يواصل المؤلف في هذه الحلقة حديثه عن مجريات ووقائع الحرب المشتعلة بين قوات الغازي شارون وأفراد المقاومة الفلسطينية التي تصدت بصمود نادر لجحافل الدبابات الإسرائيلية تحت وابل القصف الجوي والبحري والبري، حيث يسرد لنا تفاصيل الاستعدادات الفلسطينية لمواجهة أي محاولة من قبل شارون لاقتحام بيروت. ويكشف لنا معلومات مهمة حول النصيحة السوفييتية التي وردت إلى القيادة الفلسطينية عن طريق السفارة السوفييتية في بيروت، ومفادها أن القيادة لا تستطيع التدخل لا عسكرياً ولا سياسياً ولا حتى إنسانياً لصالح الطرف الفلسطيني وأنها تنصح القيادة الفلسطينية بالخروج من بيروت ولو على متن سفينة حربية أميركية. ولكن عرفات وإخوانه في القيادة كانوا قد عقدوا العزم على المقاومة دفاعاً عن الثورة الفلسطينية وعن الكرامة العربية.
منذ أن بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان، في الخامس من يونيو 1982، ركزت عجلة الدعاية الإسرائيلية على أن هدفها من العملية العسكرية هو هدف دفاعي، وأن قواتها ستطهر منطقة الأربعين كيلومتراً المحاذية لحدودها الشمالية، بحيث تمنع القوات المشتركة الفلسطينية والوطنية اللبنانية من قصف مستوطنات وبلدات شمال إسرائيل بالصواريخ وعندما تمكنت القوات الإسرائيلية من السيطرة على قلعة الشقيف «بوفور» كما يسميها الفرنسيون أذاع رئيس الوزراء بيغن بياناً أوحت لهجته أن أهداف الغزو قد تمت، لكن القوات الإسرائيلية استمرت في تقدمها عبر تكتيك القفز، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المشتركة تقاتل بضراوة جحافل الجيش الإسرائيلي في منطقتي صور وصيدا، أنزلت من سفن بحرية أميركية الصنع قبالة شواطئ خلدة جنوب بيروت عشرات الدبابات البرمائية ظناً أن القيادة المشتركة ستؤخذ على حين غرة، وأن معنويات المقاتلين ستنهار لأنهم سيظنون أن الإسرائيليين اجتاحوا كل مناطق الجنوب وأنهم يقومون باقتحام بيروت
إلّا أن التصدي البطولي أجبر هذه القوة الغازية على التراجع بعد أن دمر المقاتلون عدداً من الدبابات وأسروا اثنتين منها.
ولم يبدُ الغزو الإسرائيلي خطيراً للسوريين إذ كانوا قد أُبلغوا عبر الولايات المتحدة أن الإسرائيليين يقومون بعملية محدودة رداً على ضربات الصواريخ إلا عندما تقدمت ارتال دباباتهم في عمق الشوف، ووصلت قواتهم بحمدون في جبل لبنان عندها استنفرت سورية قواتها الخاصة، ونقلتها بالطائرات المروحية وخاضت هذه القوات ملاحم بطولية لوقف التقدم الإسرائيلي الذي كان يستهدف السيطرة على مرتفعات جبل لبنان المطل على البقاع والتي تمكن إن تمّت المدفعية الإسرائيلية من ضرب دمشق.
لكن سورية عادت فوافقت على وقف إطلاق النار في العاشر من يونيو، بعد اتصالات سوفييتية أميركية مكثفة، وخرجت سورية من المعركة، وبقيت القوات الفلسطينية واللبنانية الوطنية في مواجهة الجيش الإسرائيلي بكامل عدده وعدته واستثار الصمود الفلسطيني اللبناني جنون الجنرال شارون الذي أصدر تعليماته بقصف بيروت جواً وبراً وبحراً دون انقطاع وتغيّر البيان الإسرائيلي، إذ لم يعد الهدف تطهير الأربعين كيلومتراً، وإبعاد قاذفات الصواريخ عن مستوطنات وبلدات شمال إسرائيل، بل أصبح تصفية القيادة الفلسطينية وتطهير بيروت من الفلسطينيين.
