنحاء العالم.

كان حدثاً مهماً أن يتصل الرئيس ياسر عرفات وهو قائد لحركة تحرر وطني، وتمكن من تحويل قضية فلسطين إلى قضية عملاقة وأصبح هو عملاقاً تحررياً عالمياً استناداً لقضية شعبه العادلة.

وأن يتحدث إلى عملاق آخر من عمالقة التحرر الوطني ومناضل عالمي ضد التفرقة العنصرية ولتحرير شعبه من نير النظام العنصري فطالما شبه المحللون والمؤرخون جنوب إفريقيا في ظل النظام العنصري بإسرائيل.

هكذا تلاقى العملاقان واتفقا على اللقاء في أقرب فرصة خرجت من مكتبه الصغير مرتاحاً لنجاح الجهد وعدت لمكتبي واتصلت بصديقي سكوت ماكلاود لأشكره، فكان هو الآخر سعيداً لنجاح الجهد وأبلغني أن القادة الإفريقيين سوف يجتمعون في بلد إفريقي مجاور ليستقبلوا مانديلا لتهنئته بالحرية وكسر القيود التي كبلته لأكثر من عقدين من الزمن ووعدني بإعلامي عن المكان حال اتخاذ القرار.

أنهيت بعض الأعمال الملحة وتوجهت لمكتب الرئيس، أبلغته بما سمعته من سكوت ماكلاود وقلت له إن منظمة التحرير الفلسطينية عضو في منظمة الوحدة الإفريقية وأعتقد أنه من الضروري أن تكون هناك عندما يستقبل القادة الأفارقة نلسون مانديلا.

هز رأسه موافقاً وطلب من سلمان الهرفي مسؤول إفريقيا في الدائرة السياسية أن يتابع الموضوع، ليعرف أين ومتى سيتم اللقاء، وإبلاغ سكرتارية منظمة الوحدة الإفريقية موافقة الرئيس على المشاركة في استقبال نلسون مانديلا.

هبطنا في مطار لوساكا عاصمة زامبيا في 15 فبراير 1990 حيث تجمع الرؤساء الأفارقة لاستقبال العملاق نلسون مانديلا الجميع كان ينتظر وصول مانديلا من جنوب إفريقيا.

وضع الزامبيون منصة خشبية على أرض المطار، قبالة المكان الذي ستقف فيه الطائرة التي تقل نلسون مانديلا، ليقف عليها رؤساء إفريقيا، تحيةً لمانديلا، ولالتقاط الصور التاريخية، التي ستسجل الحدث الكبير.

كان الجميع يعلمون أن الإفراج عن مانديلا هو المقدمة الضرورية لبداية إنهاء نظام الأبرتهايد (النظام العنصري في جنوب إفريقيا).

تقدم الرئيس نحو الموقع الذي تجمع فيه الرؤساء الأفارقة لم يتمكن الجميع من الحضور وصافحهم ووقف معهم يتبادلون الحديث انتظاراً لمانديلا بقيت أنا على مقربة من تجمع الرؤساء أتحدث مع عدد من الصحافيين الذين جاءوا لتغطية الحدث وكان بينهم صديقي سكوت ماكلاود مدير مكتب مجلة التايم الأميركية في جنوب إفريقيا.

قال سكوت إنه حدث هام.

أجبته الحدث الهام هو لقاء مانديلا وعرفات.

ضحك سكوت قائلاً أنت تبالغ دائماً بأهمية عرفات إن إفريقيا بأسرها مجتمعة اليوم لاستقبال مانديلا وهذا هو الحدث.

فأجبته ضاحكاً هذا صحيح، لكن العنوان سيكون مانديلا وعرفات

وسألني فوراً هل تراهنني على هذا؟

قلت له بالطبع.

وكان الشرط دعوة عشاء.

كان الاستقبال عاطفياً جداً وعُزفت الموسيقى الإفريقية وقام مئات من الشابات والشبان بتقديم عروض للرقص الشعبي من مختلف أنحاء إفريقيا وكانت جميعها رقصات الفرح والاحتفال.

غادرنا لوساكا في اليوم نفسه ولذلك لم أتمكن من حسم الشرط الذي اتفقت عليه مع صديقي سكوت ماكلاود.

لكنه اتصل في اليوم التالي من جوهانسبرغ ليقول لي لقد كسبت الرهان الصورة والعنوان كانا لعناق عرفات ومانديلا.

