ياسر عرفات ـ زعيم شعب ورمز قضية - الحلقة العاشرة

القيادة الفلسطينية تلغي اتفاق عمّان تمهيداً لتحقيق الوحدة الوطنية

في العاشر من أبريل من العام 1987 عقد في الجزائر مجلس وطني استثنائي أطلق عليه اسم «دورة الوحدة الوطنية» إذ لم يكن على جدول أعمال المجلس سوى بند واحد: هو إعادة توحيد صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن قاطعت المنظمة عدة تنظيمات منها الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وغيرها بسبب توقيع قيادة «م. ت. ف» اتفاق عمان الشهير.

وعقد المجلس الوطني هذا في الجزائر بعد حوار مطول أجرته كافة الفصائل الفلسطينية في طرابلس الغرب، بدعوة من العقيد معمر القذافي، حول أسس وسبل توحيد الصف الفلسطيني.

كنت أرافق الدكتور جورج حبش في ذلك الحوار، ولقد أثار ذلك حفيظة بعض أعضاء المكتب السياسي للجبهة الذين كانوا يتهمونني بأن خطي السياسي هو خط عرفاتي.

وبذلت كل جهد مستطاع، منطقياً، وتحليلياً لإقناع «الحكيم» بضرورة إعادة توحيد الصف الفلسطيني قبل أن يعلن ريغان وغورباتشوف انتهاء الحرب الباردة، في اجتماعهما المقرر في 29 مايو 1987 في موسكو. وكنت قد هيأت لذلك من قبل.

فقد خرجت الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني من الائتلاف الذي كان يضمهما سوياً مع الجبهة الشعبية، لينفردا بتوقيع اتفاق مع حركة فتح، أطلق عليه اسم «اتفاق آذار براغ» واتفقوا فيه على عقد مجلس وطني لإعادة الوحدة لصفوف «م. ت. ف».

فرتبت لقاء بين أبو جهاد (فتح) والحكيم في براغ، قبل توجههما إلى طرابلس. وكنت أنسق الخطوات مع سفير فلسطين في تشيكوسلوفاكيا أبو هشام. وتم اللقاء الأول في منزل أبو هشام، وتابعنا الحوار، واستخرجت نقاط الاتفاق، وحددت نقاط الخلاف لمتابعة الحوار حولها لاحقاً. وتم توزيع الخبر ولم يكن متفقاً على توزيع أي خبر.

وغادرنا إلى موسكو لاستكمال الجولة المقررة. وكان أبو هشام قد سألني إلى أين تتوجهون؟ فأجبته بأننا متوجهون إلى موسكو لإجراء مباحثات مع اللجنة المركزية للحزب.

وفوجئنا في موسكو بوصول أبو جهاد وأبو هشام ووفد من فتح. واتصل أبو جهاد يطلب لقاء «الحكيم» وتم ذلك، وكان عنوان اللقاء متابعة البحث في نقاط الخلاف للتوصل لاتفاق. كان ذلك سريعاً.

وفيما نحن نتابع البحث بجدية، أُبلغنا أن بياناً قد صدر في دمشق عن المكتب السياسي للجبهة، يعتبر أن ما اتفق عليه الحكيم مع أبو جهاد لا يمثل موقف المكتب السياسي.

وعندما قلت إنني أشك في ذلك فهذا غير معقول، أخرج أبو هشام من جيبه نسخة من البيان الذي حمل ختم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.لم يستكمل البحث مع أبو جهاد، فقد أنهينا مباحثاتنا مع اللجنة المركزية للحزب في موسكو وطرنا للجزائر.

وفوجئنا مرة أخرى باتصال أبو جهاد الذي وصل الجزائر يطلب متابعة الحوار. وتابع الحكيم الحوار بتحفظ شديد بعد صدور ذلك البيان في دمشق. ولم يكتمل الحوار فقد غادر الجميع تلبية لدعوة العقيد معمر القذافي إلى طرابلس الغرب، حيث تجمعت قيادات كافة التنظيمات الفلسطينية لبحث إعادة وحدة الصف الوطني الفلسطيني.

وفهمت من بعض أصدقائي الليبيين أن أبو جهاد كان قد طرح مسبقاً على القيادة الليبية مشروعاً لإعادة وحدة الصف الوطني، واتفق معهم على الأسس السياسية لعملية إعادة التوحيد تلك.

وطالت الحوارات والنقاشات وحاول الليبيون التأثير بكل الجهد من خلال تحالفاتهم الفلسطينية: أحمد جبريل وجورج حبش وغيرهم.

وشعرت أن موضوع إعادة توحيد الصف الوطني قد فتح على مصراعيه، وهذا ما كنت أبذل جهداً كبيراً من أجله لما له من تأثير على الوزن السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني قبل أن يعقد ريغان وغورباتشوف صفقة إنهاء الحرب الباردة، وإيجاد حلول للمشكلات الساخنة في العالم.

وكان المعارضون يعتقدون أن الجزائريين لن يسمحوا بعقد المجلس الوطني، قبل التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد «م. ت.ف» فالجزائريون حسّاسون تجاه هذا الأمر، وكانوا دائماً مناصرين لنضال الشعب الفلسطيني، ويسعون لتوحيد صفوفهم وحل خلافاتهم بالتي هي أحسن.

لكن الجزائريين هذه المرة، أعلنوا قبل التوصل لاتفاق في طرابلس الغرب، أن الجزائر ستستضيف المجلس الوطني الفلسطيني في العاشر من أبريل 1987.

وعندما أبلغت الحكيم بالخبر قال: هذا مستحيل! فقمت بالاتصال بالجزائر مع عدد من كبار المسؤولين الجزائريين الذين أكدوا لي قرارهم قائلين إن استمرار النقاش هو بذخ لا يمكن لقضيتكم أن تتحمله فشعبكم يعاني ونحن دعَونا الجميع.

وطلبت منهم توجيه دعوة خاصة للدكتور جورج حبش وأن يتبعوا ذلك بإرسال طائرة خاصة لتقله إلى الجزائر تلبية لتلك الدعوة، وأن بإمكانهم البحث معه بموضوع الوحدة الوطنية وضرورتها في ظل الظروف الدولية التي كانت تسود آنذاك وقاموا بتوجيه الدعوة وأبلغوه أنهم سيرسلون طائرة خاصة وتم الاتفاق.

قبل أن يغادر الحكيم للجزائر، اتصل من دمشق بعض أعضاء المكتب السياسي الذين كانوا يعارضون التفاهم مع حركة فتح ليقولوا للحكيم إنهم اتخذوا قراراً بعودتي فوراً لدمشق.

إذ لم يكونوا سعيدين إطلاقاً بوجودي في ذلك الحوار إلى جانب الحكيم فأنا بالنسبة لهم «عرفاتي الأفكار» وكم كانوا جهلة وبعيدين كل البعد عن قوانين الديالكتيك التي كانوا يتشدقون بها دون أن يستوعبوا ترجماتها السياسية.

أبلغني الحكيم القرار وطلب مني أن أعود إلى دمشق فوراً. وعلمت لاحقاً أن الدكتور جورج حبش طلب من نائبه الحضور، فكان شرطه أن أعود أنا ليحضر هو.

وتم ذلك، غادرت فوراً إلى دمشق، وتوجه نائب الأمين العام للجزائر ليلتحق بالأمين العام.ومن الطريف أن الجزائريين قرروا استضافة كل القيادات وأعضاء المجلس الوطني في فندق سياحي كبير في وسط حديقة الحيوانات «كي لا يخرجوا منه قبل أن يتفقوا».

وبدأت الحوارات في الجزائر، ومورست الضغوط السياسية وبدأت الأمور تتجه نحو الحلول بقيت في دمشق يومين فقط.

ولم أستطع تحمل أن أكون بعيداً عن هذا الاجتماع التاريخي وبما أنني عضو في المجلس الوطني منتخب ديمقراطياً وليس معيناً كأحد ممثلي الجبهة الشعبية، قررت أن أتوجه للجزائر مهما كان الثمن وحزمت أمري وتوجهت للجزائر والتحقت بالمجتمعين في ذلك الفندق الظريف.

وفي آخر ليلة استكملت فيها الاجتماعات والحوارات حول إعادة توحيد صفوف «م. ت. ف» فوجئت أن نائب الأمين العام، الذي كان يعتبر قبل شهر مصافحة فتح «خيانة»، يدلي بمرافعة هي أشبه بما قاتلت من أجله، ودافعت عنه بغض النظر عن الأسباب أثلج صدري، فهذا يعني أن الطريق لإعادة توحيد «م. ت. ف» قد فتح على مصراعيه.

