في التاسع والعشرين من شهر نوفمبر 1987 عقدت الحكومة الإسرائيلية الائتلافية اجتماعاً برئاسة رئيس الوزراء آنذاك شامير وكان حزب العمل مؤتلفاً معه وشغل حينها إسحق رابين منصب وزير الدفاع.
جدول أعمال الاجتماع الوزاري كان بنداً واحداً: ما هو النهج الذي يجب على إسرائيل اتباعه إزاء تفاقم خطورة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة والضفة الغربية).
فقد ولد قمع قوات الاحتلال للفلسطينيين وسوء الأحوال الاقتصادية حالة من الغليان عبرت عن نفسها بمظاهرات وإضرابات وصدامات مع جنود الاحتلال وكانت تلك الهبّات التي تكاثرت يوماً بعد يوم هبات في مناطق متفرقة فيومَ يخرج أهالي نابلس مثلاً بمظاهرات حاشدة.
تليها مظاهرات حاشدة بعد يومين في مدينة غزة، لتليها بعد أسبوع مظاهرة في مدينة رام الله لكن السمة العامة للوضع أوحت للحكومة الإسرائيلية بأن خطراً داهماً يتبلور وعليه كان على الحكومة أن تناقش كيفية مواجهة هذه الهبّات الجماهيرية المتفرقة، التي قد تتحول إلى هبة واحدة في كل مكان من الضفة وغزة، مما يضع إسرائيل وقوات الاحتلال في مأزق.
في ذلك الاجتماع الوزاري طرح نهجان للمواجهة، نهج القبضة الحديدية ونهج الانسحاب من المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان تفادياً للخسائر، وإحكاماً لقبضة إسرائيل على هذه المناطق من حدودها الخارجية، دون أن يكلف ذلك إسرائيل خسائر بشرية.
تلك الليلة كنت أرافق الرئيس في زيارة له لليمن، وفيما انكبّ هو يطالع بريده الضخم، انهمكت بمتابعة ذلك الاجتماع، سواء من حيث وجهات النظر التي طرحت أو من حيث القرار الذي ستتخذه الحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية مواجهة الهبّات الجماهيرية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة.
كان شمعون بيريز الوزير بوزارة شامير يقترح إخراج القوات الإسرائيلية من المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية، فيما اقترح شامير ووزراء الليكود اتباع سياسة القبضة الحديدية لقمع المظاهرات وإخماد الهبات الجماهيرية.
* القبضة الحديدية
عند منتصف الليل بثت إذاعة إسرائيل خبراً مفاده أن الحكومة الإسرائيلية قررت استخدام القبضة الحديدية لمواجهة الهبات الجماهيرية في قطاع غزة والضفة الغربية، وأن المجلس كلف وزير الدفاع باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتطبيق القرار.
أسرعت نحو مكتب الرئيس وأبلغته بقرار الحكومة الإسرائيلية نظر إليّ مفكراً فسارعت بالقول: إن هذا يعني المواجهة الشاملة.
هز رأسه موافقاً فسألته ألا تعتقد أن تنسيق العمل الجماهيري في كل مكان في آن سيصعّب الأمر على حكومة شامير؟
أجاب هذا صحيح ولكن هل يتحمل شعبنا ذلك؟ فمثل هذه المواجهة الشاملة تتطلب إعداداً وتحضيراً إذ قد تعني المواجهات عدم ذهاب المواطنين إلى أعمالهم أي أن يجوعوا، الموضوع كبير وحسّاس وعلينا أن نزن الأمور بدقة وعلينا استشارة الإخوة في الداخل.
أجرى الرئيس عدة اتصالات بإخوة لنا في قطاع غزة والضفة الغربية مستفسراً منهم عن الوضع وإمكانيات الدفاع عن النفس بعد قرار الحكومة الإسرائيلية.
استنفر الرئيس قواه كعادته عندما يواجه أمراً مهماً أو خطيراً، واستدعى قبطان الطائرة وأصدر له تعليمات بأن يكون جاهزاً هو والطائرة في صباح اليوم التالي.
فقد قرر الرئيس مغادرة صنعاء والتوجه إلى مكان آخر ليتابع هذا التطور الخطير واستدعى أبا فراس ـ أحد مساعديه المقربين جداً ـ وطلب منه إبلاغ أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن يستعدّوا للسفر في اليوم التالي لحضور اجتماع مهم وطارئ للقيادة الفلسطينية وأنهم سيبلغون بوجهة السفر غداً صباحاً.
وانكبّ على تل من الأوراق يتابع قراءتها، ويدوّن ملاحظاته أو تعليماته أو أوامره على كل واحدة منها.جلست أراقبه كنت شبه متأكد من أن عقله كان يحسب.
ويخطط في الوقت نفسه الذي كان يقرأ فيه البريد، إنها تطورات خطيرة وقد تكون حاسمة وقد تشكل فرصة لنهوض وطني جديد بعد كل المعارك التي خاضها منذ غزو الجيش الإسرائيلي للبنان في يونيو من العام، مروراً بمعارك طرابلس لبنان، وخروجه منها ومعارك مخيمات بيروت في العامين 1984 و1985.
وفي صبيحة اليوم التالي توجهنا لمطار صنعاء وكان كل شيء جاهزاً في المطار، أبلغ الرئيس قبطان الطائرة بأننا سنتوجه إلى بغداد وبدون أي رسميات سرنا نحو الطائرة التي سرعان ما أقلعت باتجاه بغدا راح ينظر من النافذة نحو السماء مفكراً، ثم راح يهز ساقه اليمنى، وكان ذلك تعبيراً عن قلق يشعر به فقد كانت هذه عادته عندما يشعر بالقلق ويستغرق في التفكير .
وفجأة ارتدّت عيناه عن النافذة وأوقف هز ساقه وطلب من الإخوة المرافقين إحضار ملفاته وضعت الملفات أمامه على الطاولة الصغيرة وانكب مرة أخرى على الأوراق قراءة وتعليقاً وتعليمات واستمر على هذا النحو حتى أعلن القبطان أننا سنهبط في مطار بغداد.
كنت متأكداً مرة أخرى أن عقله كان منصباً على التفكير بأبعاد القرار الإسرائيلي، طوى الملفات وسلمها للإخوة المرافقين وشد حزام الأمان وأغمض عينيه باسترخاء عميق.وتوجهنا فوراً نحو الفيلا التي كانت مخصصة للرئيس لتكون مكتباً ومنامة في منطقة الجادرية ببغداد.
صافح الرئيس الموجودين وتوجه فوراً لمكتبه وكأنه لا توجد لديه لحظة للإضاعة، وأصدر تعليماته لإبلاغ أعضاء القيادة للتوجه فوراً إلى بغداد وتم تنفيذ الأمر.
توجهت إلى غرفة المكتب الصغيرة المجاورة لمكتب الرئيس ولحق بي على الفور بعض الإخوة، ضباط ومدنيين يسألون ماذا حصل؟
ما الذي يقلق الرئيس لقد لمس كل واحد منهم أن الرئيس كان في حالة استنفار ذهني ويتصرف كأن الحرب على الأبواب.
فقلت لهم إنه قرار الحكومة الإسرائيلية بشن الحرب على الشعب الفلسطيني، وهو تطور خطير والرئيس يفكر في السبيل الأنجع لمواجهة هذه التطورات الخطيرة، لذلك دعا لاجتماع عاجل للقيادة.
نظر بعضهم إلى بعض راغباً بمزيد من الشرح فشرحت لهم باقتضاب الأبعاد المحتملة لقرار الحكومة الإسرائيلية إتباع سياسية القبضة الحديدية في مواجهة غليان الشارع الفلسطيني.بعد أن تأكد الرئيس من كل الترتيبات لاجتماع القيادة الطارئ طلب الملفات وانكب مرة أخرى على الأوراق.