وبدأت في جنوب إفريقيا مفاوضات معقدة ومضنية لإقامة نظام ديمقراطي جديد، يلغي العنصرية، ويقوم على الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، ويحفظ حقوق أهل البلاد والمولدين ممن استعمروا واستوطنوا جنوب إفريقيا.

وخلال هذه المفاوضات المعقدة في جنوب إفريقيا كانت تجري مفاوضات أخرى أقل تعقيداً وإن كانت ذات طبيعة مشتركة تلك كانت المفاوضات لإيجاد صيغة مشتركة بين أهل البلاد والمولدين في ناميبيا.

* صداقة عرفات ونجوما

سام نجوما، زعيم حركة التحرير الناميبية كان صديقاً حميماً للرئيس ياسر عرفات وكانت حركته و (م ت ف) تؤيدان بعضهما البعض وتناضلان من أجل الحرية سوياً وتمدّان يد المساعدة الواحدة للأخرى.

كان دعم الرئيس عرفات للحركة التحررية الناميبية ولسام نجوما زعيمها مشهوداً له. ومن شخصية واستراتيجية الرئيس ياسر عرفات، لم يكن معروفاً على نطاق واسع وهو غير معروف على نطاق واسع حتى الآن.

لكنه كان مهماً جداً ومن خلاله تمكنت (م. ت.ف) من عزلة إسرائيل عزله تامة في القارة الإفريقية، رغم كل محاولاتها اختراق هذه العزلة عبر عروض سخية لمساعدة الدول الإفريقية في ميادين متعددة كالزراعة، والطب، والاستثمار الخارجي.

وأصبحت القضية الفلسطينية بفعل هذا الجهد من القضايا المهمة لدى دول إفريقيا لا بل اعتبرتها منظمة الوحدة الإفريقية قضيتها أيضاً.

ونجحت «م ت ف» بإقناع الدول العربية ومستثمرين عرب بالتحرك الفاعل للتعاون مع إفريقيا وإقامة صلات وثيقة وتوقيع اتفاقات مشتركة لمساعدة الدول الإفريقية وتوثيق العلاقات بين الدول العربية والدول الإفريقية.

وأصدر الرئيس تعليماته للجهات المعنية للتفكير استراتيجياً بالاستثمار في الدول الإفريقية، بمشاريع تعود بالخير والفائدة على الشعوب الإفريقية وكان لهذا أثر كبير ووقع مؤثر لدى الدول والجماهير الإفريقية.

لقد رافقت الرئيس في عشرات الزيارات لدول إفريقية ولا شك أننا نستطيع القول إن الرئيس ياسر عرفات هو الرئيس الذي زار الدول الإفريقية أكثر من أي رئيس آخر بما في ذلك الرؤساء الأفارقة لقد اعتبر.

وهو محق، أن العوامل التي تجمع إفريقيا بالعرب عوامل عديدة فإضافة لكون عدد من الدول العربية الكبيرة كمصر والسودان والجزائر وليبيا والمغرب وتونس وموريتانيا دولاً إفريقية، كانت للعرب علاقات تاريخية مع إفريقيا، فقد كان العرب أول من استكشفها ، وهبط على سواحلها.

والرئيس ياسر عرفات ملمّ بهذا التاريخ وكنت أطرح عليه أسئلة حول بعض الدول الإفريقية كلما طرنا لإفريقيا وعلى سبيل المثال، لم أكن أدري أن موزامبيق كانت تسمى أصلا موسى بن شفيق اسم مكتشفها ومع الأيام ومرور الزمن لفظ اسم موسى بن شفيق موزامبيق.

وفي إحدى رحلاتنا الطويلة حدثني مطولاً وبمعرفة أدهشتني، عن تاريخ حضرموت الإمبراطوري وكيف وصل أسطولهم إلى سنغافورة، وكيف أن وسط سنغافورة حتى الآن يعج بالمباني القديمة وأنها وقف إسلامي يمني وحدثني عن وصولهم إلى إندونيسيا وأن وزير الخارجية الإندونيسي العطاس آنذاك هو احد أبناء عمومة أبو بكر حيدر العطاس رئيس وزراء اليمن في ذلك الحين.

حجم المعلومات والمعرفة لدى الرئيس ياسر عرفات غير معروف للعالم ولا حتى لكثير من المقربين منه لكنني كنت محظوظاً عبر مرافقتي له كل هذه السنوات للتعرف على الكمية الغنية من المعلومات والمعرفة التي كان يخزنها.

