بفضها الأختام الدولية وإعلانها استئناف الأبحاث النووية اجتازت إيران خطأ أحمر. هذه ليست الخلاصة التي عبرت عنها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وحدها. ثمة حلفاء حميمون لإيران وجيران أوفياء لديهم القناعة نفسها. من المؤكد ان قياديين داخل النظام الإيراني نفسه يتفقون مع مضمون العبارة.
بعبور ذلك الخط الأحمر ولجت الأزمة النووية الإيرانية حقلاً ملغوماً. الحديث الناعم بين الغرب وطهران لم يعد مجديا لإجبارها أو إقناعها بالتراجع عن برنامجها النووي. الإجابة عن السؤال الذي طرحه ذلك العبور لم يعد مهمة إيرانية بل الهم الذي يثقل كاهل واشنطن.
من الواضح أن القيادات الإيرانية كانت تعد أمرها للتصعيد مع الإدارة الأميركية. فوز أحمدي نجاد بالرئاسة يُشكّل الحلقة الأخيرة في استعادة المحافظين المتشددين الهيمنة على مقاليد الأمور في طهران. هؤلاء يمثل المشروع النووي أولوية لهم توازي الوجهة الأخرى للثورة الإسلامية.
هم يعتبرون النكوص عن هذا الخيار هزيمة تعادل تفريغ الثورة والجمهورية من أيديولوجيتها. الخلافات وسط القيادات الإيرانية ظاهرة متجذرة منذ إعلان الجمهورية في العام 1979.
صعود محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة في العام 1997 أخرج الخلافات من الإطار الفردي والأجنحة إلى رحاب المؤسسات. خاتمي أهدر الكثير من الوقت والجهد في مناطحة مؤسسات وأجهزة الدولة الواقعة تحت نفوذ المحافظين.
هناك مجلس صيانة الدستور، مجلس تشخيص مصلحة النظام، القضاء، جهاز المخابرات، جهاز الأمن، قيادة المؤسسة العسكرية وفوق كل ذلك جميعاً مرشد الجمهورية.
ضغوط المتشددين المكثفة على خاتمي أفرغت مشروع الإصلاحيين من زخمه وأخذ أنصار الإصلاح المتحمسين ينفضون من حوله. مظاهرات طلاب الجامعة المؤيدة لخاتمي اتخذت اتجاهاً مضاداً تحت كثافة الإحباط الناجمة عن النهج التوفيقي الذي سلكه خاتمي.
المتشددون يستعيدون رئاسة الجمهورية في المقابل مارس المحافظون تقدمهم لاحتكار كل أجهزة الدولة والمنابر المتاحة، فأحكموا قبضتهم على وسائل الإعلام. الإغلاق والتكميم كان مصير الصحف والكتّاب الذين حاولوا تفتيت النهج الإصلاحي أو التمسك به واقعاً.
مجلس صيانة الدستور فتح ماكينة قمع ذات ضغط عالٍ لعزل العناصر الإصلاحية وإغلاق الطريق أمامها إلى البرلمان. المجلس رفض قبول ترشيح 2500 مرشح بينهم 80 نائباً برلمانياً لخوض الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لتبرير تلك الحجة رفع المجلس جملة من الاتهامات في حق المرشحين. بين تلك التهم معاداة الإسلام (!).
لذلك كان الاستيلاء على مؤسسة رئاسة الجمهورية رغم ضيق مساحة صلاحيات الرئيس تمثل الخطوة الحتمية الأخيرة لفرض نظام شمولي متناغم الأجهزة.
من هذا المنظور فإن خروج أحمدي نجاد الأستاذ الجامعي المتواضع فائزاً في معركة الانتخابات الرئاسية لا يمثل واقع الأمر مفاجأة. على نقيض ما يبدو فإن فوزه على رجل بقامة هاشمي رفسنجاني يؤكد عزم المتشددين على الهيمنة الكاملة. نجاد هو ابن البراغماتية التي انتهجها رافسنجاني إبان توليه الرئاسة في(ولايتين سابقتين) تشكل في فقه العديد من المتشددين التوطئة المنطقية لبروز الإصلاحيين قوة دفعت خاتمي إلى سدة الرئاسة.
من ثم إذا كان النهج الإصلاحي مرفوضاً فمن الأولى رفض إعادة السيناريو الذي أفضى إلى ذلك النهج. كما أن رافسنجاني يمثل ببراغماتيته البارعة وجهاً مقبولاً لدى الغرب.
للرئيس السابق ورئيس مجلس صيانة الدستور هيبة في أوساط المتشددين ومن الأفضل إبعاده أو على الأقل عدم تعزيز مكانته بإعادته إلى رئاسة الجمهورية.
على الجبهة الاقتصادية يؤثر المتشددون إبقاء المؤسسات الصناعية والتجارية الكبرى تحت سيطرة الدولة أو مؤسسات دينية كبرى فيما ينادي الإصلاحيون بالخصخصة وتعزيز القطاع الخاص.
أحد أبرز مشاكل الإصلاحيين الذين يستظلون بالنظام الإسلامي الإيراني نفسه إنهم استمالوا جماعات يسارية وليبرالية وملكية وجميع هؤلاء يشككون في شرعية نظام الملالي. ربما منح هذا الائتلاف المحافظين المتشددين الحق لاتهام الإصلاحيين بالسعي لضرب النظام الإسلامي من الداخل. نجاد هو ابن هذا النهج المتشدد.
* علامات على نسق أزمات
يصورها الخط الأحمر الأخير فإن القيادة الإيرانية تضع الإدارة الأميركية في مأزق حرج ضمن لعبة القط والفأر الممارسة بين الطرفين في شأن البرنامج النووي. ليس المتشددون وحدهم الذين يساندون المضي في تنفيذ المشروع.
ثمة قطاعات عريضة من الإيرانيين المناوئين لنظام الملالي يعتبرونه مشروعاً وطنياً ذا أولوية لا ينبغي التنازل عنه ويرفض هؤلاء كما الملالي وأنصارهم الانكسار تحت الضغوط الخارجية. بهذا المنظور تسند القيادة الإيرانية ظهرها إلى جبهة داخلية متماسكة وهي ذاهبة على طريق المواجهة.
الواقع أن الجمهورية الإيرانية ظلت تدير العلاقات منذ انبثاقها مع أميركا. برؤية إدارة الأزمات. الملف النووي يشكل أحد أكثر المحاور سخونة في هذه الأزمات.
أميركا ظلت تمارس ضغوطاً متنوعة على إيران منذ نهاية حرب الخليج الثانية. مع أن السمة السياسية هي الغالبة في هذه الضغوط إلا أنها لم تخل من الطابع الإعلامي والاقتصادي، ولوَّحت شخصيات من إدارة بوش غير مرة بالخيار العسكري باعتباره أحد الاحتمالات الوارد استخدامها. إسرائيل وجهت علناً وفي جلاء تهديدات بضرب المواقع النووية الإيرانية.
من غير المحتمل ان تطلق إسرائيل مثل هذه التهديدات دون علم أميركا. من غير المستبعد ان تفعل إسرائيل ذلك تعبيراً عن استغلالها للأجواء المتوترة بين واشنطن وطهران. ربما تقدم على ذلك بإيعاز من أميركا، أيا كانت حقيقة الموقف الإسرائيلي فان إيران ردت بتهديدات مباشرة لإسرائيل دون ان تغفل أميركا إذا هددتها بضرب مصالحها في المنطقة.
القيادة الإيرانية لم توجه تلك التهديدات أو تقدم على مغامرة فض الأختام الدولية عن مواقع نووية وإعلان استئناف الأبحاث فيها استناداً فقط إلى تماسك جبهتها الداخلية، صحيح كما قلنا ان المشروع النووي يشكل لهذه القيادة واجهة أخرى للجمهورية الإسلامية وانها استكملت فرض هيمنتها على مؤسسات الدولة لكن ظروفا أخرى ساهمت في الإقدام على تلك المغامرة.
في الظروف الدولية عامة والبيئة التي تكتنف العلاقات الأميركية الإيرانية العديد من المحاور الأساسية التي لا يمكن إغفالها إذ هي تشكل أثقالاً في موازنة الخطوات المحتملة لدى كلا الطرفين.
