يتناول المؤلف في هذه الحلقة ردود الفعل الغربية على القنبلة السياسية التي فجرها ياسر عرفات في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي عقد في جنيف في ديسمبر من عام 1988.

فقد كانت الخارجية الأميركية قد وعدت الفلسطينيين عبر الوسيط السويدي أنها ستعلن الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية حالما ترد في خطاب عرفات البنود أو الشروط التي وضعها شولتز، وزير الخارجية الأميركية لهذا الإعلان. ولكن هذا الاعتراف لم يحدث كما كان متفقاً عليه بعد نصف ساعة من إلقاء عرفات لخطابه.

وذلك بسبب سوء تفاهم حصل من الجانب الأميركي الذي لم يتابع خطاب الرئيس الفلسطيني بالكامل. وبعد توضيح الأمر، أطل شولتز عبر محطة «سي. أن. أن» ليعلن الخبر الذي طال انتظاره بالنسبة للجانب الفلسطيني.

وهو الاعتراف بالمنظمة، الذي فتح الطريق أمام اعتراف دول غربية أخرى كبريطانيا ومهد الطريق لحوار مفتوح من أجل التوصل إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية.

عكفت المجموعة التي كلفت بصياغة خطاب الرئيس ياسر عرفات على العمل بسرعة، بعد تلقي توجيهاته، لإنجاز ذلك خلال أربع وعشرين ساعة.

وحرص الرئيس على قراءة النص الذي وجهه له جورج شولتز وزير الخارجية الأميركي، من خلال رئيس وزراء السويد ليكون واضحاً وبارزاً في إطار خطابه الذي يمكن تلخيصه بمبادرة السلام الفلسطينية.

وبالفعل أنجز الفريق عمله خلال أربع وعشرين ساعة، ودقق الرئيس النص، وأجرى تعديلاته على بعض المقاطع.

كان يقرأ النص بدقه متناهية ممسكاً بقلمه، مؤشراً بحبره الأحمر عند بعض الجمل وما ان أنهى التدقيق، حتى رفع رأسه ونظر إليّ قائلاً نريد ترجمة دقيقة، فالموضوع حساس.

أجبته فوراً لا يوجد أهم من طاقم ميد إيست ميرور في لندن لترجمته، فالطاقم دقيق وكفء ويقوده رجل رائع ويلمّ بكيفية مخاطبة الغرب إنه فواز ناجية وأستطيع أن أحمل الخطاب غداً إلى لندن، لترجمته بسرعة.

وبالفعل غادرت تونس إلى لندن حاملاً نص الخطاب كي تترجمه مؤسسة ميد إيست ميرور وتسلمت مسؤولية الإنجاز مشلين هزو التي كنت أطلق عليها لقب الجنرال لدقتها وكفاءتها ومتابعتها الحثيثة لإنجاز المهمات.

تم إنجاز العمل بشكل رائع وعدت إلى تونس حاملاً النص باللغة الإنجليزية والذي سيكون له الدفع الأكبر كون الترجمة دقيقة، ولا يوجد حيز للخطأ لدى طواقم الترجمة الفورية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي عقدت في 13/12/1988، في جنيف

أثناء وجودي في لندن اتصلت بالصديق جيفري أرشور، رئيس الحملة الانتخابية لرئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر.

والكاتب البريطاني المعروف والتقينا في بيته القريب من لندن، وحدثته حول مبادرة السلام التي سيطلقها الرئيس في جنيف في الثالث عشر من ديسمبر أبدى أرشور اهتماماً كبيرا.

واتصل فوراً برئيسة وزراء بريطانيا تاتشر وأبلغها ما قلته فكان جوابها: دعهم يرسلون لي الخطاب قبل إلقائه، وإن وجدته يصب في الاتجاه الصحيح سأكون أول من يؤيد ذلك.

وطلب مني جيفري أرشور أن أعطيه نسخة ليسلمها لرئيسة الوزراء البريطانية فأجبته بأن هذا مستحيل قبل أن يطلع الرئيس على النص ويعطي موافقته على إرسال نسخة للسيدة مارغريت تاتشر قبل إلقائه الخطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف.

وفي تونس تحرك بعض الذين لا يعرفون مدى أهمية ذلك، ليقنعوا الرئيس بأن إرسال الخطاب سيفسد المفاجأة ذهلت من هذا الموقف فما توصلت إليه مع السيد جيفري أرشور يتمناه الكثيرون من قادة العالم.

لكن القرار ليس قراري في نهاية الأمر إنه قرار الرئيس، الذي كان وما زال يزن الأمور بتفاصيل لا داعي لها، ويتردد في أخذ قرارات كهذه وينصت في آخر لحظه لمن يثير في نفسه وعقله المخاوف فهو يحاول دائماً أن يتجنب الخطأ مما يدفعه أحياناً لعدم اتخاذ قرار هام قد يؤثر على المسار لسنوات مقبلة.

وهكذا حصل. لم يرسل الخطاب فلم تبادر تاتشر لتأييده وكان لها من الوزن السياسي الكثير الكثير خاصة مع الإدارة الأميركية.

وبدأت الترتيبات للتوجه إلى جنيف.

ربما كانت جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف من أهم الجلسات في تاريخ الأمم المتحدة ارتباطاً بالشرق الأوسط.

فقد أعلن خلالها الرئيس ياسر عرفات مبادرة غير مسبوقة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقدم مقابل ذلك مساومة تاريخية بدا الرئيس ياسر عرفات نشطاً، تملؤه الحيوية، هذه هي شخصيته كان دائماً يمتلئ حيوية عندما يقدم على ما هو هام وخطير، ويتعلق بقضية شعبه، ويتحول إلى شعلة نشاط يتابع كل كبيرة وصغيرة، ويتحرك بسرعة عندما يشعر بأنه على وشك تحقيق انتصار ما، فالانتصار كان الحافز لديه دائماً.

كان يوم 13 ديسمبر بالنسبة له يوم انتصار، لأن الولايات المتحدة وعدت بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء حوار جدي معها حول سبل ووسائل إيجاد حل سياسي للصراع يؤدي للاستقرار وبناء السلام.

أصدر الرئيس أوامره لمجموعة كبيرة من المسؤولين بالتوجه إلى جنيف، ليصلوا قبله وليتابعوا التحضيرات والترتيبات الخاصة بإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمؤتمر الصحافي الذي رتب لعقده بعد جلسة الجمعية العامة.

سياسيون، إداريون، إعلاميون، مرافقون، جميعهم توجهوا إلى جنيف وكان المقر الذي اختير للرئيس والوفد المرافق هو فندق إنتركونتننتال.

توجهت إلى جنيف قبل يوم واحد من توجه الرئيس إليها كان ذلك في الحادي عشر من ديسمبر.

كانت الإجراءات الأمنية غير عادية بل فاقت ذلك فقد تغيرت معالم مدخل فندق الإنتركونتننتال من كثرة الأجهزة الإلكترونية، التي كان على الجميع أن يمر خلالها وأن يمرر حقائبه عبر أجهزة إشعاعية كاشفة وبعد أن مررت عبر هذه الآلات نظرت لبهو الفندق في الطابق الأول لأرى حشداً كبيراً جداً من الصحافيين والمصورين وكاميرات التلفزيون.

الجميع كان ينتظر ياسر عرفات.

إنه حدث كبير وستكون التغطية واسعة جداً ولا شك لدي من خبرتي الطويلة في هذا المجال أن كبرى محطات التلفزة الأميركية قد طلب منها التغطية الحية والمباشرة وأن مضمون ما سيطرحه الرئيس ياسر عرفات قد سرب لمديريها.

وعندما اتجهت نحو المصعد متوجهاً إلى غرفتي اندفع نحوي عدد من الصحافيين ومراسلي التلفزيون ليسألوا عن موعد وصول الرئيس؟ فقلت لهم سيصل غداً لكن لا أحد يعلم ساعة وصوله بالضبط.

وهذا صحيح، فالمسؤول الأول عن أمن تحركات ياسر عرفات، هو عرفات نفسه وكان يبقي القرار بينه وبين نفسه، حتى ساعة الإقلاع نحو هدفه.

الطابق 14في فندق إنتركونتننتال كان مخصصاً لياسر عرفات وطاقمه والوفد المرافق له عندما وصلت للطابق وفتح باب المصعد فوجئت بعدد كبير من رجال الأمن السويسريين، إلى جانب عدد من رجال الأمن الفلسطيني الذين حيوني وطلبوا من الأمن السويسري عدم الاعتراض فتوجهت إلى غرفتي التي كانت قريبة من جناح الرئيس.

أفرغت حقيبتي على عجل وعدت نحو المصعد أحمل ملفي ودفتر ملاحظاتي، وهبطت مرة أخرى لبهو الفندق.

كانت خطوتي الأولى هي الاستفسار من مسؤولي الاستقبال عن غرف الوفد السويدي فقد كانت مهمتي الأولى أن أبقى على اتصال بهم لمتابعة واشنطن كان الاتصال بواشنطن حلقة مركزية ذلك من أجل ضمان تنفيذ التعهد الأميركي بالاعتراف والحوار مع المنظمة بعد نصف ساعة من خطاب الرئيس هذا ما وعد به جورج شولتز وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك.

اتصلت بالوفد السويدي وأبلغتهم رقم غرفتي واتفقنا أن نلتقي مساء ذلك اليوم لترتيب التنسيق والتحرك السياسي.

وكانت خطوتي الثانية هي الاستفسار عن غرفة السيدة مشلين هزو التي وصلت جنيف لتمثيل مؤسسة ميد إيست ميرور التي قامت بترجمة خطاب الرئيس.

في المساء أنهيت اجتماعي التنسيق واتفقنا خلالهما على جدول أعمال ومواعيد محددة ليومي الثالث عشر موعد إلقاء الخطاب والرابع عشر من ديسمبر، لمتابعة النتائج.

كان الليل طويلاً ومنهكاً فقد أجريت خلاله مناظرات تلفزيونية حية مع عدد كبير من السياسيين حول البرنامج الجديد لمنظمة التحرير الفلسطينية وكانت أهم مناظرة في تلك الليلة هي التي دارت بيني وبين بنيامين نتنياهو الذي اتهم منظمة التحرير الفلسطينية بالإرهاب كانت المناظرة عبر أهم برامج شبكة تلفزيونية ايبيسي وهو برنامج نايت لاين الذي يقدمه المذيع التلفزيوني المعروف تيد كوبل.

وقد أسقط في يد نتنياهو عندما سمع المشاهدون برنامجنا لإقامة سلام وحل الدولتين وتحول برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الجديد إلى نقطة تركيز الإعلام العالمي بأسره، كان الاهتمام حقيقياً وليس مصطنعاً كان ذلك واضحاً أيضاً من مستوى وفود الدول والأعضاء في الأمم المتحدة.

وصل الرئيس ياسر عرفات ظهر اليوم التالي وتوجه إلى جناحه الذي بدأت تتوافد عليه شخصيات سياسية عربية، ودولية، وفلسطينية، كذلك حضر عدد كبير من رجال الأعمال الفلسطينيين ومنهم حسيب صباغ ومنيب المصري فالكل كان ينظر للمناسبة بمقدار أهميتها الخاصة والتاريخية.

وفي ظل ذلك الازدحام همس الرئيس في أذني هل وصل السويديون؟ كان هذا بالنسبة له هو الأهم.

وأبلغته أنني اتفقت معهم، وأنهم سيكونون على اتصال دائم معي فاطمأن الرئيس، الذي كانت تبدو عليه في تلك اللحظة علامات توتر بسيط.

طلب أحدهم نسخة من الخطاب ليطلع عليه، فأمر الرئيس بإعطائه نسخة.

مساءً جاء ذلك الرجل ليقول للرئيس إنه يفضل أن يوزع الجمل الثلاث التي طلبها شولتز على فصول الخطاب بدلاً من سردها بفقرة واحدة وساق حجة هي تخفيف وقع ذلك على الشعب الفلسطيني ودار نقاش حول هذا الاقتراح.

وقرر الرئيس أن يذكر البنود الثلاثة ضمن ثلاث فقرات وليس ضمن فقرة واحدة وعندما سنحت الفرصة أبلغته أن ذلك خطأ إذ إن الإدارة الأميركية تنتظر سماع هذه الفقرة فقط وأنها ستدرس الخطاب لاحقاً وأن رد الفعل المتوقع لن يأتي إلّا إذا سمع شولتز الفقرة كاملة وانني لا أتوقع من شولتز أن يجلس أمام شاشة التلفزيون ليسمع الخطاب كاملاً.