ولعب الرئيس مرات عديدة دوراً مهماً مؤثراً في نزع فتيل خلافات إفريقية إفريقية كادت تؤدي إلى حروب.

*أول المدعوين

عندما توصلت الأطراف لاتفاق حول استقلال ناميبيا، كان أول المدعوين الرئيس ياسر عرفات فصديقه سام نجوما لم ينس أبداً العلاقة الكفاحية الحميمة بين الفلسطينيين والناميبيين.

كذلك دعي قادة العالم لحضور الحفل الذي شق طريق إنهاء النظم العنصرية في إفريقيا من بين المدعوين الرئيسيين كان دي كلارك رئيس وزراء جنوب إفريقيا التي كانت حتى تلك اللحظة عنصرية لكن المفاوضات المعقدة كانت دائرة لتغيير النظام وخلق نظام ديمقراطي يمكّن أهل البلاد من التمتع بحريتهم وحقوقهم، وكانت رئيسة وزراء إنجلترا مارجريت تاتشر هناك ووزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر وضيوف كبار آخرون.

رافقنا الرئيس إلى ناميبيا لحضور حفل الاستقلال يوم 15 فبراير 1990.

طوال فترة الطيران كانت مشاعري تضج بالسعادة وكأننا نتوجه إلى حفل استقلال فلسطين فقد ربطتنا بالمناضلين في ناميبيا وسام نجوما على الأخص علاقة كفاحية وثيقة وتذكرت ونحن في سماء إفريقيا يوم دعي سام نجوما إلى سرت المدينة الليبية الجديدة لحضور مؤتمر دعا له زعيم ليبيا العقيد معمر القذافي لم يتمكن سام نجوما من الوصول إلى سرت بسبب عدم توفر طائرات في تلك الساعة .

وكان مهماً جداً أن يصل نجوما لحضور المؤتمر في الوقت المناسب فطلب مني الرئيس أن أستأجر له طائرة خاصة صغيرة لنقله هو ووفده إلى سرت وأضاف من الضروري أن تسافر معه إلى سرت، احتراما له وحتى لا تضيع الأمور عندما يصل سرت.

فعلت ورافقته إلى سرت وقاعة المؤتمر، وتأكدت أن كافة الترتيبات له ولوفده قد تمت.كما عمل الرئيس على فتح أبواب للمناضلين الناميبيين مع عدد من الدول العربية التي أمدتهم بالمساعدة.

هبطنا من سماء إفريقيا الساحرة إلى أرض ناميبيا لم تشهد ناميبيا ازدحاماً دولياً كما شهدته في ذلك اليوم وبذلت جهود جبارة لاحتواء الحشد ولتنظيم هبوط الطائرات وتوجه الضيوف للمدرج الكبير حيث يقام حفل الاستقلال.

وبسبب هذا الازدحام أخطأ برج المطار وأنزل طائرة الرئيس في مكان بعيد عما هو مقرر ثم طلب من الطيار الإقلاع مجدداً والهبوط في موقع آخر.

توجهنا بسرعة شديدة في موكب رئاسي إلى المدرج ملعب رياضي كبير وكان الازدحام هناك أكبر بكثير مما تخيلت، لدرجة أنني شعرت بالاختناق بين الأجساد الضخمة لرجال الأمن من أميركيين، بريطانيين، جنوب إفريقيين، أفارقة بالطبع، ورجال أمن فلسطينيين.

أحاط ضباط الأمن الفلسطينيون بالرئيس وشكلوا حوله طوقاً أثناء دخوله الجناح من ذلك الإستاد المخصص للرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء والذي كان على طرفي المنصة الرئيسية التي جلس فيها سام نجوما، يحيط به الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس وزراء جنوب إفريقيا آنذاك دي كلارك تمكن الرئيس بعد جهد من الوصول إلى المقعد المخصص له إلى جانب الرئيس حسني مبارك ورئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، فيما جلس وراءه مباشرة جيمس بيكر وزير خارجية الولايات المتحدة.

قبل جلوسه، جال الرئيس عرفات ينظر في محيطه ويبتسم وكأنما يحيّي الجميع ثم جلس ليتابع الحفل.

كان حفلاً طويلاً تخللته خطابات وموسيقى ورقص وإعلان الوزارة المشكلة من أهل البلاد والمولدين فيها وقبل نهاية الحفل أعلم الجميع عن طريقة المغادرة وأن الملتقى سيكون في قاعة حفلات في المدينة، يليه عشاء رسمي وبدأ الرؤساء والوزراء بالمغادرة .

وكنت أقف على الدرج الفاصل بين جناحي ذلك القسم منتظراً خروج الرئيس بدوره وعندما اقترب من الممر همست مشيراً عليه بأن يصافح سام أمام الجميع وأن هذا هام كان قد أعلن أن التهنئة ستتم في قاعة الاحتفالات.

* مصافحة دي كلارك

ولم يتردد الرئيس لحظة استدار وتقدم نحو المنصة الرئيسية، فهب سام نجوما واقفاً وقال يا أخي ووقف الأمين العام للأمم المتحدة ودي كلارك، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يصافح فيها الرئيس عرفات ودي كلارك رئيس وزراء جنوب إفريقيا.

وفيما نحن نسير نحو موقف السيارات أمسكتْ يد بذراعي التفتّ فإذا هو صديقي سكوت ماكلاود من مجلة التايم الأميركية مرة أخرى.

ضحك سكوت وقال لي لا تقل هذه المرة إن الصورة والعنوان سيكونان حول عرفات ونجوما.

وكان الأمر كذلك فمن نيويورك تايمز لكافة الصحف كانت صورة مصافحة الرئيس لدي كلارك ونجوما هي الخبر الأهم ضمن الاحتفال باستقلال ناميبيا.

وصلنا إلى قاعة الاحتفالات التي كانت عبارة عن قاعات واسعة للضيافة الرسمية دخلنا اولاً إلى القاعة الكبيرة الأولى حيث أقيم حفل كوكتيل، قدم خلاله الضيوف. التهاني، وكذلك فعل الرئيس ونحن من ورائه وتفرق الجميع الى مجموعات يتناولون شرابهم ويتحدثون في أمور مختلفة.

وأقبل على الرئيس الأمينُ العام للأمم المتحدة، يسير إلى جانبه رئيس وزراء جنوب إفريقيا دي كلارك تمت المصافحة والتعريف بشكل مهذب ولائق وبدأ الحديث دي كلارك فقال موجهاً كلامه للرئيس نريد منك أن تساعدنا لإقناع مانديلا بأن يكون معتدلاً وألا يتشدد قالها وهو يضحك فأجابه الرئيس ضاحكاً أيضاً.

ونريد منك مساعدتنا لإقناع الإسرائيليين بالانسحاب من أرضنا وضحك الجميع وسأل الرئيس عن سير المفاوضات، فأبدى دي كلارك تفاؤلاً بقرب التوصل لاتفاق.

ثم تحدث الرئيس مع الأمين العام للأمم المتحدة حول الأوضاع المأساوية في الأراضي المحتلة والجميع يستمع ووعد الأمين العام بالتشاور مع الدول الأعضاء حول زيادة دعم الأونروا لمساعدة المخيمات الفلسطينية.

ونادى مسؤول عبر الميكروفون الضيوف للتوجه إلى قاعة الطعام المجاورة لتناول طعام العشاء وتوجه الرؤساء والوزراء ببطء نحو قاعة الطعام وفيما الرئيس يهم بالعبور عانقه نجوما قائلاً اسمك على طاولة الرؤساء الرئيسية.

كانت المائدة الرئيسية قد وضعت على منصة وجلس إليها الرؤساء ورؤساء الوزراء فجاء موقع الرئيس قريباً من مقعد مارجريت تاتشر وجلس الوزراء إلى طاولات صغيرة في قاعة كبيرة أمام منصة الرؤساء.

جلسنا كل إلى مقعده المخصص بالاسم ورحت أراقب جيمس بيكر الذي كان يجلس إلى الطاولة القريبة مني ولا أدري إذا أحس بيكر بنظراتي لكنه التفت فجأة نحوي فابتسمت وابتسم هو وكأنه يسأل من أنت؟ فقلت له بصوت أردت أن يسمعه من يجلس قربنا.

الآن جاء دور فلسطين أجاب بسرعة أرجو ذلك وقرر الرئيس أن نعود إلى تونس في اليوم التالي ليتمكن من عقد بعض اللقاءات مع الرؤساء ورؤساء الوزارات وعدنا من ذلك الحفل الشيق سعداء ينتابنا شعور بأنه انتصار لنا.

وما إن عدت إلى مكتبي حتى اتصلت بصديقي سكوت ماكلاود وقلت له أنت مدين لي بالعشاء مرتين وضحكنا ثم قال متعجباً لا أدري كيف يخطف الرئيس عرفات الخبر.

فقلت له حيث يكون يكون الخبر.