* ثقل جيواستراتيجي
على الصعيد الاستراتيجي تشغل إيران حيزاً بالغ الحيوية يجبر أميركا على أخذه في الاعتبار الدائم. لدى القيادة الإيرانية قناعة بأن القوى الأوروبية لن تذهب مع أميركا إلى نهاية الطريق الذي ترغب فيه نظراً لحاجة تلك القوى الأوروبية للحيز الإيراني الاستراتيجي. هو حيز بات يشكل محور رهان ساخناً لطموحات دول كبرى خاصة روسيا والصين.
إيران تمثل سوقاً هائلة بكثافة 70 مليون نسمة وتفتح أبواباً واسعة للاستثمار. حجم التبادل التجاري بينها وبين أوروبا تجاوز عشرة مليارات دولار العام الماضي. إيران دولة نفطية ولاعب أساسي في السوق النفطية بإنتاجها «المصدر الثالث» وموقعها. هي قوة إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ولها وشائجها الاثنية والثقافية في القوقاز وبحر قزوين.
روسيا أبرمت مؤخراً صفقة لتزويد إيران بأسلحة بما يوازي مليار دولار. في المجال النووي توجد صفقة ثنائية تجني روسيا بموجبها 800 مليون دولار، وللصين واليابان والهند عقود استثمارية هائلة في مجالات النفط والغاز.
ربما لا يكون العمل العسكري الخيار الأكثر جاذبية للإدارة الأميركية إزاء إيران حالياً. عندما تقدم القيادة الإيرانية على تجاوز خط أحمر من شأنه استفزاز الآخرين فلابد أن تضع كل الخيارات المحتملة.
من المنظور الإيراني، لا تبدو الإدارة الأميركية في أفضل حالاتها للإقدام على عمل عسكري لأسباب عدة. على الصعيد الأميركي الداخلي لم تثبت إدارة بوش مصداقية الشعار الذي روّجت به الذهاب إلى العراق.
تصفية أحد جيوب أسلحة الدمار وإحدى قواعد الإرهاب أصبحت فرية. كلفة المهمة العسكرية باتت باهظة في النفس والنفيس. لا أحد في الإدارة الأميركية يجزم بتحديد سقف زمني لإنجاز المهمة. الانتشار العسكري الأميركي أمسى على رقعة واسعة من الحدود الباكستانية القريبة إلى الحدود السورية الشرقية.
لا أحد في الشرق الأوسط أو ممن تعنيه المنطقة من حيث المصالح يود فتح جبهة جديدة لا يعرف أحد توقيت إغلاقها. من الصعب انضمام قوة أوروبية لعمل عسكري ضد إيران.
إيران ليست قوة داخل حدودها القطرية إذ هي قادرة على تحريك أذرع لها على مساحة واسعة على رقعة آسيا. ما من بديل إيراني جاهز لملء الفراغ بعد إطاحة النظام الحالي. مثل هذه الحسابات تجعل العمل العسكري خياراً غير عاجل ولكنه ليس بالمستبعد كما تقول شخصيات في الإدارة الأميركية.
الخطوة الإيرانية الأخيرة بفك الارتباط مع الاتفاق الأوروبي ينقل الأزمة خطوة في لعبة عض الأصابع لكنها لم تدخل بعد نطاق تكسير العظام. ثمة خيارات سياسية واقتصادية تفرض نفسها.
هناك متسع لاستكمال الضغوط السياسية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن. جبهة الجدل القانوني توفر أمام إيران فرصاً للمناورة. العمل الدبلوماسي يبقي الأفق أمامها مفتوحاً لكسب جولات لتفريغ الاستنفار الأميركي من مضمونه داخل مجلس الأمن. واشنطن تحتاج إلى نشاط مكثف بغية استصدار قرارات دولية ترغم إيران على الانصياع لإرادة المجتمع الدولي أو منح الإدارة الأميركية مشروعية القيام بعمل عسكري.
رغماً عن أجواء التوتر فلا يزال كل طرف يحتاج إلى الآخر. القيادة الإيرانية تريد إنهاء هذا العداء المستحكم من قبل واشنطن. الإدارة الأميركية ترغب في تعاون إيران في مجال مكافحة الإرهاب وتود منها على الأقل الحياد فيما يتعلق بالشأن العراقي.
