اختلفتُ كثيراً مع عضو الكونغرس بار عبر سنوات عملنا، ولكننا اتفقنا اليوم مع ألوف من مواطنينا الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء على الإعراب عن قلقنا البالغ إزاء الخطر المحدق بالدستور الأميركي.

وعلى الرغم من اختلافنا الإيديولوجي والسياسي، فإنه يوجد بيننا اتفاق قوي على ان القيم الأميركية التي نعتز ونتمسك بها بشدة تتعرض إلى خطر شديد جراء الإدعاءات غير المسبوقة التي خرجت من الإدارة الأميركية حيال ذلك التوسع الرهيب في مهام السلطة التنفيذية.

ففي الوقت الذي نستهل فيه نحن العام الجديد ضُبط الفرع التنفيذي لحكومتنا وهو يقوم بالتنصت على عدد ضخم من المواطنين الأميركيين، بل ان هذا الفرع قد أعلن بكل وقاحة أنه يملك حقاً أحادي الجانب في مواصلة هذا التنصت بلا أي اعتبار للقوانين المنصوص عليها من قبل الكونغرس والخاصة بحظر مثل تلك الانتهاكات.

هناك حتمية شديدة لأن يعاد احترام القانون. ومن ثم فإن كثيراً منا قد هرعوا إلى دق ناقوس الخطر وإلى حث إخواننا من المواطنين الأميركيين على تنحية الخلافات جانباً والانضمام إلينا في المطالبة بحماية الدستور والحفاظ عليه.

ويا له من توقيت مناسب ان نقوم بتوجيه هذه الدعوة في اليوم الذي خصصته الدولة إلى تكريم حياة وإرث الدكتور مارتن لوثر كينغ الذي حث الأمة الأميركية بكاملها على بث حياة جديدة في أعرق قيمنا عن طريق تكريس ومد نطاق تلك القيم ليشمل كل فئات الشعب.

في هذا اليوم بالتحديد من المهم بشكل خاص ان نتذكر ان كينغ، خلال السنوات الأخيرة من حياته، قد تعرض إلى محاولات غير قانونية للتنصت على مكالماته، وكان واحداً من مئات الألوف من الأميركيين الذين تم التنصت على مكالماتهم الهاتفية من قبل الحكومة الأميركية أثناء تلك الفترة.

وكان مكتب التحقيق الفيدرالي ينعت كينغ بشكل سري بوصفه «القائد الزنجي الأكثر خطورة ونفوذاً في البلاد» وتعهد المكتب بـ «تجريده من مكانته». بل إن الأمر وصل إلى حد إقدام الحكومة على تدمير زواجه وابتزازه كي يقدم على الانتحار.

واستمرت تلك الحملة عليه حتى مقتله، وجاء الكشف عن حملة «إف بي أي» الطويلة والممتدة للتجسس الكترونياً على الأعمال الداخلية لمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية ولمعرفة الأسرار الشديدة الخصوصية لحياة كينغ ـ جاء هذا الكشف ليقنع الكونغرس بوضع محاذير على عمليات التنصت على الاتصالات.

وكانت النتيجة اقرار قانون الاستخبارات الخارجية والرقابة الذي تم سنه أساسا من اجل ضمان تقديم طلبات الاستخبارات والرقابة إلى قاض محايد للتأكد مما إذا كان هناك سبب كاف للقيام بهذا الرقابة أم لا.

واثناء وجودي في البرلمان صوت لصالح هذا القانون الذي ثبتت فعاليته طوال 30 عاماً تقريباً في اتاحة مستوى من الحماية لحياة المواطنين الخاصة وفي الوقت ذاته سمح بمواصلة القرابة الخارجية.

ولكن منذ شهر واحد فقط استيقظ الأميركيون على صدمة تمثلت في إنه على الرغم من وجود هذا القانون فإن السلطة التنفيذية كانت تقوم بشكل سري بالتنصت على «كمية كبيرة من المكالمات الهاتفية والرسائل الالكترونية والاتصالات الأخرى التي تتم عن طريق الانترنت في الولايات المتحدة الأميركية»، بحسب ما جاء في التقارير الاخبارية التي حملت للأميركيين تلك الصدمة.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» ان الرئيس قرر ان يطلق برنامجه الكبير للتنصت من دون وجود تصريح ومن دون وجود أي قوانين جديدة تسمح بهذا النوع من أعمال الاستخبارات الداخلية.

وأثناء تلك الفترة من التنصت غير القانوني والسري ظهر الرئيس في أكثر من مناسبة ليؤكد للمواطنين الأميركيين انه بالطبع هناك حاجة إلى اصدار تصريح قضائي يسمح بالتنصت الحكومي على المواطنين الأميركيين وان الضمانات الدستورية الخاصة بهذا الشأن لا تزال مكفولة.

غير انه بشكل مفاجئ ثبت ان تطمينات الرئيس غير حقيقية. ليس هذا فحسب بل انه بمجرد ان افتضح امر التنصت سارع الرئيس ليس فقط إلى تأكيد وجود ذلك البرنامج وانما أعلن أيضا انه ليس لديه أي نية في انهاء العمل به.

في الوقت الحالي لا يزال هناك الكثير مما لا نعلمه عن أعمال المراقبة الداخلية التي هي تحت مظلة قانون الأمن القومي. ولكن ما نعرفه بالفعل يجبرنا على الوصول إلى تلك الخلاصة التي تفيد بأن الرئيس الأميركي ظل ينتهك القانون بشكل متواصل ومتكرر.

ان الرئيس الذي ينتهك القانون يمثل تهديدا على الهيكل الجوهري لحكومتنا، لقد كان آباؤنا المؤسسون لدولتنا شديدي الاصرار على اقامة حكومة القوانين وليس حكومة الرجال.

واعترف آباؤنا المؤسسون بأن هيكل الحكومة الذي أسسوه بقوة داخل دستورنا صمم من أجل غرض رئيسي وأساسي يتجسد من خلال سلطة القانون.

والرئيس الذي يمنح لنفسه السلطة لتجاهل التعليمات التشريعية للكونغرس ويعمل بلا أي ضابط تشريعي يتحول إلى تهديد رئيسي كان يسعى الآباء إلى محوه من الدستور.

وإذا استعرنا عبارات جيمس ماديسون، فإنه يمكن القول ان «تراكم كل السلطات سواء أكانت تشريعية أو قضائية أو تنفيذية في أيد واحدة سواء في أيدي أقلية أو عدد كبير من الأشخاص جاءوا من خلال نظام وراثي أو تعيين ذاتي أو انتخابي ـ هذا التراكم قد ينطبق عليه بشكل عادل تعريف الحكم الاستبدادي».

توماس بين، الذي أشعل منشوره الذي حمل اسم «عن الإدراك السليم» الثورة الأميركية، وصف بشكل موجز البديل الموجود لدى أميركا. وفي هذا الصدد قال الرجل إننا قررنا على أن «القانون هو الملك».

الالتزام اليقظ بحكم القانون يقوّي من شوكة نظامنا الديمقراطي ويعضد من مركز أميركا. فهذا الالتزام يضمن أن الذين يتولون حكماً يعملون هم أيضاً تحت نطاق هيكل دستوري.

وهو ما يعني أن المؤسسات الديمقراطية تلعب دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في صياغة السياسة وتحديد الاتجاه الذي تسير فيه دولتنا. ويعني هذا أيضاً أن شعب هذه الدولة، وليس المسؤولون التنفيذيون الذين يعملون بلا ضابط ولا رقيب، وهو الذي يقرر بشكل نهائي مسار هذه الدولة.

إن حكم القانون يجعلنا أكثر قوة عن طريق ضمان أن القرارات سيجري اختبار مدى صحتها ومراجعتها وفحصها من خلال عمليات تقوم بها الحكومة بغية تحسين السياسة. ومن شأن التأكد من أن تلك القرارات والعمليات تتم مراجعتها ـ من شأنه منع أي تجاوزات أو احتكار للسلطة.

إن الالتزام بالشفافية والمصداقية وقول الحقيقة يساعد أيضاً دولتنا على تجنب الوقوع في أخطاء كبيرة. وأخيراً، على سبيل المثال، علمنا من وثائق سرية وغير سرية أن القرار الذي سمح بشن حرب فيتنام كان يقوم على معلومات خاطئة.

ونعلم الآن أيضاً أن قرار الكونغرس الخاص بشن الحرب على العراق بعد 38 عاماً من حرب فيتنام أيضاً يقوم على معلومات خاطئة. ولو كان هناك علم بأحقية تجنب تلك الأخطاء الفادحة في تاريخنا لكان وضع أميركا الآن أفضل. فاتباع حكم القانون يجعلنا أكثر أماناً وليس أكثر ضعفاً.

إنني أتفق مع الرئيس على شيء واحد، وهو أن التهديد الذي يمثل الإرهاب هو بالفعل تهديد حقيقي. ليس هناك جدال على حتمية مواجهة تحديات جديدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل إنه يتعين علينا أيضاً أن نكون حذرين ومتيقظين للغاية وطوال الوقت في حمايتنا لمواطنينا من الضرر الذي يمكن أن يلحق بهم.

غير أن ما نختلف عليه هو القول إنه يتعين علينا أن ننتهك القانون أو نضحي بنظام حكومتنا من أجل حماية الأميركيين من الإرهاب. هذا الانتهاك في حقيقة الأمر هو الذي يجعلنا أكثر ضعفاً وهشاشة.

فبمجرد تعرضه للانتهاك فإن حكم القانون يصبح في خطر. وإذا لم تتوقف فإن الفوضى القانونية ستنمو وتتسع. وكلما اتسعت سلطة الرئيس زادت صعوبة أن تضطلع الفروع الأخرى من الحكومة بمسؤوليات أدوارها الدستورية.

وفي حال أن يعمل المسؤول التنفيذي خارج نطاق الدور الدستوري المحدد له، ويكون قادراً على التحكم في الوصول إلى المعلومات التي تفضح أعمال الحكومة، تزداد صعوبة أن تقوم الفروع الأخرى من السلطة بمراقبة الأنشطة الحكومية. وبمجرد أن تفقد تلك القدرة يكون هناك تهديد فوري على الديمقراطية ونتحول إلى حكومة رجال وليس حكومة قوانين.

لقد أضر رجال الرئيس بقوانين أميركا. وبشكل علني اعترف وزير العدل الأميركي بأن «هذا النوع من المراقبة الذي نعرف أنهم كانوا يمارسونه يتطلب أمراً قضائياً إن لم يكن هناك قانون يسمح به.

فقانون المراقبة الخاص بالاستخبارات الخارجية بشكل واضح لا يسمح بما يتم وبما كان يتم القيام به تحت مظلة قانون الأمن القومي، ولا يوجد فرد واحد داخل أو خارج الإدارة يمكنه الادعاء بأن هذا القانون يسمح بهذا.

وبدلاً من ذلك وبشكل لا يصدق تدعي الحكومة أنه تم السماح بالمراقبة بشكل ضمني عندما صوت الكونغرس بالسماح باستخدام القوة ضد هؤلاء الذين هاجمونا في الحادي عشر من سبتمبر.

مثل ذلك الادعاء لا يحمل أي قدر من الحقيقة. فمن دون الدخول في التعقيدات القانونية، هناك عدد من الحقائق يمكن سردها لدحض هذا الادعاء. الحقيقة الأولى تتمثل في اعتراف آخر من وزير العدل الذي قال إن الإدارة كانت تعلم أن مشروع التنصت كان ممنوعاً بموجب القانون الحالي وأنهم استشاروا عدداً من أعضاء الكونغرس بشأن تغيير القانون.

ويقول غونزاليس إنهم أخبروا بأن التغيير غير ممكن. إذاً كيف يمكنهم الإدعاء بأن التفويض باستخدام القوة العسكرية يسمح بشكل ضمني بالتنصت؟

ثانياً، عندما كانت تجري مناقشة موضوع التفويض باللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الحكومة في واقع الأمر سعت إلى تضمين عبارة داخله تسمح لها باستخدام القوة العسكرية في الداخل غير أن الكونغرس رفض.

وصدرت وقتها تصريحات من السيناتور ستيفينز والنائب جيم ماكجوفرن إضافة إلى آخرين أثناء عملية النقاش التي جرت حول قرار التفويض بشأن الخيار العسكري أكدت بوضوح أن التفويض باستخدام القوة لا ينطبق على الساحة الداخلية.

ترجمة: حاتم حسين

عن: «تروث آوت»

ـ نائب الرئيس الأميركي السابق