مركزية القرار كانت الصفة الغالبة على عمل منظمة التحرير الفلسطينية، ولذلك تمتلئ ملفات الرئيس بالرسائل والمذكرات والتقارير الواردة من كل دوائر منظمة التحرير الفلسطينية ومن سفاراتها في العالم ومن الدوائر المحيطة بمكتب الرئيس كما تمتلئ بالطلبات والشكاوى ورسائل من كل الأنحاء تطلب من الرئيس الموافقة على صرف مساعدات استثنائية لقرى أو مدن أو لعائلات متضررة.
أسلوب العمل هذا كان يستهلك جزءاً كبيراً من وقت الرئيس لكنه كان يحرص على إعطاء المزيد من الجهد وفي كثير من الأحيان حتى ساعات الفجر الأولى حتى لا تتأخر الردود على كل ما ورد له من شتى أنحاء العالم ولا سيما من الأرض المحتلة.
لكن هذه المركزية الشديدة كانت لها سلبياتها الكثيرة أيضاً، ما عرقل في بعض الأحيان عمل بعض الدوائر.
كانت زيارات الرئيس للعديد من الدول فرصة للجالية الفلسطينية، أو للسفارات أو المؤسسات الفلسطينية، إذ يتوافد جميع من لديهم طلبات على مقر الرئيس للحصول على توقيعه الفوري بدلاً من توجيه تلك الطلبات عبر القنوات العادية التي كانت تستهلك وقتاً طويلاً وثميناً.ورغم العقبات والتأخير التي سببها الأسلوب المركزي، استمر أسلوب العمل على ما هو عليه.
في تلك الأثناء كنت قد شرعت في قراءة تقرير خاص كتبه اللورد ونتشلسي ووجّهه لرئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، حذر فيه من خطط الحكومة الإسرائيلية لارتكاب مجازر ضد الفلسطينيين وخصوصاً في قطاع غزة وطالبها بالعمل على منع هذه المجازر بكل السبل الممكنة.
كان التقرير دقيقاً وخطيراً لذلك قمت باستعراضه بشكل سريع أمام الرئيس واقترحت الاتصال باللورد البريطاني لشكره أولاً على تنبيهه من مجازر تخطط لها الحكومة الإسرائيلية، وللحصول على أية معلومات لم ترد في تقريره.
وتم ذلك وشعر الرئيس مجدداً بحساسية الأمر وخطورته وراح يفكر استند إلى كرسيه ينظر للحديقة عبر نافذة مكتبه وبعد لحظات استدار مرة أخرى وانكب على الأوراق وكأنه يريد أن ينهي هذه الملفات قبل أن يبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة الدفاع عن النفس في وجه الهجمات الإسرائيلية المنتظرة فقد كانت مهمة من نوع آخر.
في ساعات الظهيرة تناول الغداء كان يأكل من دون شهيه تذكر وأنهى الوجبة بسرعة وانسحب نحو غرفة نومه.
هذه عادة الرئيس التي لا تتغير، إذ لا بد له من أخذ قسط من الراحة بعد تناول الغداء، قيلولة ليستمد منها نشاطاً مجدداً لمتابعة العمل حتى ساعات الفجروانصرف الجميع وساد الهدوء.
الرئيس ياسر عرفات يكره البرد ويستلذ بالدفء وعندما ينام يحرص على أن يتغطى بعدة بطانيات حتى في أيام الصيف وكان يقول دائماً إن هذا هو النوم الصحي.
وكنا نعاني في كثير من الحالات عندما يأمر بوقف عمل المكيفات، في الأيام ذات الحرارة العالية التي لا تطاق خاصة في مدينة بغداد خلال أشهر الصيف كان ذلك يتم فقط عندما يخلد للنوم أو للراحة في غرفة نومه أما أثناء ساعات العمل فقد كانت أجهزة التكييف تعمل المهم لديه الدفء أثناء نومه.
مع ساعات المساء الأولى بدأ أعضاء اللجنة التنفيذية بالوصول إلى مقر الرئيس كل من البلد الذي يقيم فيه، أو كان يتابع مهمة فيه
والتأم شمل اللجنة التنفيذية ليلاً حوالي التاسعة وافتتح الرئيس الاجتماع بتلخيص آخر التطورات السياسية، مركزاً على قرار الحكومة الإسرائيلية، طالباً من اللجنة التنفيذية أن تبحث في ما يمكن فعله لمواجهة المخاطر.
ودار نقاش طويل كالعادة وأدلى أعضاء القيادة كل بتحليله وأفكاره بعد منتصف الليل بقليل اقترح الرئيس تشكيل لجنة لوضع برنامج عمل سياسي وإعلامي وميداني لمواجهة الموقف.
وشكلت اللجنة بعد موافقة اللجنة التنفيذية واتفق على عقد اجتماع صباحي لبحث الأفكار والاقتراحات التي ستضعها اللجنة وغادر الجميع كل إلى الفندق الذي ينزل فيه وتابع الرئيس عمله حتى الفجر لم يطل انتظار الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ قرارها، فقد بدأت عدوانها على الشعب الفلسطيني في اليوم التالي أي بداية شهر ديسمبر 1987.
وصعّدت من بطشها بشكل متدرج بعد أن دفعت نحو الضفة الغربية وقطاع غزة تعزيزات عسكرية ضخمة شملت الدبابات والآليات والجنود خلال ذلك كان الرئيس منهمكاً في ترتيب اللجان التي ستتابع المواجهة وغرف العمليات المختلفة سواء في بعض البلدان العربية أو الأوروبية وأقام شبكة اتصالات واسعة لربط كل مناطق الضفة والقطاع بالقيادة خارج فلسطين.
وبدأت التقارير تصله تباعاً. ولم يفصل بعضها عن بعض، أحياناً، سوى دقائق كان يلم بكل تفاصيل ما يدور في كل منطقة من المناطق ويصدر التعليمات اللازمة بشأن كل صغيرة وكبيرة.
حتى تلك اللحظة كان الرئيس قلقاً من قدرة الشعب على تحمل معركة من هذا النحو لمدة طويلة وقد تصبح مفتوحة.
* اندلاع الانتفاضة
في الثامن من ديسمبر بعد أن استكملت الآلة العسكرية عدتها، قامت بارتكاب مجزرة بدم بارد قتلت خلالها ثمانية عمال فلسطينيين من قطاع غزة وجرحت العشرات وهذا ما كان يتوقعه اللورد ونتشلسي في تقريره الذي قدمه لرئيسة وزراء بريطانيا قبل أكثر من شهر من ذلك التاريخ.
واعتبر الرئيس هذه المجزرة ناقوس خطر حقيقي فقد ارتكبت ضد عمال عُزّل، يذهبون للعمل في إسرائيل بتصاريح إسرائيلية، أي تحت الحماية الإسرائيلية، رغم ذلك ارتكبت القوات الإسرائيلية المجزرة.
والخلاصة كانت أنه لا يوجد خيار سوى المواجهة والدفاع عن النفس في كل مكان، طالما أن الاعتداءات الإسرائيلية ستستمر، حسب قرار الحكومة.
كانت هذه نقطة انطلاق الانتفاضة الوطنية الشاملة وعمم الرئيس تعليماته على جميع اللجان المسؤولة في القطاع والضفة، بالتنسيق كي تكون الهبّات الجماهيرية متواصلة ومترابطة في كل أنحاء الوطن المحتل وألا تكون متقطعة.
وفي الوقت ذاته أصدر رسالة يومية لتعميمها على كل مواقع منظمة التحرير في العالم تتضمن خلاصة المعلومات عما يجري في الأرض المحتلة وتعليمات مفصلة حول التحرك السياسي والدبلوماسي والإعلامي اللازم لمواكبة ما يدور ولحشد التأييد العالمي للشعب الفلسطيني في مواجهة القبضة الحديدية الإسرائيلية.
كما سبق أن أشرت، كانت هذه التطورات فرصة جديدة لإعادة الوزن لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد أن فقدت الكثير منه منذ غزو لبنان عام 1982.
هكذا فكر الرئيس ولذلك أراد أن يعطي هذه المواجهة كامل الزخم الإعلامي والسياسي لتعود المنظمة إلى تثبيت نفسها على الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
ودب النشاط في كل أنحاء العالم ابتداء من الأمم المتحدة، مروراً بكل العواصم العربية والجمعيات غير الحكومية، وجمعيات حقوق الإنسان، إلى العواصم العربية بطبيعة الحال، حيث هبت الجماهير العربية لتأييد الشعب الفلسطيني.
وتصاعد الموقف بشكل سريع وغطت أجهزة الإعلام وشاشات التلفزيون البطش الإسرائيلي بصوره المختلفة وازداد التأييد العالمي للفلسطينيين
وبعد شهر، أي في بداية يناير بدأ الرئيس بطرح مواقف سياسية، خلال مقابلاته الصحافية والتلفزيونية، من شأنها إظهار عقلانية منظمة التحرير الفلسطينية وبراغماتيتها، فصرح أكثر من مرة أن منظمة التحرير الفلسطينية تقبل قرار مجلس الأمن وأن المنظمة ترى أن الحل يجب أن يكون سياسياً.
وأن المنظمة تسعى لإيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستحوذت هذه التصريحات على اهتمام العواصم الأوروبية والدوائر الغربية إجمالاً لقد أصبح واضحاً أن صمود الفلسطينيين في غزة والضفة ودفاعهم الباسل عن أنفسهم أعطى المنظمة وقيادتها في الخارج دعماً لا حدود له.
وحاولت بعض الجهات في تلك الفترة ترويج أخبار وتحليلات هدفها الفصل بين المنظمة والانتفاضة في فلسطين المحتلة، فمنهم من روج فكرة الانتفاضة العفوية ومنهم من روج فكرة تحرك الجماهير تحت قيادة جديدة في فلسطين لكن المحاولات هذه باءت بالفشل وأصبح .
واضحاً أن المنظمة تقود الانتفاضة داخل الأرض المحتلة ولا شك أن الدعم المادي والسياسي والمعنوي الكبير الذي انهال على فلسطين المحتلة من المنظمة لعب دوراً أساسياً في تثبيت ذلك وشمل هذا الدعم كل المستشفيات والجامعات والمدارس والبلديات.
التقط ياسر عرفات الفرصة وراح يعمل جاهداً كي لا تفلت من يده مهما كانت الصعوبات وبدأ بتحريك منظمات دولية كمنظمة الوحدة الإفريقية، والدول الإسلامية، وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وقام هو بزيارات خاطفة لبعض العواصم العربية لحشد الدعم والتأييد
انقضى شهران على المواجهات الدامية داخل الأرض المحتلة وكلما مضى الوقت ازداد الفلسطينيون شجاعة في مواجهة العدوان، وراحوا يبتكرون وسائل بدائية في الدفاع عن أنفسهم.
وأطلق العالم على الانتفاضة أسماء عديدة منها ثورة أطفال الحجارة لوصف شجاعة الأطفال الفلسطينيين الذين كانوا يواجهون الدبابات الإسرائيلية بالحجارة، أبسط أسلحة الدفاع عن النفس وأكثرها بدائية.
* القطاف السياسي
وتمكنت المنظمة بقيادة ياسر عرفات من مراكمة إنجازات سياسة مهمة تحولت إلى زخم دولي ضاغط وأعطى صمود الشعب داخل الأرض المحتلة، الرئيس ياسر عرفات، هامشاً واسعاً للمناورة السياسية ومكّنه من الحديث علناً عن حل سياسي لم يكن وارداً آنذاك في برنامج منظمة التحرير لكنه كان يعبر عن هذه المواقف على شكل متفرقات وليس من خلال طرح تصور شامل.
لكن الأساس الذي تمكنت الانتفاضة الرئيس من تثبيته هو أن تقبل المنظمة بقراري 242 و338 وبحل سياسي عادل للقضية الفلسطينية.
استرعى ذلك انتباه العديد من الدوائر السياسية الدولية التي راحت تتصل لتستفسر حول الترجمات العملية لهذه المواقف وبطبيعة الحال لم تثر تصريحات الرئيس جدلاً في الساحة الفلسطينية الداخلية أو العامة، لأن الانتفاضة أعطته سنداً وغطاء لا يثمَّنان في تلك الأيام.
كان مهندساً بارعاً، يعيش الأمور ويزنها بدقة ويبدي مرونة سياسية بقدر ما يمده صمود الشعب الفلسطيني من قوة ودعم.
وبدأت في شهر مارس، الرسائل السياسية المباشرة وغير المباشرة تتوارد طالبة بلورة برنامج سياسي وموقف سياسي عملي يترجم إعلان الرئيس الموافقة على قرار وإيجاد حل سياسي.
عندها بدأت تتبلور في ذهني ضرورة طرح تصور لحل سياسي بشكل شمولي والعمل مع كل الجهات الدولية لإكساب هذا التصور دعماً شاملاً.
وبذلك يتحول هذا التصور إلى سلاح فعّال في وجه سياسة العدوان والتوسع والاحتلال الإسرائيلي.
كان واضحاً لي أن الرئيس الذي كان قلقاً في بداية الأمر حول إمكانية تحمل الشعب ويلات المواجهة لفترة طويلة، أصبح أكثر ثقة بقدرة الشعب على التحمل والمتابعة من أجل حريته.
وهذا ما شجعه أكثر لمرافقة هذه القدرة بتحرك سياسي يعطي الانتفاضة هدفاً ملموساً قابلاً للتحقيق.ما كان يريد أن تذهب تضحيات شعب بأكمله من دون إنجاز سياسي وإلا تحولت كل هذه المواجهة إلى مواجهة عدمية.وحتى يصل الشعب إلى هذا الهدف نتيجة تضحياته، لابد من أن يكون الهدف قابلاً للتحقيق ضمن موازين القوى الإقليمية والدولية.
كان ماهراً في طرح المواقف السياسية المرنة، لكنه كان يطرحها قسطاساً لقسطاس بحيث يثير الاهتمام لدى الدوائر المتنفذة في الغرب دون أن يشفي غليلها بطرح تصور سياسي كامل.
كان يريد أن يتأكد من الثمن الذي سيحصل عليه الفلسطينيون مقابل مرونة كاملة وسياسة واقعية تأخذ بعين الاعتبار الواقع القائم والحد الأدنى المتفق عليه دولياً.
الهامش الذي استخدمه الرئيس ياسر عرفات لطرح أفكار سياسية جديدة، كان يتوسع يومياً بدعم من صمود الشعب في وجه العدوان لكنها لا تطبق دائماً لأن برنامج منظمة التحرير الذي كان ساري المفعول حتى تلك اللحظة، كان باستمرار عامل تضييق لذلك الهامش ولم يكن يحصل ذلك من خلال احتجاج أو رفض أعضاء اللجنة التنفيذية للمواقف التي كان عرفات يعلنها يومياً، بل من خلال شعوره بأنه مسؤول عن التزام المنظمة بذلك البرنامج.
عرفات من الشخصيات الفريدة والمميزة من كل النواحي شخصية مميزة في إيجابياتها وشخصية مميزة في سلبياتها إن جاز التعبير.
عرفات لو لم يكن فلسطينياً وصاحب قضية لبحث عن قضية يكد ويجتهد لينتصر فيها.وحتى عندما كان رجل أعمال كمهندس يتعهد شق الطرق والتعمير في الكويت، كان الانتصار في عمله هدفاً.
لشخصية كعرفات المهم أن ينتصر، ويكون دائماً على استعداد للعمل ليل نهار، مهما كانت الظروف ويكون دائماً على استعداد لتحمل أصعب الظروف لإنجاز المهمة وتحقيق النجاح والانتصار.
لكن الأقدار شاءت أن يكون ياسر عرفات فلسطينياً، فتركزت كل مواهبه، كل طاقته، وكل قدراته على التحمل حول قضية واحدة هي قضية فلسطين، ومع الزمن تحولت قضية فلسطين إلى قضية شخصية لدى عرفات وليست فقط قضية شعب يناضل من أجل الحرية لقد تقمص ياسر عرفات القضية وتقمصته القضية لا يأبه لمال أو جاه أو سلطان بل ليسجل التاريخ أن ياسر عرفات انتصر ونصر شعبه، وقاده نحو الحرية والاستقلال وأن العرب والمسلمين يستطيعون الصلاة بحرية في المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
من هذا المنطلق كان ياسر عرفات يعمل طوال الوقت ويفكر، ويهتدي بما كان يفكر ويعمل به النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحرب كرّ وفرّ.المواجهة المواجهة عندما تكون الظروف مواتية وعندما لا تكون وإن جنحوا للسلم فاجنح لها.
وياسر عرفات لا يخاف الموت فهو مؤمن، وعندما يتخذ قراراً بالمواجهة يعلم تمام العلم أن هذا سيضع حياته وحياة عشرات الآلاف في خطر لكنه لا يأبه لذلك لأنه يعلم أن ثمن الانتصار ثمن الحرية فادح.
وإذا سقط شهيد يرى في ذلك لبنة تضاف لصرح الحرية وإن سقط أكثر يرى مدماكاً يقام في ذلك الصرح.ويطبق عرفات هذه الخصال على السياسة والحرب والسلم.
ولا يرفّ له جفن لقصف أو إطلاق نار فقلبه وعقله مرتبطان بعمق بالانتصار مهما كان الثمن وهو ثعلب في حقل السياسة يستمع ويصغي ولا يعلق ويترك عقله يحلل ويلعب الشطرنج في دماغه أمام منافسين عدة ويحرك الجنود والفرسان والقلاع ثم يخطط كيف سينتصر وعندما يرى أن العدو يكاد يأكل قلاعه وجنوده وفرسانه يلجأ لمناورة الهدوء والسكون.
فيرتبك العدو. وتبقى عينه ساهرة تبحث عن فجوة سببها ذلك الارتباك، وعندما يراها ينقضّ كصقر ليخلق من الفجوة حفرة، لكن ياسر عرفات في الوقت ذاته إنسان ككل البشر يحس بالبرد يخاف يتردد يقلق يغضب يحب.
غير أنه سرعان ما يعود إلى ما يشبه الصلب البارد، وهذا ما يميزه
إن أحبّ فحبُّه مؤقت وإن كره فكرهه مؤقت فكل العواطف السلبية أو الإيجابية عواطف مؤقتة لديه.
إن تف بالغرض كان به وإن لم تف غادرها هو.
نادراً ما ينفعل فهو يسيطر بطريقة عجيبة على أعصابه لكنه عندما ينفعل يتحول إلى بركان يمكن أن يطلق حمماً.
علمته الحياة كيف يكبت عواطفه. وكيف يبتسم في وجه أحلك المواقف والظروف لكن تراكم القهر يؤدي أحياناً إلى الانفجار.
هذا هو عرفات، الذي كان جالساً في مكتبه ببغداد في نهاية شهر مارس من العام 1988يتابع آخر تطورات الوضع في فلسطين المحتلة محاولاً رسم طريق المستقبل.
* مبادرة سياسية
كان عرفات يرى بوضوح حجم الفرصة السياسية المتاحة له والمسنودة بصمود شعب بأكمله لكنه كان يتردد خشية من حسابات خاطئة.
كان يدرك أنه لا بد من إعلان مبادرة سياسية شاملة، لكنه تردد خشية تخطي برامج وقرارات المؤسسات الديمقراطية.
كنت أراقبه، أراقب انفعالات وجهه وكأنني أقرأ ما يجول بذهنه.
قررت أن أخرج عن صمتي فقلت:
«أعتقد يا أخي أبو عمار انه آن الأوان لنطلق مبادرة سياسية متكاملة تضع إسرائيل والغرب في موقع الدفاع».
وكلمح البصر قال أي مبادرة؟
فقلت «مبادرة سلام، فنحن الآن في موقع قوي، فالعالم كله يؤيد شعبنا وحتى الموالين لإسرائيل يرون في ما تفعله إسرائيل جريمة، والكل يتجه لضرورة إيجاد حل سياسي للصراع».
لقد قالوا لنا عند خروجنا من بيروت باي باي المنظمة إلى الوداع يا منظمة التحرير وأنت أجبتهم أنا متوجه للقدس إذاً لنتوجه للقدس.
وأجابني بصوت عميق ماذا تقترح؟
قلت له أن أضع كل ما عبرت عنه من أفكار سياسية خلال أحاديثك في الشهرين الماضيين ويمكن أن يصاغ في إعلان سياسي في جوهره يطرح خطاً جديداً أي مبادرة لصنع السلام على أساس حل سياسي فأجاب ماذا تقترح؟
قلت نستطيع أن نجمع هذه الأفكار، والمواقف ونحولها إلى مبادرة متكاملة ثم نعمل على نشرها في الصحف الأميركية والأوروبية باسم ياسر عرفات.
وهكذا نستطيع أن نعيد الكرة لملعبهم وتعود المنظمة لاعباً أساسياً في الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
كانت الساعة قد شارفت على الرابعة فجراً.
قال بهدوء اكتب وسأرى ذلك وسأقرر بعدها.
ومع بداية شهر ابريل تبلور الإعلان فأرسلته للأخ فواز ناجية مدير ميد إيست ميرور في لندن ليجري المراجعة النهائية فقام بعمل رائع جعل الإعلان جاهزاً للنشر والتأثير في الدوائر السياسية المهتمة بالشرق الأوسط واستقراره وإقامة السلام الدائم.
وكان عليّ أن أعرض ما تم إعداده على الرئيس كخطوة نهائية قبل إرساله للنشر أبلغت الرئيس بأننا أنجزنا المهمة، ولم يتبق سوى إطلاعه عليه حتى يبث على العالم فأجابني بسرعة لا يوجد وقت الآن جهز نفسك للسفر فنحن متوجهون إلى إثيوبيا لحضور القمة الإفريقية.
توجهنا إلى أديس أبابا وانغمسنا في أعمال القمة بحيث لم يكن هناك أي مجال ليطلع الرئيس ويقرأ ما يحمله ذلك الإعلان أو تلك الوثيقة.
ومع انتهاء القمة قرر الرئيس أن نتوجه إلى تونس قبل عودتنا إلى بغداد لمتابعة العمل هناك وفيما نحن نتهيأ للتوجه إلى تونس قال لي الرئيس مشيراً إلى الصوراني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية دع أبا عمر يقرأ ما أعددت وطلب من جمال الصوراني أن يقرأ بإمعان وأن يبلغه رأيه لاحقاً.
وبالفعل أمعن جمال الصوراني في التدقيق بكل كلمة وجملة وعندما انتهى نظر إليّ قائلاً هذه قنبلة ستحدث زلزالاً.
أجبته بسرعة وهذا هو المطلوب.
نظر إليّ مرة أخرى قائلاً إذا قررت نشر هذا يجب أن تأخذ حذرك جيداً فكثيرون سيعتبرون هذه الأفكار خطيرة وربما وتردد قبل أن يقول خيانة.
فأجبته بسرعة ما هو رأيك أنت؟
قال خطوة هجومية مهمة.
أطلع جمال الصوراني الرئيس على مضمون الإعلان الذي كان يعرفه سلفاً ونصح بألا ينشر باسمه إن أجاز نشره.
وفي تونس قال لي الرئيس انشره باسمك فأنت الذي صغته فسألته ألا تريد قراءة ما صغت؟ فأجاب بسرعة لا داعي، انشره باسمك وانتهى عند هذا الكلام كل ما كان بالذهن فاسم ياسر عرفات هو المهم وهو الذي يولد ردود الفعل الدولية التي استهدفناها. وهو الذي يثير الاهتمام لدى القوى الدولية المؤثرة في صناعة القرار في الشرق الأوسط. لكن قراره هو الحاسم في نهاية الأمر.