وانتقل الجميع إلى منطقة أخرى، وعقدت جلسات المجلس الوطني وأعيد توحيد صفوفه وبدأ الجميع بمغادرة الجزائر تباعاً.

وبقيت أنا في الجزائر ورحت أتذكر التناقض الذي كنت أعيش فيه، بين عقلي والتزامي التنظيمي تذكرت اجتماعات مكتبنا السياسي ولجنتنا المركزية في دمشق تذكرت مرافعاتي في اللجنة المركزية حول الهجمات التي ستشن على مخيماتنا في لبنان (وحصل هذا 1985-1986).

وتذكرت كيف كان يرهن معظم أعضاء اللجنة المركزية موقفهم لموقف سوريا تحت شعارات مختلفة واستناداً لتحليلات مختلفة.

تذكرت كم مرة فشل اقتراحي لفتح حوار مع فتح من أجل الوحدة الوطنية.

وفي آخر جلسة للجنة المركزية فاز اقتراحي بأغلبية صوت واحد وهو صوت الحكيم بينما في الجلسات الأولى كنت الصوت الوحيد المساند لاقتراحي وشعرت بالرضا ـ موضوعيا أم ذاتياً، شعرت أن جهودي نجحت وأن «م. ت. ف» هي الآن على البر ـ بر السلامة وعليها أن تنطلق لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.

* الخروج من الجبهة

بدأت عملية مراجعة في ذهني لتاريخ المواقف السياسية وشعرت أنني أنهكت عقلي بإسكاته، دائما تحيزاً لالتزامي التنظيمي وأن عليّ الآن أن أطلق سراحه، وأن أكون حراً في تفكيري، وحراً في اتخاذ مواقفي خدمة لقضيتي التي كرست لها نفسي، منذ أن تخرجت من الجامعة الأميركية ببيروت عام 1967.

وكلما تعمقت في التفكير ومراجعة الأمور كلما شعرت بأن عودتي لدمشق ستكون قرار إعدام لعقلي.

كان أصدقائي الجزائريون قد رتبوا لي إقامتي، وتركت حراً لأفكر وأتخذ القرار بعد شهر من ذلك المجلس الوطني، اتصل بي الرئيس ياسر عرفات، ويبدو أن بعضهم قد أبلغه بأنني معتكف بالجزائر، وطلب مني زيارته في تونس.

فغادرت الجزائر إلى تونس بعد بضعة أيام والتقيت بالرئيس الذي رحب بي وقال لا يجوز أن تعتكف فهنالك عمل وطني حضر نفسك سنذهب لحضور القمة الإفريقية في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا ويسعدني أن تكون ضمن وفدي للقمة.

لم يكن تفكيري قد استقر على شيء، أو طريق أسلكه، بل كان يبحث حتى تلك اللحظة.

فقلت له: يسعدني ذلك.

وأذكر أني لم أكن مهيَّأ لذلك فقد وصلت تونس لا أحمل إلا ثياباً غير رسمية لكن الأمر تم وغادرت تونس مع الرئيس إلى أديس أبابا وأنا أحمل تلك الثياب الصيفية.

كانت تلك رحلتي الأولى مع الرئيس ياسر عرفات على متن طائرته الخاصة وكان قد سبق الوفد الذي يرافق الرئيس جمال الصوراني، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك على متن الطائرة رحب بي الرئيس ترحيباً جميلاً وتحدثنا بأمور سياسية كثيرة ولاحظ هو، أن ذهني مشغول وأنني أغوص مع نفسي طويلاً فقال لي بحنان أبوي وأخوي:

أمامك عمل وطني في سبيل القضية، فنحن جميعاً كرسنا أنفسنا لها فلا تدع أي شيء يبعدك عن ذلك أو أن يثبط من عزمك أو يضعف إرادتك. ابتسمت وقلت: لا يمكن لأي شيء أن يثبط من عزائمي، أو أن يبعدني عن التفكير في كيف يمكن أن أضاعف الجهد في الطريق الصحيح لأخدم قضيتي وقضية شعبي.

* حان موعد النوم

ارتخى الرئيس على مقعده الكبير وقام المرافقون بتغطيته ببطانيات صوفية، وجلبوا لي واحدة فاسترحت في مقعدي وخلدت للنوم.

عندما اقتربنا من أديس أبابا، قام قبطان الطائرة بإعلامنا بذلك وطلب منا شد الأحزمة وأن نكون مهيئين للهبوط.

كان الجميع جاهزين عندما وقفت الطائرة أمام البساط الأحمر، وصعد للطائرة سفير فلسطين في أديس أبابا، ومسؤول التشريفات، الذي رحب بالرئيس وشرح سريعاً الإجراءات البروتوكولية.

وهبط الرئيس نتبعه نحن وتمت كل المراسم، وتوجهنا للمقر المخصص للرئيس في قرية المؤتمرات التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية، حيث كان لكل رئيس فيلا خاصة والوفود تشغل الفنادق المحيطة بتلك الفيلات.

وتم الاتفاق على أن نلتقي جميعاً في الفيلا المخصصة للرئيس ياسر عرفات بعد نصف ساعة من وصولنا، وبعد أن قمنا بما يلزم للانتعاش توجهنا إلى هناك.

كان الرئيس مبتهجاً ونشيطاً وقال علينا أن نقوم بالجولة المعتادة قبل أن تبدأ جلسات القمة الجولة المعتادة هي أن يزور الرئيس عرفات كافة الرؤساء في أماكن إقامتهم القريبة من بعضها البعض، ليحييهم ويثير معهم أهم ما يريد أن يطرحه على القمة، والمتصل بالقضية الفلسطينية.

وهكذا كان، وتحرك الوفد برئاسة الرئيس نحو مواقع الرؤساء الآخرين.

كانت الزيارة الأولى للرئيس كنيت كاوندا ولم يدم اللقاء طويلاً فقد كانت تلك الجولة عبارة عن زيارات لياقة للتحية.

أما الزيارة الثانية فقد كانت للرئيس حسني مبارك لم أكن أعلم أن الزيارة الثانية ستكون لمقر الرئيس حسني مبارك، إلا عندما وصلنا هناك وأمام الفيلا المخصصة للرئيس مبارك احتشد عشرات الصحافيين المصريين والأجانب وفرق التلفزيون.

بطبيعة الحال سلطت الأضواء على الرئيس عرفات وسرنا نحن خلفه باتجاه مدخل الفيلا وانهالت أسئلة كثيرة على الرئيس عرفات الذي اكتفى بكلمات مقتضبة شاقاً طريقه نحو المدخل.

كان الباب مشرعاً والرئيس مبارك يقف على رأس المستقبلين وكما هي العادة تدافعت الكاميرات لتلتقط الصور.

واكتشف بعضهم أنني ضمن الوفد وعندما صافحت الرئيس مبارك تعالت الأصوات وانهالت الكاميرات كانت تلك هي المرة الأولى التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.

كان ذلك بالنسبة للصحافة خبراً مثيراً وانتشر كالنار.

وفي دمشق تدافع الصحافيون إلى مكاتب الجبهة الشعبية للاستفسار عن ذلك، وعما إذا كانت مصافحتي للرئيس مبارك تشكل تغييراً جوهرياً في سياسة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

فوجئ مسؤولو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفضوا التعليق لحين التأكد من الخبر.

وجاءت الصور لتؤكد الخبر دون أي لبس.

وفي اليوم التالي صدر بيان عن المكتب السياسي، متوتر اللهجة والمضمون يعلن فصلي وطردي من الجبهة الشعبية.

أقول متوتر اللهجة والمضمون لأن الفصل والطرد ليسا من صلاحية المكتب السياسي، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بقرار من المؤتمر العام للجبهة الشعبية الذي انتخبني عضواً في اللجنة المركزية، واللجنة المركزية انتخبتني عضواً في المكتب السياسي.

ووصل نص البيان إلى أديس أبابا، وأصدرت بياناً مقتضباً مهذباً أعلنت فيه عن اعتزازي بتاريخي النضالي وبرفاقي الذين ناضلوا واستشهدوا على الدرب أو ما زالوا يناضلون.

وانتهت القمة الأفريقية، وحزمنا حقائبنا لتحط بنا الرحال في أبوظبي ـ الإمارات العربية المتحدة كانت اللقاءات في أبوظبي مهمة فقد جاءت بعد توحيد صفوف «م. ت. ف» في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر في أبريل 1987، وبعد القمة الأفريقية التي اتخذت موقفاً داعماً للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير.

وشرح الرئيس مجمل هذه التطورات للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كما شرح له الظروف الساخنة والمتفجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ووعد الشيخ زايد بدعم الشعب الفلسطيني وأكد وقوف الإمارات دون تردد إلى جانب النضال الفلسطيني لتحرير القدس.

غادرنا بعدها متوجهين لليمن ثم عدنا إلى تونس.

* الرافعة الكبيرة

وبعد أسبوعين توجهنا إلى القاهرة للقاء مع القيادة المصرية لبحث خطة التحرك السياسي بعد إلغاء اتفاق عمان، الذي كان يشكل لفترة من الفترات آلية للتحرك السياسي الدولي والإقليمي (ألغي الاتفاق لتمهيد الطريق لتوحيد الصف الفلسطيني في المجلس الوطني بالجزائر).

وعند مدخل القصر الجمهوري كان الرئيس حسني مبارك في استقبال الرئيس عرفات والوفد المرافق له.

تصافح الرئيسان ثم وقف الرئيس عرفات إلى جانب الرئيس حسني مبارك واصطف الوفد بنظام ليتقدم نحوه للتحية وفجأة قال الرئيس مبارك «بسام فين»؟

فقال الرئيس عرفات: موجود، تعال يا بسام فاقتربت وصافحت الرئيس مبارك والكل ينظر بدهشة لهذه اللفتة.

وقال الرئيس مبارك: هم فصلوك علشان سلمت عليّ في أديس أبابا؟

تعال أبوسك يمكن يرجعوك المرة دي.

وضحكنا.

اجتمع الرئيس عرفات بالرئيس مبارك بعد التحية على حدة، وانتظرنا نحن في قاعة الاستقبال، وبعد نصف ساعة تقريباً دعينا للدخول لغرفة الاجتماعات وانضم الوفدان للرئيسين.

وجرى حديث عام حول ضرورة وضع خطة سياسية للتحرك الدولي والإقليمي لتفعيل الضغط لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، خاصة قراري 242 و338 والقرارات المتصلة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وغادرنا عائدين إلى تونس.

كانت مصر دائماً تشكل الرافعة الكبيرة لحركة الشعب الفلسطيني لنيل الحرية والاستقلال. وكانت تشكل دائماً حماية وملجأ للحركة الفلسطينية عندما تشتد الظروف، أو تتصاعد التناقضات في المشرق العربي وكانت «م. ت. ف» في تلك الفترة بأمسّ الحاجة لمصر بعد أن وتر إلغاء اتفاق عمان العلاقات مع الأردن، وفي ظل انقطاع العلاقات مع سوريا وإغلاق لبنان في وجه «م. ت. ف».

فأصبحت الرافعة المصرية ذات وزن أكبر بكثير من وزنها العادي والكبير وكان الرئيس عرفات يضع في حسبانه أن لديه مثلثاً عربياً يستطيع الاعتماد على دعمه السياسي لفترة من الوقت إلى أن تتغير الظروف وهو مصر ـ العراق ـ اليمن.

وأن عليه أن يضع الخطط السياسية استناداً لهذا الواقع.

قمة شطب المنظمة

مع احتدام المعارك بين العراق وإيران في العام 1987 دعت جامعة الدول العربية لعقد قمة استثنائية، وتقرر أن تعقد القمة في العاصمة الأردنية عمان.

كان ذلك في الثامن من نوفمبر في وقت شهدت العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية توتراً ملحوظاً والحقيقة أن التوتر في العلاقات بدأ قبل ذلك ولكنه استمر في التصاعد. ففي مارس من العام نفسه عقد في الجزائر اجتماع طارئ للمجلس الوطني الفلسطيني تحت عنوان عريض ـ هو إعادة الوحدة لصفوف منظمة التحرير الفلسطينية وكانت وحدة الصف هذه قد مزقها اتفاق عمان الذي أبرم بين قيادة «م. ت. ف» والأردن في العام 1984.

توجه أبو عمار إلى عمان لحضور القمة العربية الطارئة تلك على متن طائرة عسكرية عربية. ورافقته في تلك الرحلة بناء على طلبه.

طبعاً كانت المسألة الجوهرية آنذاك هي دعم العراق في المعركة مع إيران والعمل على خلق جو دولي ضاغط لتحرير الأراضي العراقية التي كانت إيران قد احتلتها في تلك الفترة.

لكن ما لفت الانتباه هو أن بيان القمة العربية المقترح لم يشر كما هي العادة إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وبدا وكأن هذا لم يكن هفوة بل كان مقصوداً، وأن هناك جهات تريد أن تغتنم فرصة عقد القمة الطارئة لتكون ممراً نحو تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية فيما يتصل بتمثيل الشعب الفلسطيني، وبالتالي الوصول إلى نقطة يتمكن فيها آخرون من تمثيل هذا الشعب أو التفاوض باسمه.

خلال ذلك اندلعت المظاهرات الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مئات الآلاف تظاهروا في شوارع مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة احتجاجاً على عدم استقبال الملك حسين لرئيسهم ياسر عرفات. وكان الاستقبال للرؤساء والملوك يُبث حياً على شاشات التلفزيون وشاهد الفلسطينيون أن رئيسهم لم يلق الاستقبال الذي يفترض حسب الأعراف والتقاليد أن يلقاه.

جلسة الافتتاح كانت كغيرها من جلسات الافتتاح في القمم العربية. كلام منمق يلقى في خطابات منمقة دون أن تعني شيئاً أو أن تقترح شيئاً عملياً. دعم للعراق لفظي دون تناول المسائل بشكل معمق وعملي.

على كل حال تتابعت الجلسات إلى أن وصل الأمر نحو الاختلاف الحساس حول وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني. وتطور الخلاف من نقاش داخل الغرف المغلقة إلى احتكاك سياسي علني أمام الصحافة.

وكانت الصحافة المحلية والعربية والعالمية قد حشدت مراسليها وفرقها لتغطية أحداث ونتائج تلك القمة الاستثنائية.

وتحول الحديث في الصحافة من موضوع العراق ودعمه في الحرب الدائرة مع إيران إلى الموضوع السياسي الشائك وهو تغيير الموقف العربي الرسمي الذي تقرر في قمة الرباط والمؤكد على أن «م. ت. ف» هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني إلى موقف جديد لا يربط التمثيل بالمنظمة، أو على الأقل وحدانية التمثيل.

كان هذا يعني أن تتيح القمة المجال لدول أو دولة غير «م. ت. ف» لتمثيل الفلسطينيين أو لأن تمثلهم إضافة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

واحتدم النقاش بين وزراء الخارجية وبين أعضاء الوفود. لكن الموقف الأردني كان مصراً على عدم إضافة «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بعد اسم منظمة التحرير الفلسطينية».

وبما أن الأردن كان الدولة الوحيدة التي وافقت على احتضان قمة استثنائية تستهدف دعم العراق في حربه مع إيران فقد كان للموقف الأردني وزن كبير خاصة لدى العراق (الدولة المعنية بالدعم العربي). وهي حليف قوى لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وطال الليل الذي سبق جلسة الختام الصباحية. وتمت طباعة البيان دون أن يشار فيه إلى أن «م. ت. ف» هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وساد التوتر في أنحاء فندق بلازا في عمان، خاصة في جناح الرئيس ياسر عرفات.

* العراق هو الأهم

استدعى الرئيس الوفد الفلسطيني الذي أبلغه أنه حاول المستحيل لكن هنالك أغلبية أغمضت العيون وصمت الآذان لأن موضوع «العراق هو الأهم».

وبعد انسحاب الوفد من جناح الرئيس وكانت الساعة قد قاربت منتصف الليل، راح الرئيس يقطع الجناح ذهاباً وإياباً، مطرقاً ومفكراً ويحسب كل الاحتمالات.

وعندما جلس إلى حافة السرير جلست إلى جانبه وسألته عما يفكر به.

فقال لي إنهم يحاولون استغلال حرب العراق لسحب القرار الفلسطيني من يد الفلسطينيين وإعادته للجامعة العربية كما كان قبل العام 1967. وهذه كارثة على الفلسطينيين.