رغم اهتمامه لم يأخذ الرئيس بما قلته.

في الثالث عشر من ديسمبر توجه الرئيس في موكب من فندق انتركونتننتال إلى مقر الأمم المتحدة القريب ولم أتوجه معه بل بقيت أراقب ما تبثه المحطات العالمية كان بثاً حياً لكامل النص.

وُدع الرئيس كما استقبل من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصفيق وقوفاً كانت الجمعية العامة قد قاطعته بالتصفيق عدة مرات لكنهم ودعوه بالتصفيق وقوفاً لمدة دقيقة.

لقد أظهر العالم من خلال مندوبيه مدى التأييد الذي حظي به برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الجديد واقتراحها حل الدولتين وإقامة سلام بين الدولة الفلسطينية ودولة إسرائيل، مستنداً إلى تطبيق قرارات الشرعية الدولية.

وعاد الرئيس إلى جناحه ينتظر رد الفعل يحيط به عدد كبير من رجال الأعمال والشخصيات الفلسطينية، جلس يتابع حديث المحيطين به مبدياً اهتماماً، لكنه في حقيقة الأمر كان قلقاً كنت أراقبه من بعيد كان ينظر لمن حوله لكنه يفكر بواشنطن والموقف الموعود لكن التوتر ظهر عليه جلياً وظهر اليأس على الجميع عندما مضت نصف ساعة دون أي خبر عن موقف أعلنه شولتز توجهت إلى غرفتي فوراً، حيث كان ينتظرني الوفد السويدي ومشلين هزو.

سألتهم ماذا جرى؟ لماذا لم يعلن شولتز ما تعهد بإعلانه؟

أجابت المسؤولة السويدية لننتظر نصف ساعة أخرى فأجبتها بأن لا داعي لذلك لأن شولتز أكد أنه سيبث الموقف من خلال التلفزيون، وها هي الشاشات صامته وطلبت منها الاتصال لمعرفة ماذا جرى؟

عدت إلى جناح الرئيس القريب على عجل، بعد أن بدأت المسؤولة السويدية تجري اتصالاتها.

كان الجناح ممتلئاً بالزوار تفرقوا مجموعات صغيرة يناقشون الأمر لم يكن الرئيس في الصالون سألت المرافقين، فقالوا إنه يجري اتصالات من غرفة مكتبه بالجناح، وعلمت فيما بعد أنه أجرى اتصالات مع عدد من القادة العرب ليبلغهم بما جرى فطلب منهم التحرك سياسياً كي لا تضيع الفرصة.

أرهق الجميع وخلصت المناقشات والتحليلات إلى ضرورة كشف كل ما جرى في المؤتمر الصحافي المقرر. كانت صدمة كبيرة. الجميع صدم، لكن الذي تلقى الصدمة الأكبر كان الرئيس، فاستنفر قواه مرة أخرى.

في غرفتي جلس السويديون وقالوا إنهم يعتقدون في واشنطن أن ياسر عرفات لم يذكر في خطابه ما سبق أن اتفق على ذكره.

وبرزت بذهني فوراً اقتراحات ذلك الرجل لتوزيع الجمل الثلاث بدلاً من ذكرها بفقرة واحدة لا بد أن الخلل كان هنا.

كانت مشلين هزو تحمل معها جهاز فاكس صغيراً يمكن تركيبه بسهولة على أي جهاز تليفون فأبرزته وسألت إن كنت بحاجة إليه كانت فكرة جيدة طلبت من الوفد السويدي أن يطلبوا من واشنطن عبر الفاكس إبلاغهم بما يريدونه وينتظرونه بالضبط، لأن هنالك فرصة أخرى لإصلاح أي خطأ أو سوء تفاهم خلال المؤتمر الصحافي.

طالت الاتصالات، لكن في نهاية الأمر سمعنا صوت فاكس يعلن عن وصول ورقة. الورقة كانت تحمل الفقرة نفسها ذات البنود الثلاثة.

تأكد، دون شك، أن هذه هي المشكلة وأن سوء التفاهم برز عندما لم يتابع الأميركيون كامل الخطاب حتى يتأكدوا من ورود الجمل الثلاث ضمنه، التي وردت لكن موزعة بدلاً من أن ترد في فقرة واحدة.

وأبلغ الرئيس، الذي حرص في المؤتمر الصحافي على قراءة الفقرة ببنودها بالتتابع وليس بالمفرق.

انتهى المؤتمر الصحافي وعاد الرئيس للفندق قرر مغادرة جنيف فوراً، وهو يعلم أن الأميركيين سيعلمون انه غادر غاضباً لم ينتظر الرد الأميركي هذه المرة بل قرر التوجه لتونس وطلب من الوفد المتابعة وإبلاغه عن كل جديد.

عدت إلى غرفتي، وإذا بالهاتف يرن كانت المتكلمة صديقة أميركية قديمة مقربة جداً من الوزير شولتز.

قالت لي بسام، بعد نصف ساعة سيدلي شولتز ببيان مهم وأتبعتْ ذلك بكلمة عربية مبروك توجهت فوراً لجناح الأخ جمال الصوراني، حيث تجمع عدد من أعضاء الوفد مطرقي الرؤوس، غاضبين أسرعت نحو جهاز التلفزيون وبحثت عن محطة «سي. ان. ان» فصرخ جمال الصوراني هل هذا وقت تلفزيون؟ فقلت له ألا تريد أن تسمع ما يريد أن يقوله شولتز.

أجابني بسخرية أما زلت تثق بواشنطن؟ لن يقول شولتز شيئاً.

أجبته بهدوء بل سيقول، واقترح عليك أن تحضر نفسك لنحتفل بالانتصار. لفت كلامي انتباه أعضاء الوفد، وسأل بعضهم هل أنت متأكد؟ فأخبرتهم عن الاتصال الهاتفي الذي تلقيته قبل دقائق.

فسألني جمال الصوراني ومن هي هذه الأميركية؟ هل هي من وزارة الخارجية؟

فقلت له كلا إنها جوديت كيبر وهي رئيسة معهد دراسات له علاقة بالخارجية الأميركية وقريبة من جورج شولتز وبقي الجميع بين المشكك والمتمني إلى أن أعلن أن هنالك بياناً مهماً سيدلي به شولتز وزير الخارجية الأميركي.

وبالفعل ظهر جورج شولتز وأعلن اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء حوار جاد معها حول سبل ووسائل إيجاد تسوية سياسية، تشكل أساساً لصنع السلام في الشرق الأوسط.

وارتفع الصراخ والضحك في جناح جمال الصوراني وقلت له لنحتفل إذاً يا صديقي. أجابني: كنت على حق رغم أنني لم أصدق ما قلته أبلغنا تونس بأن يبلغوا الخبر للرئيس لحظة وصوله المطار وأن يباركوا له بهذا الانتصار السياسي.

كلف وزير الخارجية الأميركية آنذاك سفير الولايات المتحدة في تونس روبرت بيليترو بالشروع في الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية، وهكذا استعاد عرفات فرصة تاريخية بعد أن كادت تفلت من يديه.

بقيت في جنيف يومين لمتابعة ردود الفعل وإجراء اللازم لإعطاء هذا التطور المهم زخمه الإعلامي وما إن وصلت إلى تونس، حتى توجهت من المطار مباشرة إلى مكتب الرئيس في منطقة يوغورتا

فقال لي:

كنت على حق لقد ظننت أنهم سيتابعون الخطاب كاملاً نظر إليّ وقال بالطبع لا أنا أستلم ملخصاً وأقرأه فابتسمت وغادرت مكتبه متوجهاً لمكتبي.

في بداية عام اتصلت بي كرمة النابلسي من لندن وحثتني على زيارة لندن ووصفت الأجواء العامة في إطار البرلمانيين وبعض المسؤولين في الخارجية البريطانية بأنها إيجابية جداً، ومستعدة للتعامل الإيجابي مع المنظمة.

كرمة النابلسي سيدة فلسطينية متوقدة الحماسة لقضيتها، وكانت في تلك الفترة تعمل مستشارة للإعلام والعلاقات العامة في مكتب متف في لندن.

سألتها عدة أسئلة لتحديد النواحي الإيجابية، وما يمكن أن يترجم عملياً أو ينجز في حال توجهت إلى لندن.

تحدثت عن برلمانيين وعن الجمعيات اليهودية الإنجليزية وعن مسؤولين في وزارة الخارجية: كان هذا مشجعاً فقد كنا نعمل دون كلل لتحقيق انتصارات سياسية وإعلامية وإن كانت صغيرة.

وعدتها بأن أفكر بالأمر وأن أبحثه مع الرئيس وأن اتصل بها لاحقاً لبحث التفاصيل.

لمست كرمة أنني غير متحمس لأنني أسعى لانتصار سياسي أكبر وعلمت لاحقا أنها بحثت هذا الموضوع مع يوسف علان الذي كان حلقة وصل بين النقابات العمالية الفلسطينية، والنقابات العمالية الانجليزية لسنوات عديدة، تمكن خلالها من نسج علاقات غاية في الأهمية مع نواب حزب العمال البريطاني في البرلمان، ومع أطر سياسية متنفذة ومهتمة بالشرق الأوسط.

فاتصل بي هو الآخر وراح يستحثني على القيام بتلك الزيارة وحدد نمط اللقاءات التي يمكن أن يرتبها مع نقابات العمال، ومع نواب حزب العمال في البرلمان، ومع لجان برلمانية لها صلة بالسياسة الخارجية، وبالشرق الأوسط، ومع الشخصيات البريطانية الهامة وسألته بشكل مباشر هل يمكن ترتيب لقاء مع وزير الخارجية أو وزير الدولة للشؤون الخارجية.

صمت يوسف علان ثواني معدودة ثم عاد ليقول باندفاع سأعمل على ذلك وأنا متأكد أنني سأنجح في ترتيبه.

فأجبته إذا تمكنت من ذلك سأحضر إلى لندن فوراً وسأقوم بكل النشاطات الأخرى.

فوعد بالاتصال بي مرة ثانية حالما يحصل على نتيجة محددة لاتصالاته التي سيتابعها فوراً.

اتصل يوسف علان وإلى جانبه كرمة النابلسي بعد يومين وقال تم ترتيب الأمر سوف يلتقي بك وزير الدولة للشؤون الخارجية وليم والدغريف عندما تحضر إلى لندن.

كررت السؤال هل أنت متأكد؟

أكثر من مرة وفي كل مرة كان يؤكد لي ذلك فقلت له إذاً سوف أتوجه إلى لندن وسوف أبلغك حال حصولي على التأشيرة حتى يتم تحديد الموعد.

أرسلت جواز سفري للقنصلية البريطانية في تونس للحصول على تأشيرة بطريقة عادية كأي مواطن.

عاد مرافقي الذي حمل الجواز للقنصلية البريطانية ليقول إنهم يسألون ما هو الغرض من الزيارة.

فاتصلت بالقنصل وقلت له إنها زيارة عادية لعدة أيام لدي أصدقاء وزملاء في لندن أريد رؤيتهم.

فقال حسناً، سوف نطلب لك التأشيرة وفي الواقع لم يطلب التأشيرة بل حول طلبي وجواز سفري للسفير البريطاني لدى تونس داي الذي كان في الستينات أثناء الاحتلال البريطاني لليمن الجنوبي حاكماً بريطانياً في اليمن.

السفارة والقنصلية البريطانيتان، كانتا تحتلان مبنى قديماً جداً في تونس القديمة وسط المدينة وكان منزل السفير في ضاحية قمرت عبارة عن قصر قديم، رائع الجمال يمر القطار عند أطراف حديقته، ولمنزل السفير محطة قطار خاصة، أنشئت أثناء الاحتلال الفرنسي كي ينتقل السفير إلى مقر السفارة في البلدة القديمة.

في تلك الأيام كنت أسكن في شقة صغيرة، جزء من منزل أخ تونسي يقطن هو وعائلته الطابق الأرضي منه.

وكان ذلك المنزل قريباً من منزل سفير بريطانيا لدى تونس.

هاتفني السفير البريطاني قائلاً لا يمكن أن ينظر لطلبك للحصول على تأشيرة كطلب عادي فأنت مسؤول سياسي في متف وطلبت مني لندن أن أستفسر منك عن سبب الزيارة.

ودعاني لتناول الفطور معه في بيته بعد أن علم مني أنني ساكن بجوار قصره في السابعة صباحاً تناولت الفطور على شرفة قصره.

حاول أن يفهم مني أهداف سفري لأنه لم يكن مقتنعاً بأنني ذاهب إلى لندن في زيارة شخصية وعادية.

وفجأة قال السفير داي هل لديك مانع من الالتقاء بمسؤولين من الخارجية البريطانية في لندن؟

كان ذلك سؤالاً مباشراً، وهو ما طلب منه أن يستفسر عنه، لكنه لف ودار إلى أن اقتنع بأن عليه أن يطرح السؤال مباشرة.

أجبته بسرعة سأكون سعيداً أن ألتقي بالوزير.

وساد صمت.

تابعت قولي طبعاً إلى جانب مسؤولين آخرين متخصصين في الشرق الأوسط نظر السفير داي إليّ ملياً وأنا أشرب الشاي الإنجليزي بهدوء وقال هذا مثير للاهتمام سوف أرى سوف أرى بعد ظهر اليوم نفسه اتصل بي وقال إن التأشيرة جاهزة وجواز سفرك جاهز ولكن أعتقد أنك لن تتمكن من السفر اليوم هنالك منع تجول بسبب زيارة العقيد معمر القذافي لتونس ولا يمكنك الوصول للمطار.

أجبته ضاحكاً هذه مشكلتي أنا وليست مشكلتك سوف أسافر اليوم

وطرت إلى لندن مساء ذلك اليوم.

وصلت مطار هيثرو بلندن وكانت كرمة النابلسي وإلى جانبها يوسف علان بالانتظار، وتوجهنا مباشرة إلى فندق غروفنرز.

وسألت كرمة ضاحكة وهي صديقة منذ حصار بيروت لماذا تصر على فندق غروفنرز؟ هنالك فنادق أفضل وأقرب لوزارة الخارجية ابتسمت وقلت لها إنه الفندق الذي نزل فيه شمعون بيريز لإجراء مباحثات مع وزير الخارجية.

وصلنا الفندق وتوجهنا للغرفة وجلسنا لالتقاط الأنفاس ولأستمع منهما عما لديهما من تفاصيل جديدة.

وقبل أن يبدأ بالحديث، اتصلت بسفيرنا فيصل عويضة وأبلغته أنني وصلت وأنني أنزل في فندق غروفنرز، وذكرت له رقم الغرفة.

قال يوسف علان رتبت كل شيء تقريباً هنالك بعض اللقاءات التي لم يحدد موعدها بعد ولكن سيتم ذلك اليوم.

وقلت فوراً ماذا عن وزير الخارجية؟

قالت كرمة النابلسي: غداً في العاشرة والنصف صباحاً سيحضر إلى الفندق مدير الشرق الأوسط بالخارجية ليرافقك لوزارة الخارجية لتلتقي بالوزير في الموعد المحدد وهو الحادية عشرة صباحاً.

قلت: رائع هكذا تبدأ الزيارة بالنجاح وتابعا إبلاغي عن المواعيد مع الجمعيات اليهودية البريطانية وزيارة البرلمان البريطاني لألتقي بنواب من حزب العمال واللجان المتخصصة.

في العاشرة صباحاً اتصلت بالرئيس وأبلغته عن اللقاء المرتقب مع الوزير فقال لي:

ستكون هذه سابقة وفاتحة خير، وأعتمد عليك.

وأبلغته عن مضمون محادثتي مع السفير وأن كرمة النابلسي ويوسف علان سيتوجهان معي إلى الخارجية لحضور اللقاء فقال على بركة الله.

في العاشرة والنصف حضر مسؤول من الخارجية البريطانية ألن غولتي ليرافقني للخارجية قمنا بواجب الضيافة وتوجهنا للخارجية، كنت قد طلبت من يوسف علان استئجار سيارة رسمية مع سائق ليقلنا للخارجية ويعيدنا منها.

أبلغ السائق أن عليه أن يكون أمام باب الوزارة في الحادية عشرة أو قبل ذلك بقليل كنا هناك في الوقت المناسب، وقادنا ألن نحو مكتب الوزير والدغريف.

تصافحنا وقمت بتعريف كرمة النابلسي ويوسف علان، وقام هو بتعريف سير دافيد غوربوث وسيمون فريزر الشرق الأوسط وأضاف طبعاً تعرفت إلى ألن.

وجلسنا متقابلين إلى طاولة الاجتماعات وجلس الجميع لم يُطل والدغريف الكلام لكنه ركز على اهتمام لندن الشديد بالبرنامج السياسي الجديد الذي تبناه المجلس الوطني وأن هنالك قراراً بتطوير علاقة بريطانيا بمنظمة التحرير وأن هذا اللقاء الأول من نوعه على مستوى وزاري.

وراح يقرأ من ورقة مطبوعة كانت في ملفه فقرة سياسية واحدة تتحدث عن نبذ المنظمة للعنف وحق إسرائيل في العيش بأمان وخلف حدود آمنة ومعترف بها، وأن المفاوضات هي السبيل لإيجاد حل سياسي للصراع في الشرق الأوسط لخلق الاستقرار وصنع السلام.

بعد أن أنهى قراءة الفقرة قال إذا وافقت على إعلان هذه الفقرة على الرأي العام فإني بدوري سوف أعلن ما يلي وتناول ورقة أخرى من ملفه وقرأ ما مضمونه.

أنه بناء على هذا الموقف الإيجابي من المنظمة فإن حكومة جلالة الملكة قررت الاعتراف بالمنظمة والتعامل معها من أجل السلام في الشرق الأوسط آخذة بعين الاعتبار قرارات الشرعية الدولية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

فقلت له عندي ملاحظة واحدة فقط.

فقال تفضل فقلت من الضروري ذكر الدولة الفلسطينية المستقلة.

فنظر فوراً إلى ألن الذي هبّ واقفاً وغادر الغرفة.

فيما بعد عرفت أن ألن كان عين وآذان رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر في ذلك الاجتماع عاد ألن بعد دقيقتين ونظر إلى الوزير، الذي قال تفضل أن تبقى الصيغة كما هي.

فسألت ما هي وسيلة الإعلان عن ذلك؟

فقال لقد رتبنا مؤتمراً صحافياً على مدخل الوزارة وفي حال موافقتك سنتوجه سوياً لملاقاتهم، كل منا يقرأ الجزء المتعلق به.

فقلت له أنا موافق لنذهب.

هبطنا للطابق الأرضي وفتح باب الوزارة لنواجه حشداً من الصحافيين والمراسلين، دعاني الوزير والدغريف إلى البدء بالإعلان وكانت لفتة مهذبة وفي الوقت نفسه كانت تحفظاً، انتظاراً لسماع كل كلمة في تلك الورقة.

شكرته وتقدمت خطوة، ثم طويت الورقة ووضعتها في جيبي نظر إليّ الوزير ويكاد الرعب يملأ عينيه لم أعر ذلك اهتماماً وبدأت بشكر الوزير والحكومة البريطانية على إتاحة الفرصة للمنظمة بلقاء على مستوى وزاري، وأننا نأمل في تطوير العلاقة من أجل السلام في الشرق الأوسط، وحددت النقاط الثلاث الواردة في الورقة بلغتي أنا وليس بلغتهم هم.

وعندما وصلت إلى نقطة حق إسرائيل بالعيش بسلام وخلق حدود آمنة قلت للصحافيين بطبيعة الحال هذا هو أيضاً حق لكافة دول المنطقة بما في ذلك إسرائيل والدولة الفلسطينية القادمة والتي ستعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل بسلام.

بعدما أنهيت كلامي قرأ الوزير فقرته وعدنا للداخل عندها أمسك الوزير بذراعي وقال: لقد أخفتني عندما وضعت الورقة في جيبك لكنك ذكرتها أفضل مما وضعناها. ابتسمت وقلت له وأدخلت الدولة الفلسطينية المستقلة ابتسم هو بدوره وقال ولكن بطريقة دبلوماسية جيدة.