بالتأكيد يهم أميركا ألا تمنح إيران فرصة لإرباك السوق النفطية بالتأثير على تدفق الإنتاج أو حالة الأسعار. تجربة التعامل الصبور مع كوريا الشمالية أثبتت إمكانية إعادة السيناريو على نحو أو آخر رغم الفارق بين الحالتين الكورية والإيرانية.
* الملف النووي
المغامرة الإيرانية الأخيرة أربكت روسيا والصين ربما أكثر من الترويكا الأوروبية. الخطوة جاءت فجائية على نحو مغاير للتوقعات في بكين حتماً لكنها لا تبدو مباغتة لبعض المعنيين بالملف الإيراني في موسكو.
هناك من كان يتوقع مثل هذا الإجراء الإيراني في سياق مهمة لتزكية القيادة الإيرانية وصعود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية. بين الاختصاصيين في استراتيجية المنطقة الروس من يدرك نهج المتشددين الإيرانيين في معالجة الأمور.
الأقرب إلى التصور ان القيادة الإيرانية جنحت إلى دفع الأزمة إلى حافة الهاوية ليس سعياً للمواجهة وإنما رغبة في إيجاد مخرج من الحلقة المفرغة التي ظلت فيها.
الحوار بين إيران والترويكا الأوروبية استغرق زهاء السنتين دون بلورة مخرج سعيد لأي من الطرفين. في نوفمبر العام 2004 توصل الجانبان إلى اتفاق مبدئي غايته تسوية الأزمة النووية الإيرانية. الاتفاق ألزم إيران بوقف دورة الوقود النووي بدءاً من تخصيب اليورانيوم مروراً بأجهزة الطرد المركزي واستيراد اسطوانات أجهزة فصل الغاز المستخدمة في إنتاج السلاح النووي.
في المقابل تعهدت الترويكا الأوروبية بتقديم دعم تكنولوجي يعين إيران على تطوير قدرات نووية سلمية بما في ذلك معدات لبناء مفاعل يعمل بالماء الخفيف من أجل توليد الكهرباء.
كذلك تعهدت الترويكا بإنهاء عزلة إيران السياسية والاقتصادية في الغرب ورفع الحواجز أمام انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية وقطع الطريق أمام الجهود الرامية إلى نقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن. التعهدات الأوروبية شملت كذلك العمل من أجل اتفاقات للتعاون الاقتصادي والأمني والتجارة الحرة بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي.
الاتفاق قضى بوقف إيران جميع الأنشطة النووية، إبان فترة التفاوض فقط. الترويكا لعبت دور الوسيط بين إيران من جهة وكل من أميركا والوكالة الدولية للطاقة الذرية من الجهة الأخرى.
الدول الثلاث وهي ألمانيا، فرنسا وبريطانيا أعدت فيما بعد مشروع قرار يوجب إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن بمجرد نكوص طهران عن التزاماتها. بالإضافة إلى ذلك تراجعت شركات من الدول الثلاث عن تزويد إيران بتكنولوجيا لدعم مشروعاتها السلمية. الشركات الأوروبية كانت تخشى ردود فعل أميركية وربما إسرائيلية محتملة.
هذه الخطوات ولدت لدى الإيرانيين شعوراً بوجود تواطؤ أوروبي ـ أميركي يستهدف عرقلة مشروعها النووي بأسره. هذا الشعور ترقى إلى مرحلة اليقين حينما صرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن واشنطن تقاسمت أدواراً مع الترويكا الأوروبية لتقويض البرنامج النووي الإيراني.
الاتفاق بدأ ينحدر لجهة الانهيار بعد مماطلة الترويكا في الرد على طلب إيراني بتحديد جدول زمني للمحادثات المتفق عليها بغية تعزيز التعاون الاقتصادي بين إيران والاتحاد الأوروبي. عوضاً عن الاستجابة طالب الاتحاد الأوروبي إيران الوفاء بجملة من الشروط الأخرى.
في مقدمة المطالب الأوروبية وفقاً للاتفاق الثنائي تحسين حالة حقوق الإنسان في إيران وحماية الحريات الشخصية والتوجه بخطوات جادة لجهة التحول الديمقراطي والانفتاح الثقافي والاقتصادي.
كذلك طالبت أوروبا إيران بالتخلي عن معاداة إسرائيل ودعم التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي واستخدام نفوذها في العراق لإحلال الاستقرار والأمن ومساندة المشروع الأميركي هناك.
المطالب الأوروبية تضمنت مواصلة دعم مكافحة الإرهاب والعناصر التابعة لتنظيم القاعدة وكف المساندة لحزب الله في لبنان والتنظيمات المسلحة في فلسطين.
الإيرانيون اعتبروا هذه المطالب، بمثابة تدخل سافر في شؤونهم السياسية، هذه المطالب عززت رؤية الجناح الأكثر تشدداً إزاء التعامل مع الترويكا إذ رأى فيها إملاءات تجهض المشروع النووي ولا تقدم شيئاً لطهران.
* البعد الإسرائيلي في الأزمة
من المستحيل عزل الموقف الأميركي عن الإسرائيلي إزاء البرنامج النووي الإيراني. إسرائيل في نظر العديد من المراقبين هي المستفيدة الأولى من إجهاض المشروع الإيراني. بل هي المحرض الرئيسي لأميركا في تشددها إزائه.
عدد من القادة الإسرائيليين أعلنوا ضرورة توجيه ضربة استباقية على غرار ما فعلوا مع المفاعل العراقي في العام 1981 ما يقلق الإسرائيليين لدى إيران إنتاجها صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية وقادرة ان تطال أهدافا داخل إسرائيل. لكن ما يقلق إسرائيل وأميركا والآخرين قدرة إيران على إنتاج قنبلة نووية.
إذا كانت هناك قوى تخشى من امتلاك إيران القنبلة النووية فان هناك من يرى ان مثل هذه الخطوة ستفتح الباب امام قوى إقليمية أخرى في المنطقة لحذو حذو إيران. في مقدمة تلك القوى تأتي احتمالات تركيا ومصر..
لدى البعض مثل هذا التوجه يناقض مسعى المنادين وهم كثر بإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل والذين يستهدفون الترسانة الإسرائيلية بصفة خاصة. رغم كل الحماية التي توفرها أميركا لهذه الترسانة فلا تزال ثمة بارقة أمل ان يأتي حين من الدهر لإقناعها بضرورة تصفية هذه الترسانة في وجود أكثر من قوة نووية لا تخدم التوازن في المنطقة حسب نظر البعض.
وفقا لبعض المصادر العسكرية بما في ذلك الغربية منها فان الإيرانيين استوعبوا درس تدمير المفاعل العراقي فعمدوا الى بناء برنامج وفق شروط حماية تؤمن له السلامة. إيران تفادت تجميع منشآتها النووية في موقع واحد بل عمدت الى توزيعها. تأمين السلامة ذهب ابعد من ذلك اذ اخفت العديد من محطات ومراكز الأبحاث تحت الأرض.
بعض المصادر تتحدث عن تسهيلات نووية تحت عمق 75 قدما في باطن الأرض. هناك أكثر من مائة موقع مشتبه بأنها تشكل شبكة البرنامج النووي الإيراني.
مصادر غربية تحدثت عن علم أميركا بالبرنامج الإيراني بعد مرور 18 سنة على بدئه. المصادر عزت تسريب المعلومات إلى منشقين إيرانيين من داخل الدائرة المعنية بإدارة البرنامج.
لدى الغرب وإسرائيل بصفة خاصة ان ضرب مواقع محددة مثل بوشهر سيقصم ظهر البرنامج الإيراني. بعض المراقبين لا يستبعدون توجيه ضربات الى مواقع حيوية لكسر عظم النظام. هناك من يرى ان هذه الضربات ستستهدف - عند تنفيذها - المفاصل التي يعتمد عليها المحافظون مثل الحرس الثوري بغية تفكيك قبضة المحافظين. الغاية من ذلك إفساح هامش أمام القوى المعارضة لتجميع صفوفها للعمل ضد النظام.
القول بعدم وجود بديل جاهز للنظام لا يلغي احتمال نهوض مثل هذا البديل مستقبلاً. صحيح أن القيادة الإيرانية تسند ظهرها إلى جبهة داخلية متماسكة لكن هذه الجبهة ـ كما ذكرنا ـ تصطف دفاعاً عن المشروع النووي أو القيادة القومية. هذا التماسك لا ينفي وجود مشاكل داخلية تقلق راحة النظام. إيران تواجه أزمة اقتصادية.
البطالة ظاهرة مستفحلة. الهجرة إلى الخارج تستنزف طاقات وأدمغة إيرانية. هناك بؤر للنزاعات الطائفية والإثنية. جماعات لبيرالية وإصلاحية من داخل النظام تتعرض لأشكال متباينة من القمع.
بما أن العمل العسكري لا يحظى بالأولوية لدى قطاع من المراقبين فمن غير المستبعد أن يشكل تحريك الجبهة الداخلية أحد العناصر في حملة الضغوط على إيران.
الحملة تستهدف تفكيك التحالفات الدولية التي تمثل قوة دفع للقيادة الإيرانية في مغامرتها لاستفزاز الجميع. بما أن الملف قد تم تحريكه إلى مجلس الأمن فإن الضغوط الدولية تشمل حزمة من العقوبات المألوفة. فتح المجال أمام الخيار العسكري سيكون حاضراً في أروقة المجلس وقد يتم طرحه على الطاولة.
تلويح القيادة الإيرانية بقبول الاقتراح الروسي لتخصيب اليورانيوم الإيراني على الأرض الروسية يمثل بادرة تراجع إلى ما وراء الخط الأحمر. القيادة الإيرانية تعرف متى تتجرع الدواء المر.
* العرب على رصيف الفرجة
كما هو مألوف انقسم العالم العربي بين رافض للبرنامج النووي الإيراني ورافض للتشديد الأميركي بقصد إجهاض البرنامج من مقاصده. الرافضون للبرنامج الإيراني يرون فيه تهديداً يزيد من التوتر في المنطقة ويفتح الأفق أمام مزيد من التسابق النووي.
بعض من هؤلاء يعتبرونه إضافة تعزز طموحات إيران غير المشروعة لبروز قوة إقليمية. العديد من هؤلاء ينفون أن تكون المسألة مبنية على أسس عرقية باعتبارهم كانوا في مثل هذا الموقف من قبل إزاء تعاظم الترسانة العراقية.
هناك من يضيف إلى هذه المخاطر التهديد البيئي المحتمل بانفجار كارثة من أحد المفاعلات الإيرانية على غرار ما حدث في تشرنوبل خاصة وأن المفاعلات الإيرانية روسية الصناعة. الحديث عن موازنة السلاح النووي الإسرائيلي لا يكتسي عقلانية عند جبهة الرفض هذه. الأفضل من تكديس أسلحة نووية العمل الجاد على إخلاء المنطقة منها.
الرافضون للضغوط الغربية بقيادة أميركا يتطلعون من معاداة مستحكمة لكل خطوة أميركية في شأن المنطقة. قطاع من هذه الجبهة الرافضة يستندون إلى الدعم الأميركي الأعمى للسياسات والممارسات الإسرائيلية على حساب العرب.
بين هؤلاء عديدون يصنفون الواقع العراقي باعتباره مثالاً لما ترغب أميركا في صناعته بأهل المنطقة. هناك من يرى استحالة عزل الضغوط الأميركية على إيران في هذه المرحلة عن الشأن السوري.
هناك من يرفض تصنيف البرنامج الإيراني من منظور طائفي يؤدي إلى إنتاج قنبلة شيعية تعزز هيمنة هذه الطائفة من إيران إلى لبنان في ما يعرف بـ «الهلال الشيعي». هذا التصنيف يستند أساساً إلى قولية غير عميقة الرؤى تصنع القنبلة النووية الباكستانية باعتبارها قنبلة إسلامية.
ثمة من يرى أنه بدلاً من رفض البرنامج الإيراني أو الضغوط الغربية الأفضل أن يقتحم العرب السباق النووي الذي أصبح واقعاً.
متابعة: عمر العمر