وسألته :إذاً ماذا تنوي أن تفعل؟

فأجاب باقتضاب: أفكر بالأمر.

ساد صمت. لم أرد أن أزعجه أو أن اقطع حبل أفكاره. وفجأة خطرت لي فكرة «طاهر المصري». كان طاهر المصري آنذاك وزيراً للخارجية في الأردن ومثّل الأردن في اجتماعات وزراء الخارجية واللجنة الوزارية لصياغة البيان النهائي للقمة الاستثنائية.

لماذا لا يناقش الرئيس في اللحظة الأخيرة مع طاهر المصري، وزير الخارجية الأردني، مشروع البيان وأهمية أن يتضمن، خاصة في هذه الظروف العصيبة نصاً صريحاً حول وحدانية تمثيل «م. ت. ف» للشعب الفلسطيني. وقد ينجح النقاش في حل الإشكال الذي يعصف بالقمة.

طرحت الفكرة على الرئيس الذي وافق عليها، رغم قناعته بأن هذا النقاش لن يغير الموقف.

وبالفعل قام طاهر المصري بزيارة لجناح الرئيس، وناقش معه الأمر وحاول أن يخفف من أهمية النص على وحدانية تمثيل «م. ت. ف» للشعب الفلسطيني. وحصل ما توقع الرئيس إذ لم يؤد النقاش إلى تغيير الموقف.

ومرة أخرى راح الرئيس يقطع جناحه ذهاباً وإياباً وهو يفكر بعمق. لقد كان الموقف حرجاً جداً ولم تتبق سوى ساعات قليلة على موعد الجلسة الختامية للقمة العربية.

وفجأة توقف الرئيس عن الحركة وقال «سأرتاح قليلاً وسنلتقي صباحاً قبل موعد الجلسة».

وفي الصباح تجمع في جناح الرئيس أعضاء الوفد الفلسطيني للقمة العربية. كان التعب يبدو على وجه الرئيس فهو حتماً لم يذق طعماً للنوم وبقي يفكر في الأمر حتى الصباح.

لقد كانت مسألة مهمة، فالمسؤولية تقع على عاتقه للحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني والدفاع عن حق «م. ت. ف» في تمثيل الشعب الفلسطيني. وكان ينظر إليها من هذا المنظار الاستراتيجي.

جلس إلى طاولة الاجتماعات حاملاً ملفاً بيده، وجلس الجميع حوله.

قال بهدوء:

لقد فشلت كل المحاولات لتثبيت وحدانية تمثيل «م. ت. ف» للشعب الفلسطيني في البيان الختامي لذلك لم يبق أمامنا سوى إعلان موقف واضح وصريح ومقاطعة الجلسة الختامية احتجاجاً على عدم نص ذلك في البيان.

دار نقاش سريع بين أعضاء الوفد فيما بقي الرئيس صامتاً يفكر ويده تمسك بالملف.

ما هي إلا دقائق حتى طلب الرئيس من أعضاء الوفد أن يتوجهوا لقاعة الاجتماع وأن يتخذوا مواقعهم انتظاراً لأية تعليمات. ولم يفصح عما ينوي القيام به.

بقيت في الجناح إلى جانبه وسألته عما ينوي القيام به فقال:

حضّر نفسك. في حال فشلت محاولتي الأخيرة سنضطر إلى إعلان موقف حازم من هذه المسألة.

واندفع خارج الجناح نحو المصعد الذي أقله للطابق الأرضي حيث قاعة الاجتماع.

وفي الردهة أمام القاعة تحلق رؤساء وملوك وأعضاء وفود حلقات حلقات يتحدثون بانتظار افتتاح الجلسة.

وانضم الرئيس فوراً إلى حلقة كانت تضم الرئيس صدام حسين والرئيس علي عبد الله صالح ورئيس وزراء المغرب الذي كان يرأس وفد بلاده والملك حسين والى جانبه السيد عدنان أبو عودة.

بعد تحية الصباح تناول الرئيس من الملف مشروع البيان وخاطب الرئيس صدام حسين حول إغفال النص الرسمي الذي يحدد أن «م. ت. ف» هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وأصغى الجميع بانتباه.

رئيس وزراء المغرب قال:

لا بد أن هذا خطأ أو سهو.

حاول الرئيس صدام حسين تخفيف حدة الموضوع.

وتدخل عدنان أبو عودة فأجابه الرئيس بحزم «طالما الملك حسين موجود لا يحق لأحد من طرفه أن يحدد موقفاً».

وألقى الرئيس بقنبلته السياسية قائلاً:

إذا لم ينص البيان الختامي على ذلك فسوف أقاطع جلسة الختام وأعقد مؤتمراً صحافياً لأشرح الأبعاد الخطيرة لعدم النص على وحدانية تمثيل «م. ت. ف» للشعب الفلسطيني.

وأسقط في يد جميع الحاضرين.

حاولوا تلطيف الأجواء. لكن في نهاية الأمر ومع تشبث الرئيس بهذا النص، قال الرئيس صدام حسين وثنّى على كلامه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح دعونا نضيف ذلك للبيان.

ونظر الرئيس صدام حسين نحو الملك حسين الذي قال على مضض: لا بأس سنضيفها.

لم تدم جلسة الختام طويلاً. فقد قرأ البيان الختامي متضمناً النص الذي أصر عليه الرئيس ياسر عرفات.

ورفعت الجلسة.

ودعي رجال الصحافة لحضور مؤتمر صحافي يعقده العاهل الأردني لتفسير البيان والإجابة عن أسئلة المراسلين.

وصلتني نسخة من البيان الختامي باللغتين العربية والإنجليزية في الوقت الذي وزع على المراسلين والصحافيين الذين حضروا المؤتمر الصحافي الذي عقده العاهل الأردني. وتبين لي أن النص باللغة الإنجليزية لا يتضمن ما تم الاتفاق عليه فيما يتعلق بوحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني.

أسرعت نحو جناح الرئيس أبو عمار حاملاً معي النص العربي والإنجليزي للبيان الختامي الموزع على الصحافة. ونبهته إلى أن النص الإنجليزي لا يتضمن جملة «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بوصفه لمنظمة التحرير الفلسطينية».

نظر إليّ متسائلاً: كيف يمكن أن نصحح ذلك لدى المراسلين الأجانب.

فأجبته: هذا ممكن فرد لكن كافة المراسلين يحضرون الآن المؤتمر الصحافي الذي يعقده العاهل الأردني.

فأجبته: دعني أحاول وسأعود خلال دقائق.

قمت بالاتصال هاتفياً بالمركز الإعلامي التابع للقمة العربية وطلبت منهم لأمر ضروري أن يبلغوا مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (وكان آنذاك الصحافي والكاتب توماس فريدمان) أن عليه الاتصال بي في غرفتي بفندق بلازا. وبالفعل حصل. ما هي إلا دقائق حتى كلمني توماس فريدمان هاتفيا. فقلت له إن هنالك أمراً مهماً وأنني أدعوه للحضور إلى جناح الرئيس ياسر عرفات في فندق البلازا.

فقال: سأحضر فوراً. وطلبت منه أن يحضر معه مراسلي «رويترز» و«أسوشيتدبرس» والوكالة الفرنسية.

كان الجميع في جناح الرئيس أبو عمار بعد ربع ساعة.

رحب بهم أبو عمار وأمسك بالبيان بنصيه العربي والإنجليزي وقال لهم: هل قرأتم النص؟ النص الإنجليزي ناقص فهو يتجاهل صفة «م. ت. ف» كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.

اطّلع الفريق الصحافي على النصين الذين وضعهما الرئيس على طاولة الاجتماع وتمت المقارنة. وتحولت تقارير المراسلين للتركيز على هذه النقطة بالذات وجاء عنوان «النيويورك تايمز» في اليوم التالي منصباً حول هذه النقطة فقط.

وقرر الرئيس أن يعقد مؤتمراً صحافياً بعد منتصف الليل. وكان هذا التوقيت غير مألوف وظن الجميع أن المراسلين لن يتمكنوا من الحضور.

لكن المفاجأة كانت أن قاعة المؤتمر امتلأت بالصحافيين والمراسلين وشرح لهم الرئيس ياسر عرفات الالتباس بين النصين.

وغادرنا إلى صنعاء صبيحة اليوم التالي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات