في الربع الأول من عام 2006، ثمة انفجار كبير سيُحدث تحولاً في المشهدين السياسيين الفلسطيني والإسرائيلي، فنصر حماس سيقضي على الهدوء النسبي القائم حاليا، طالما أن محمود عباس يعزز هذا النصر بصفته مجدد الكوادر الإدارية في حركة فتح ومدمج حركة حماس في العملية السياسية.

وبعد مرحلة حكومة الوحدة الوطنية، التي تحد من سقف العرض السياسي المطروح بشكل عام، فإنه بوسع الإسرائيليين اتخاذ قرار واضح: ليبرالية اقتصادية متشددة ورفض لأي التزام مع الفلسطينيين في حال فوز الليكود، أو مفاوضات شاملة مع الفلسطينيين والعودة إلى سياسة اجتماعية حازمة في حال فوز حزب العمل أو الحفاظ على السياسة الحالية المترافقة مع بعض التنازلات الجزئية للفلسطينيين في حال فوز حزب كديما.

ويبدو أن الفرضية الأخيرة هي الأقرب للواقع، وبالتالي فإن المشهد السياسي الداخلي سيتغير عمليا على الساحة الإسرائيلية كما ستكون الحال على الساحة الفلسطينية، وستبدأ مسيرة التقدم على طريق العملية السلمية من جانب آخر، حيث من الممكن توقع أن تدخل حكومة من حزب كديما بضمان من جانب بيريس في مفاوضات مطولة. ومن الممكن أن يثبت مبدأ سلام حقيقي وأصلي، كان قد رُفض مراراً وتكراراً.

أما المتشككون، الذين رأوا أن تلك المبادرة تخلو من أي معنى ما سوى أنها تشكل خطوة أولى نحو اتفاق شامل، فإنهم سيرون أن مخاوفهم قد تأكدت وذلك على الرغم من أنهم لم يتوقفوا يوما عن الاعتراف بمبادرة شارون. وبالتالي، فإن عملية فك الارتباط مع غزة لن تمثل حينذاك الخطوة الأولى وإنما ستمثل خطوة لوضع العراقيل أمام جوهر ذلك الاتفاق. وحسب هذه الرؤية، فإن حزب كديما لم يقصد شيئاً آخر سوى الرد بطريقته على اتفاقات جنيف الموقعة بين يوسي بيلين وعبد ربه، اللذين قدما، من خلال تلك الاتفاقات، منظورا حقيقيا للسلام.

كما منح الحزب نفسه هوامش جديدة على صعيد المناورة السكانية لإسقاط 4,1 مليون فلسطيني من الميزان السكاني الخاص باليهود والعرب تماشيا مع معادلة إسرائيل ـ الأراضي المحتلة. وفيما يتعلق بالجدار، فإن عملية بنائه ستتواصل، حيث يمكن تفكيك المستوطنات التي تقع في الجانب الآخر منه، لكن الاستيطان سيتكثف في بقية أرجاء الضفة الغربية والقدس. وفي أفضل الأحوال، يبدو أن الطريق ممهدة لبناء دولة فلسطينية في غزة وفي جزء من الضفة الغربية، ولكن ليس في القدس.

هكذا تسير الأمور. نحن بوسعنا أن نميز بوضوح ما يحيط بالمشهد الكارثي، فالعنف سيتجدد وستكون هناك اعتداءات جديدة في الوقت الذي ستخلص فيه الحكومة الإسرائيلية إلى نتيجة مفادها أن عملية السلام لا يمكن أن تستمر في هذه الظروف. خلاصة القول إنها خطوة إلى الوراء، والأسوأ من ذلك هو أنه بوسعنا تخيل أن كل ذلك يخط أفقا من الإحباط وخيبة الأمل.

ومن الممكن فهم مشاعر الفلسطينيين تجاه المصير الظالم الذي يُفرض عليهم، وذلك في ظل دعم شحيح من جانب المجتمع الدولي. ولكن مهما كان هذا الوضع فاضحاً ومثيراً للسخط والاستنكار، إلا أن العنف ضد المستوطنين وخصوصا الاعتداءات لن يساهم في إحداث تغييرات ايجابية. لا بل إن لهذا العنصر مردود عكسي، إذ إنه ينعكس على تدعيم موقف نتانياهو ضد حزب كديما وعلى موقف هذا الحزب ضد اليسار وعلى موقف الصقور ضد أحزاب السلام عموما. أما المجتمع الدولي فسيرى بدوره هذا العنف باعتباره وسيلة تسمح بتبرير عملية وقفه، لأنه لا يمكن أن تُوظف في معركة ـ مهما كانت عادلة تلك المعركة- وسائل بغيضة مثل الاعتداءات المستنكرة حتى من وجهة النظر الأخلاقية. وبالتالي، فإن اللجوء إلى العنف لن يحسن الوضع، وإنما سيزيده سوءاً.

الوسيلة الوحيدة للخروج من هذا الموقف لا تقوم على العنف ولا على الاستسلام والخضوع ولا على إبقاء المفاوضات من دون أفق سياسي، وإنما على العمل الخالي من العنف، وهو عمل لا يعني الاستكانة واللامبالاة، ذلك أن الإرادة تحديدا هي التي توجهه.

كما أن الأمر لا يتعلق قطعا بأداة يتم تبنيها في جميع الأوضاع، وإنما تحديدا في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهنا تمثل تلك الأداة المخرج الوحيد. وربما يتعلق الأمر بتنظيم اعتصامات ومظاهرات وسلاسل بشرية...إلخ، قد تشكل أحداثا وتطورات مشهودة أخرى. كما يمكن لتلك الأعمال والتحركات أن تثير، على المدى المتوسط والطويل، رد فعل داعما وقويا في سائر أنحاء العالم، بما في ذلك إسرائيل نفسها، حيث سيتعزز موقع الفئة المناصرة للسلام، وفي الولايات المتحدة. وستسمح كذلك بالقيام بتحركات سلمية فلسطينية- إسرائيلية مشتركة.

وفي المحصلة النهائية، فإن الأمر يتعلق ببرنامج مبادرات خالية من العنف لا بد وأن ترجح كفة كل أولئك الأشخاص الذين يعربون صراحة عن اهتمامهم بسلام عادل. الرهان الرئيسي للنزاع يكمن، من الآن فصاعدا، في الرأي العام وهو الذي سيقرر مصير القضية.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لا فانغوارديا»- اسبانيا