حقيقة تظهرها وثائق رسمية

خطة الهجوم على سوريا تثبت نية الغرب المبيتة

«من أجل تسهيل عمل قوات التحرير وتقليص قدرات النظام السوري على تنظيم وتوجيه أعماله العسكرية ومن أجل خفض الخسائر وحجم الدمار إلى أقل مستوى وتحقيق النتائج المرجوة في أقل فترة ممكنة ـ من أجل ذلك كله ينبغي أن يكون هناك عمل خاص يستهدف التخلص من شخصيات بعينها.

ويجب أن تتم عملية التخلص هذه في مرحلة مبكرة من العمل العسكري. وحتى يتسنى تحقيق هذا الهدف، يجب «إظهار دمشق وكأنها ترعى العنف والتخريب والمؤامرات التي تُحاك ضد حكومات الدول المجاورة لها».

و يتعين على وكالة الاستخبارات المركزية «سي أي إيه» ونظيرتها البريطانية «استخدام قدراتهما على المستويين النفسي والعملي بغية رفع حدة التوتر في المنطقة». والتخلص من النظام السوري يعني أيضا تمويل تشكيل لجنة من أجل «سوريا حرة» وتسليح أحزاب سياسية مختلفة.

ما ورد أعلاه هو مقتطفات من وثيقة يعود تاريخها إلى خريف عام 1957 اكتشفها أخيرا أحد الباحثين، وتبين أنها حظيت بموافقة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق أيضا هارولد ماكميلان.

في تلك الفترة كان يُنظر إلى الشرق الأوسط ، بشكل يغلُب عليه التبسيط المفرط الذي يمكن أن يؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية للمنطقة، باعتباره مكانا للمواجهة بين الشرق والغرب.

وفي تلك الفترة كانت الحكومتان البريطانية والأميركية تنظران إلى النظام السوري، الذي كان في واقع الأمر نظاما ديمقراطيا ليبراليا ، وإن كان قوميا ـ كانتا تنظران إليه باعتباره ليس أكثر من مجرد لعبة في أيدي السوفييت، الأمر الذي كان يعني لهم حتمية التخلص من هذا النظام وقتل قادته.

غير أنه حدث بعد أشهر من ذلك التاريخ وبالتحديد في يناير 1958 أن ذهب السوريون إلى الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر يطلبون منه إقامة وحدة بين مصر وسوريا. ومنذ تلك اللحظة قامت الجمهورية العربية المتحدة الجديدة وحدث أن ساءت علاقة تلك الجمهورية بموسكو، ومن ثم تم صرف النظر عن خطط الغرب التخريبية ضد سوريا.

بيد أن العالم قد تغير منذ ذلك التاريخ. وحلت الحرب ضد الإرهاب محل الحرب ضد الشيوعية. وفي الوقت ذاته ظلت رؤية الولايات المتحدة للمنطقة منطوية على سوء فهم قائم على تبسيط مشوه لحقائق الأمور.هذه الرؤية تقوم على أن الطرف الذي ليس «معنا» هو ضدنا، على حد تعبير الرئيس الأميركي جورج بوش.

ومن ثم فإنه في ظل وجود «حرب عالمية ثالثة» تتضمن جهودا أميركية تهدف إلى سحق المقاومة العراقية وإخضاع العالم العربي، فإن الرفض السوري للانحناء أمام رغبة وإرادة واشنطن يتحول إلى أمر لم يعد بالإمكان تحمله من وجهة النظر الأميركية.

و منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعلى الرغم من التعاون الذي أبدته دمشق بشكل كبير في تعاملها مع «سي أي إيه» بشأن تعقب عناصر من تنظيم القاعدة- منذ هذا التاريخ تتبنى الإدارة الأميركية منطق مهاجمة سوريا.

واتهمت تقارير مسربة من خلال صحيفة «نيويورك تايمز»، التي عُرف عنها بث تقارير موجهة ضد العراق-اتهمت نظام البعث بامتلاك أسلحة دمار شامل. وتبنى الكونغرس قانون مساءلة سوريا في 11 نوفمبر 2003.

وهو القانون الذي فوض الرئيس الأميركي بوش بالموافقة على عقوبات ضد دمشق. ثم حدث في 11 مايو 2004 أن فرض بوش، بعد اقتناعه بأن سوريا تمثل قاعدة انطلاق خلفية لحركات المقاومة في العراق، عقوبات اقتصادية ومالية ضد النظام السوري.

و افتقدت الحملة الأميركية الوسطاء الأجانب، لاسيما فيما يتعلق بالحرب على العراق. ولكن بعد ذلك حدث أن وجد بوش في الرئيس الفرنسي جاك شيراك حليفا غير متوقع.

في يونيو 2004 وأثناء قمة دول الثماني في سي آيلاند في الولايات المتحدة الأميركية، اقترب شيراك من بوش واقترح عليه إصدار قانون من مجلس الأمن الدولي يطالب بانسحاب سوري من لبنان. وتسبب هذا الموقف الفرنسي.

والذي جاء نتيجة علاقات شخصية بين شيراك ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ونتيجة الإحباط الذي استبد بالفرنسيين بسبب إخفاق الرئيس السوري بشار الأسد في تنفيذ ما طُلب منه ـ تسبب في إحياء تعاون نشط بين فرنسا وأميركا بعد فترة طويلة من عدم التوافق بين الطرفين بسبب رفض فرنسا إعطاء شرعية للحرب الأميركية على العراق.

و في ذلك الوقت لم يكن أحد يتحدث عن الانتخابات الرئاسية اللبنانية. غير أن القرار السوري الذي صدر بعد ذلك بأشهر قليلة بشأن تمديد فترة ولاية الرئيس إميل لحود لثلاثة أعوام-هذا القرار جاء ليقدم مسوغا لإصدار القرار 1559 من مجلس الأمن.

وتمت الموافقة على القرار، الذي كان قد تمت صياغته بالفعل منذ فترة طويلة، في الثاني من سبتمبر 2004 وذلك بالحصول على الحد الأدنى المطلوب للموافقة (تسعة أصوات من أصل 15 صوتا). وطالب القرار بانسحاب القوات السورية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات.

ثم جاء مقتل الحريري في 14 فبراير الماضي، وهو الحادث الذي غير مسار الأمور، إذ اتُهمت السلطات السورية بقوة بأنها تقف وراء الاغتيال. وسارعت سوريا بسحب قواتها من لبنان.

وتركز بعد ذلك الهجوم على سوريا على فتح تحقيق دولي تقوده لجنة يتولى رئاستها القاضي الألماني ديتليف ميليس. وفي ضوء الاهتمام الجديد الذي أولاه المجتمع الدولي للقضية، كانت سعادة واشنطن لا توصف عندما تركت باريس تتعامل مع القضية بنفسها.

و في أكتوبر تقدم ميليس بتقرير مرحلي يتضمن تحذيرا جديدا إلى سوريا مطالبا إياها بتعاون غير مشروط مع لجنة التحقيق، وهو المطلب الذي ووفق عليه بالإجماع في مجلس الأمن الدولي؛ ولم تنجح التحفظات التي أبدتها كل من روسيا والصين والجزائر إلا في إلغاء الإشارة إلى العقوبات النهائية.

و ما كتبه ميليس ليس إلا تقريرا مرحليا مؤقتا. فحتى على الرغم من قوله إنه مقتنع بأن اغتيال الحريري لا يمكن أن يكون قد تم من دون موافقة كبار المسؤولين السوريين واللبنانيين، إلا أنه أضاف:

« ريثما يكتمل التحقيق لا يمكن للمرء أن يستبين الأمر بشكل كامل ويعرف كيف وقع الاغتيال ومن هو الطرف المسؤول عن اغتيال الحريري واغتيال 22 شخصا بريئا آخر. ومن ثم فإن فرضية البراءة لا تزال قائمة».

هذه النظرة الحذرة لم تعمل بها وسائل الإعلام، التي سربت، فيما يبدو بطريق الصدفة، النسخة الأولى من نص القرار، وهي النسخة التي اتهمت بوضوح ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، ونسيبه آصف شوكت، رئيس جهاز الاستخبارات العسكري، بالضلوع في اغتيال الحريري.

هذان الاسمان تم محوهما من النسخة التالية الرسمية للتقرير، ولكن هذا لم يمنع وسائل الإعلام من التصرف وكأن ميليس قد حدد المتهمين بالفعل.

و السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: «هل نحن متجهون إلى تصعيد حدة التوتر في المنطقة؟ إن فرض نظام عقوبات على سوريا هو أمر من شأنه معاقبة شعبها في المقام الأول كما كانت الحال في العراق؛ فإغلاق الحدود السورية يمكن أن يخلق مشكلات مع جيرانها، بدءاً بلبنان.

وسقوط النظام السوري هو خطوة من شأنها أيضا أن توسع من دائرة الفوضى التي أوجدها التدخل العسكري الأميركي في العراق وما تلاه من احتلال.

لقد قالت صحيفة «واشنطون بوست» ما يلي: «عملية التخطيط، طبقا للوثائق الداخلية، تتضمن مراحل للقيام بعمليات عبر الحدود تهدف إلى إغلاق الحدود السورية - العراقية وإلى تدمير المرافق الآمنة التي تدعم حركة التمرد العراقية والقيام بهجمات على البنية التحتية لأسلحة الدمار الشامل السورية التي تدعم تطوير أسلحة بيولوجية وكيميائية وكذلك القيام بهجوم على نظام الرئيس السوري بشار الأسد».

ولم يقل المحلل العسكري لتلك الوثائق ما إذا كان، مثلما كانت الحال مع وثائق 1957، اغتيال الرئيس السوري جزءاً من تلك الخطة أم لا.

ترجمة: حاتم حسين

عن «لوموند دبلوماتيك»

رئيس تحرير «لوموند دبلوماتيك» وخبير في شؤون الشرق الأوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات