شارون لم يكن أبداً رجل سلام

شارون لم يكن أبداً رجل سلام

رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون بات في حكم الميت بكل المقاييس. وربما يستطيع الأطباء إبقاء جسده حياً، لكن إذا كان النزيف بالحدة التي تحدثت التقارير عنها فإن فرص استعادته لقواه العقلية معدومة.

لقد كان شارون مخططاً بارعاً في التكتيك العسكري، وإن كان مثيراً للجدل. فإن مؤسس المستوطنات في الضفة الغربية وغزة. أشعل فتيل الانتفاضة الثانية، وأعاد غزو الضفة وغزة بتكلفة باهظة من أرواح الفلسطينيين.

وبدأ بناء الجدار العازل في الضفة الغربية. وقد حملته لجنة إسرائيلية مسؤولية جزئية عن مذابح مخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان في الثمانينات. وهو نفسه قاد فريق كوماندوز ذبح قرية كاملة من الأبرياء الفلسطينيين.

كان شارون أشياء كثيرة، لكنه لم يكن يوماً رجل سلام. لم يثق يوماً بالسلام. لم يثق يوماً بالفلسطينيين. لم يتفاوض مع الفلسطينيين، ولم يكن ينوي فعل ذلك.

ولابد أن شارون وأقرب أصدقائه ضحكوا كثيراً عندما أطلق بوش تلك الاشاعة الكاذبة التي تصور شارون كرجل سلام، كان الرجل العجوز يعامل بوش وكوندوليزا رايس كالاولاد بتجاهلهما متى شاء والتلاعب بهما كيفما شاء.

لقد تعامل شارون مع خارطة الطريق كأضحوكة وهي فعلاً كذلك، وخلال خمس سنوات لم يتفاوض مع الفلسطينيين ولا مرة واحدة. واعترف أحد أصدقائه المقربين في حديث مع صحيفة إسرائيلية ان الهدف من الانسحاب من غزة هو تأجيل المفاوضات مع الفلسطينيين.

وقال إنهم سيتفاوضون معهم عندما يتحول الفلسطينيون إلى فنلنديين، وعندما كان الفلسطينيون يلتزمون بوقف إطلاق النار، كان شارون يستفزهم بحملة هجمات واغتيالات ثم يزعم أمام العالم انه ليس لديه شركاء للسلام.

في غضون ذلك، كان ينوي استخدام الجدار لتعزيز أمن إسرائيل وترك الفلسطينيين في «أوطان» صغيرة مستحيلة تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وكانت نية شارون ان يقوم بذلك بشكل أحادي ويضع الفلسطينيين تحت الأمر الواقع.

لم يلن شارون مع تقدمه في العمر، لكنه أدرك الأخطار الديموغرافية المحدقة بدولته، فمعدل الولادات بين العرب أعلى من معدل الولادات لليهود، وإذا حاولت إسرائيل إبقاء كل العرب تحت سيطرتها، فخلال بضع سنوات سيصبح عدد الفلسطينيين أكبر من الإسرائيليين في هذه الأرض. وعندها سيتلاشى الحلم الصهيوني بدولة يهودية، تقطنها غالبية من اليهود وتسيطر عليها حكومية يهودية.

إن كل ما يقال الآن عن القلق على عملية السلام في غياب شارون ليس سوى سخافات مضحكة. فليس هناك عملية سلام أصلاً. وهي مجرد شيء وهمي يتحدث عنه الساسة الأميركيون لإخفاء حقيقة أنهم يدعمون الإسرائيليين في اغتصاب حتى المزيد من الأراضي المتبقية للفلسطينيين.

احتلت إسرائيل الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان وسيناء في حرب 1967. ثم أعادت سيناء لمصر بعد أن أغرت إدارة كارتر المصريين بالمساعدات للتوقيع على معاهدة السلام (تكلفنا هذه المساعدات حوالي ملياري دولار بالسنة). لكن بعد مرور 39 سنة، لم تستطع ما سميت بعملية السلام إلى الآن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، الذي أدانه المجتمع الدولي من اليوم الأول.

ومع أن الإسرائيليين انسحبوا من غزة، إلا أنهم ما زالوا يسيطرون على الحدود والجو والبحر، فضلاً عن استخدام غزة كحقل رمي للمدفعية والقصف الجوي عندما يلائمهم ذلك. هذه ليست سيادة.

كل أولئك المستعمرين اليهود في الضفة وضواحي القدس يعيشون في بيوت مبنية على أراض فلسطينية، صودرت بدون تقديم أي تعويضات لأصحابها الأصليين. وإسرائيل لا تنوي إعادة هذه الأراضي، والساسة في واشنطن يعرفون ذلك حق المعرفة، وهم يبقون على ستارت عملية السلام ليخفوا تواطؤهم في الجرائم والمظالم المرتكبة ضد الفلسطينيين.

هذا هو جوهر مشكلتنا في العالم الإسلامي. فإن كل مسلم على وجه الأرض يعرف أننا منافقون من الطراز الأول. نقول للعراق. إن عليه الإذعان لمقررات الأمم المتحدة وإلا فسوف نشن حرباً شعواء لتطبيقها بالقوة.

ونقول لإسرائيل إن بإمكانها تجاهل قرارات الأمم المتحدة لأننا نضمن عدم استخدام القوة لفرض أي منها. انتم ـ المسلمين ـ ممنوعون من امتلاك أسلحة نووية، لكن لا بأس في أن يمتلكها الإسرائيليون، إنها أكبر وأوضح ازدواجية في المعايير على وجه الأرض.

إن العناصر المفقودة من السياسة الخارجية الحالية لأميركا هي العدالة والصدق والإنصاف، كلا إن شارون لم يكن رجل سلام، بل كان مدافعاً شرساً عن بلد أحبه. وحتى هذا الوصف لا يستحقه الساسة الصقور الجبناء في واشنطن الذين يضعون أميركا في المرتبة الثانية.

ترجمة «علي محمد»

عن «أنتي وور»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات