أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك المثيرة للجدل حول إمكانية استخدام سلاح بلاده النووي موجة احتجاجات دولية واسعة. لكن ما الذي دفع شيراك إلى إطلاق مثل هذه التصريحات النارية؟ هل يخفي شيئاً في جعبته؟

إن توقيت تصريحات شيراك ينطوي على رمزية خاصة لكونها تأتي بعيد الذكرى السنوية العاشرة لقيام فرنسا بخرق تعليق الاختبارات النووية في 1995. هل يلعب شيراك بالنار النووية؟ قصر الإليزيه يقول إن الأمر ليس كذلك وينفي أن يكون كلام الرئيس الفرنسي موجهاً لإيران.

وفي الوقت نفسه فإن استراتيجية شيراك النووية الموسعة ليست مجرد تدبير احتياطي موجه نحو إيران فقط، فلقد عكفت فرنسا على التحضير لتغيير استراتيجيتها منذ ما لا يقل عن خمس سنوات، حتى قبل 11 سبتمبر، وبمعرفة رئيس الوزراء الاشتراكي في ذلك الوقت. ولهذا السبب فإن البلد ليس منقسماً على هذه القضية.

وتتبع الاستراتيجية الجديدة المنطق القائل بأن برنامج فرنسا النووي يفقد قيمته بشكل مطرد منذ سنوات فبعد نهاية الحرب الباردة، لم يعد هناك عدو يهدد وحدة أراضي البلد.

ومع ذلك فإن هناك غواصة نووية فائقة التطور على أهبة الاستعداد دائماً لشطب أي معتد يهاجم فرنسا عن الخارطة.

وتخصص فرنسا أكثر من 10 بالمئة من ميزانية دفاعها، المتزايدة بشكل متسارع، لتغطية تكاليف الرفاهية النووية. وهذه أموال كبيرة أكثر من اللازم تنفق على سلاح للهيبة فقط، لأن سياسات القوة لم تعد تترك مجالاً يذكر لاستخدام هذه القنابل.

وحتى الآن فإن فرنسا لم تملك سوى الخيار النووي للتدمير الكامل. والقاعدة الأساسية في هذه الحالة « من يطلق أولاً يموت ثانياً»، كانت مطبقة خلال الحرب الباردة لكنها لم تعد صالحة اليوم. لكن اليوم ترغب باريس في أن تكون قادرة على التهديد انطلاقاً من واقع له مصداقية ويؤخذ على محمل الجد.

والأسلحة النووية الجديدة من المفترض أن تكون قادرة على توجيه ضربات دقيقة تدمر مثلاً مراكز الطاقة للعدو دون تلويث مناطق بأكملها بالإشعاعات النووية.

والنقطة الحساسة في هذه القضية برمتها هي أن هذه الخطط تشبه أفكار الرئيس الأميركي جورج بوش حول القنابل النووية الموجهة بدقة وملفات واشنطن حول الحرب الوقائية. وهذا يتطابق مع فحوى إعلان شيراك بأن الاحتياطيات الاستراتيجية للبلد، والتي لم توصف بالتفصيل يجب أن تكون مضمونة إلى حد بعيد. ولا يحتاج المرء إلى خيال واسع ليفكر بالنفط والغاز في هذا السياق.

لكن استراتيجية شيراك القائمة على مفهوم الهجمات النووية المحدودة ليست مقنعة لأن الحرب النووية المحدودة بحد ذاتها غير واقعية، فالتهديد بالتدمير النووي فقد فحواه بوجود المتطرفين الذين يتنقلون من مكان لآخر والمستعدين لأي شيء في أي حال.

ولذلك فإن الرسالة الثانية التي أراد شيراك إيصالها هي ان فرنسا التي تعتبر قوة متوسطة الحجم تريد ممارسة السياسة العالمية بثقة تامة بالنفس، وتريد أن تدعي لنفسها دور القيادة في أوروبا.

وهذا الطرح بحد ذاته يقضي على أي آمال متبقية في صياغة سياسة خارجية وأمنية أوروبية مشتركة. ولحسن الحظ ان ألمانيا رفضت عرض باريس بدمج أسلحتها النووية في هيكلية أمنية أوروبية.

مرة أخرى يثير شيراك ضجة في الحرب على الإرهاب لكن لسوء الحظ لم يخرج من جعبته أي ورقة رابحة جديدة.

ترجمة: علي محمد

عن «دويتشه فيله»