كان الأخ أبو عمار يجري اتصالات مكثفة مع سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بشكل مباشر أو غير مباشر، لوضع حد للغطرسة الإسرائيلية، ولقد لعب الأخوة اللبنانيون دوراً مهماً مع الدول الغربية، خصوصاً فرنسا لكن حلفاء منظمة التحرير الدوليين تمثلوا آنذاك بالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، القوة العظمى الرادعة، لاجتياحات كهذا الذي حصل في لبنان وقول الرادعة من باب ضغط الاتحاد السوفييتي على الولايات المتحدة لتقوم بدورها بالضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية إلّا أن هذا الأمر لم يحصل منذ أن وقّعت سورية اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من يونيو، وبدا المعسكر الاشتراكي عاجزاً كل العجز عن تقديم يد المساعدة تماماً كما كان الوضع العربي فكان على منظمة التحرير الفلسطينية وشركائها الوطنيين اللبنانيين أن ينظموا أنفسهم للصمود طويلاً أمام الغزاة الإسرائيليين، بالرغم من الحصار المحكم الذي فرض على بيروت، وتناقص الذخائر، والمواد التموينية، والطبية، وفي الوقت نفسه كان على القيادة برئاسة الأخ أبو عمار أن تشحن كل طاقاتها وحكمتها السياسية لتصل إلى حل مشرف، من خلال التفاوض مع فيليب حبيب المبعوث الأميركي، الذي كان يجري اتصالاته بالقيادة عبر الأخوان اللبنانيين سواء كانوا مسؤولين رسميين مثل رئيس الوزراء شفيق الوزان أو غير رسميين مثل رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام.
وتشير حقائق الأمور والمعلومات الدقيقة إلى أن الولايات المتحدة الأميركية أعطت إسرائيل ضوءاً أخضر لضرب منظمة التحرير، وأنها مددت لها أكثر من مرة الفترة الزمنية المسموح بها لتحقيق هذا الأمر، وأن هذا الموقف أبلغ للسوفييت الذين لم يبلغونا، بالرغم من تعلق بعض القياديين بحبال الهواء حول الموقف السوفييتي وادعائهم أنهم تسلموا رسائل من موسكو. وكانت كلها من ممثليهم في العاصمة السوفييتية، ولا علاقة للكرملين بها ولقد وصلت الأوهام ببعضهم إلى حد التحدث في اجتماعات رسمية حول قرب وصول حاملات طائرات مروحية سوفييتية قبالة شواطئ بيروت وقرب التدخل السوفييتي كان الأمر يبدو لي مضحكاً وصبيانياً، وأضحكني هذا الأمر كثيراً عندما تحدث بعضهم في اجتماع ترأسه الأخ أبو عمار فقالوا في مداخلاتهم إن السوفييت أكدوا في رسالة مستعجلة وصلت إلى أحد القياديين أنهم سيتحركون بسرعة، وأنهم سيتدخلون فأجابهم الأخ أبو عمار بهدوء شديد ولماذا يضع السوفييت سرهم لدى فلان من القيادات بإمكانهم الاتصال برئيس منظمة التحرير مباشرة إذا كان لديهم قرار خطير كالذي تتحدثون عنه وخرج بعدها الأخ أبو عمار ليتابع المفاوضات السياسية مع رئيس وزراء لبنان شفيق الوزان والحقيقة بعدها كانت معروفة للأخ أبو عمار، وهي بالضبط ما أبلغه إياه السفير السوفييتي في بيروت نقلاً عن الكرملين مباشرة.
رسالة السوفييت
حضر إلى بيتي الكائن في تلة الخياط، الكولونيل نوسكوف، وكان آنذاك مسؤول الاستخبارات العسكرية السوفييتية في سفارتهم ببيروت، وأبلغني أن هناك رسالة عاجلة من الكرملين وصلت للتو، وأن السفير السوفييتي يريد أن يبلغها للأخ أبو عمار فوراً، فقلت له أنني سأبلغ الأخ أبو عمار بها بأسرع ما يمكن كان هذا في الساعة الثالثة فجر السابع عشر من يوليو.
لأسباب أمنية، لم يكن ممكناً أو مسموحاً الاتصال هاتفياً، فأسرعت نحو مقر الأخ أبو عمار السري وأبلغته بالأمر فأمر بالتوجه فوراً للسفارة السوفييتية، ورافقته في تلك الزيارة الخاطفة كان القصف الإسرائيلي البحري والبري مستمراً وفيما كانت السيارة الصغيرة التي نقلتنا تلتهم كورنيش المزرعة، متجهة نحو السفارة السوفييتية، أنارت قنابل الإضاءة الإسرائيلية سماء بيروت، فأمر الأخ أبو عمار السائق أن يقود السيارة بسرعة عادية.
وما هي إلّا دقيقة أو نحو ذلك وصلنا بوابة السفارة السوفييتية وكان الحرس السوفييتي منتشراً، وكأنه ينتظر زائراً مهماً، على الرغم من أن الرئيس لم يبلغ السفارة بتلك الزيارة فتحت الأبواب فوراً، ودخلت سيارته الصغيرة باحة السفارة الداخلية، وهبط منها الأخ أبو عمار الذي سار في المقدمة بخطوات عسكرية سريعة كعادته، وما إن وصل درج المبنى الرئيسي حتى هرع السفير ومعه طاقم السفارة الأساسي لاستقباله.
«كاك دي لا»، أي كيف حالك باللغة الروسية، بادر الأخ أبو عمار بمرح وبمعنويات عالية السفير السوفييتي الذي أجاب بمعانقته ومرافقته بسرعة إلى داخل السفارة.
في تلك اللحظة بدأت أصوات الصواريخ والقنابل التي قذفت من الطائرات الحربية الإسرائيلية تصم الآذان وتهز أركان السفارة.
بدا القلق على وجوه السوفييت الرئيس كان هادئ الأعصاب هل تشربون الشاي سيادتكم؟ سأل السفير أبو عمار.
أجاب الأخ أبو عمار بأن الوقت ضيق، وأنه لا يريد أن يجرب كرم السوفييت، ثم أطرق ناظراً إلى السفير وكأنه يدعوه للكلام.
قال السفير محاولاً أن يضفي على ملامحه هدوءاً كمثل الذي بدا على وجه الأخ أبو عمار:
لقد وصلتني للتو رسالة من مجلس السوفييت الأعلى وهي موجهة لكم يا سيادة الرئيس تابع الأخ أبو عمار صمته منتظراً كلام السفير الوضع خطير يا سيادة الرئيس ويبدو ان الولايات المتحدة تعد المنطقة منطقة نفوذ لها، ونحن على يقين أنها أعطت ضوءاً أخضر للإسرائيليين أن يصفّوا قيادة منظمة التحرير.
والرسالة التي وصلتني من الكرملين واضحة كل الوضوح، فالرفاق يرون أنه من الحكمة أن تحني الرأس قليلاً لتنقذ ما يمكن إنقاذه، لأنه لا مجال للتدخل السوفييتي سياسياً أو عسكرياً، أو حتى إنسانياً، وأنه إذا عرض عليكم أن تخرجوا من بيروت على متن سفينة حربية أميركية فلا ترددوا.
ابتسم أبو عمار بهدوء بارد كزرقة مياه المحيط، وقال إننا نعلم ذلك، ولقد قررنا الصمود والمقاومة حتى نتمكن من إيجاد حل سياسي مشرف على طريقتنا.
لن نخرج في شاحنات الصليب الأحمر رافعين أيدينا مستسلمين، ولن نخرج على ظهر سفينة حربية أميركية، بل سنخرج في الوقت المناسب لنحمي ثورتنا ومستقبلنا، ولكن بالمحافظة على كرامتنا، وزخم استمرار نضالنا لمنع شارون من دخول بيروت مهما كلف الأمر أرجو أن تبلغ هذا للرفاق الأعزاء والأوفياء في موسكو شكر السفير وهبّ واقفاً معتذراً أن الوقت ضيق، وعليه أن يتابع مواجهة خطة شارون للدخول إلى بيروت التي يمكن أن تبدأ صباح ذلك اليوم.
أوهام اقتحام بيروت
ظن شارون أن القصف اليومي والليلي براً وبحراً وجواً سوف ينهك الفلسطينيين، ويجعل اقتحام بيروت عملية سهلة، وظن أن نضوب ذخائرهم سوف يجعل دفاعهم هم وحلفاؤهم الوطنيون اللبنانيون أمراً صعباً.
واختار حسب خطته منطقة المتحف في بيروت، وهي المنطقة التي أصبحت بفعل تقادم الحرب الأهلية، خطاً فاصلاً بين ما اصطلح على تسميته بيروت الغربية وبيروت الشرقية، والمتحف ملاصق لميدان سباق الخيل في بيروت وهو ميدان واسع جداً ومعروف.
وظن الجنرال شارون أنه إذا اقتحم بيروت من تلك النقطة، واندفع بدباباته نحو البحر فإنه سيقطع أوصال بيروت الغربية، ويختصر احتلال أول عاصمة عربية بدفع دباباته على كورنيش المزرعة كيلو مترات قليلة لتصل البحر.
لكنه لم يكن يدري أن ما حلم به ليلاً لن يكتب له النجاح نهاراً، فقد كانت المدينة مستعدة للدفاع عن حجارتها وشوارعها وأسوارها وأهلها.
بين متر وآخر ثمة متراس ومدافع عن الوطن وعن العرب، وكان شارون يظن أن اندفاع دروعه من المتحف وميدان سباق الخيل نحو الحمام العسكري لن يأخذ منها سوى ساعة أو ساعتين.
أعد الجنرال شارون العدة خلف الأسوار، وظن أن عدة داود الحديدية كافية لاقتحام لحم جوليات وأن شمشون سينتصر على دليلة، ساعده أعداء الداخل لكن هذا لم يكن الأساس، كان درع داود هو الذي يغزو بعنجهية وغطرسة القوة واليأس.
فقد كانوا أقوى درعاً ومدججين بأسلحة تدميرية لا تبقي ولا تذر
وظن الشرير شارون أن بإمكانه أن يقتحم بيروت.
بيروت التي تحولت بفعل الحرب الأهلية وبفعل الغزو الإسرائيلي إلى شوارع وبواريد وخنادق.
وازداد عنادها..
لتقاوم..
وراحت تلتقط حجارتها المتساقطة بفعل قذائفهم المنهمرة لتقذفها في وجوههم.
حجر يسقط..
حجر يلتقط..
ونضرب به عدونا.
وكدس شارون دباباته بصلف وبغض و لم يفكر لحظة بأن على خط المواجهة شباباً اشتروا الموت بثمن دبابة إسرائيلية وأنهم يتباهون بعدد الدبابات التي دمرها كل منهم.
على كل حال، جمع آلياته وعسكره، وقرر داود المدجج بالدروع والمدفعية أن يقتحم خطوط جوليات، تجمعت دبابات شارون خلف المتحف، وكانت خطته أن تقتحم الدروع أسوار ميدان سباق الخيل من الجهة الشرقية، وأن تتقدم داخل أسوار الميدان نحو أسواره الغربية وأن تقتحمها لتطل بفوهات مدافعها على كورنيش المزرعة حيث «أبو خضر» يبيع لأهل بيروت الساندويشات.
السفارة التشيكية كانت عبارة عن بناية شاهقة تطل على ميدان سباق الخيل وهي تطل في واقع الأمر على مناطق المتحف، وأبو خضر، وكورنيش المزرعة، وجوارها.
أبو جهاد أرسل شاباً مزوداً بمناظير بعيدة المدى، ليعتلي مبنى السفارة ويطل على المتحف وميدان سباق الخيل، والجوار، كي يبلغ عبر جهاز إرسال غرفة العمليات بكل تحرك في المنطقة.
الخطة كانت حسب تصور الجنرال شارون ذكية وناجعة وأنها ستحقق ما يريده بمفاجأة الفلسطينيين.
استمر سمير صامداً على سطح مبنى السفارة التشيكوسلوفاكية يراقب كل التحركات من الشرق، ويبلغ عبر جهازه الصغير غرفة العمليات عما يشاهد أو يلاحظ في غرفة العمليات، اختلف الوضع فوراً، فقد تأكد الجنرال سعد صايل أبو الوليد والأخ أبو جهاد من أن شارون ينوي فعلاً اقتحام بيروت. وأبلغ الرئيس بذلك.
معركة المتحف
رأى الرئيس أن معركة المتحف هي معركة حاسمة ولها أبعاد سياسية خطيرة سلباً وإيجاباً،
وأصدر تعليماته للأخوين أبو الوليد وأبو جهاد أن يعدّا العدة جيداً لتلقينهم درساً واستنفر الجميع.
وراحت غرفة العمليات تعمل كخلية نحل.
أوامر تصدر..
ضباط ينفذون..
اتصالات بكل المواقع..
أبو الوليد، ذو الوجه الذي لا يبتسم عادة، علت وجهه في تلك اللحظات ملامح متشابكة لمشاعر متشابكة: الجدية ـ الغضب ـ التصميم الاحتراف العسكري ـ التحدي.
وطلب من أحد ضباط غرفة القيادة أن يأتيه بالإحداثيات المناسبة لبطاريات المدافع والصواريخ، انطلاقاً من كل المواقع.
وتابع إصدار التعليمات في كل اتجاه طلب استدعاء المسؤولين العسكريين للتنظيمات لاجتماع فوري.
وطلب منهم بكل حزم تحديداً دقيقاً لمدافعهم، وبطاريات صواريخهم، وحجم الذخائر المتوفر لديهم، ووعد الجميع بتجميع المعلومات المطلوبة خلال ساعتين من الزمن.
خلال ساعتين بدأت المعلومات المطلوبة تصل إلى يد أبو الوليد وأبو جهاد.
علق أبو الوليد باقتضاب المصمم:
لدينا فوهات نارية كثيفة وكميات من الذخائر تستطيع أن توقف الاقتحام وجمع ضباطه حول خريطة تفصيلية للموقع وتسلم كل منهم مهمته: تحديد أهداف كل فوهة وتثبيت إحداثيات تلك الفوهة.
وأصدر أمراً للجميع بعدم إطلاق النار إلا بأمر مركزي، وحسب التحديدات المقررة في غرفة القيادة المركزية وراح الوقت يمر بطيئاً أبلغ الأخ أبو جهاد الرئيس الذي كان يتابع عن كثب عملية الاستعداد لمواجهة الاقتحام أنه سيتوجه لمنطقة ميدان سباق الخيل ليطمئن على الوضع وليتأكد بأن كل الشباب المقاتلين على استعداد للمواجهة، فأجابه الرئيس «على بركة الله».
القصف الأعمى من الجو والبحر والأرض استمر دون توقف، كان ذلك اليوم يوماً جهنمياً لم تر الحروب العالمية مثله.
فقد أراد الجنرال شارون أن يمهد الطريق لدباباته وجنوده ورغم اختلاف تقديرات الخبراء العسكريين لكمية الأطنان من المواد المتفجرة التي قذف شارون بيروت بها ذلك اليوم، فقد أجمع الخبراء أنها تعادل تلك التي ألقيت على مدينة دريسدن في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية والتي مسحت مدينة دريسدن عن الوجود.
واقتربت اللحظة، لحظة اقتحام الجنرال شارون بيروت، بينما كان القصف مستمراً.
عاد أبو جهاد لغرفة العمليات، وأفاد الرئيس والموجودين بأن المقاتلين على أهبة الاستعداد.
«إنهم يتحركون ببطء نحو سور ميدان السباق».
جاء صوت سمير عبر جهاز الالتقاط.
إذاً.. بدأت المعركة.
نهض أبو الوليد فوراً وتوجه نحو الخريطة يحيط به ضباط غرفة العمليات.
»أكدوا على الجميع ألا يطلق أحد النار إلّا عندما يصدر الأمر».
وانهمك الضباط في الاتصال وتأكيد الأوامر.
وجاء صوت سمير من جهاز الالتقاط هامساً وكأنه لا يريد أن يسمعه الإسرائيليون «الدبابات تتقدم ببطء ومن بعيد هناك مئات الجنود يستعدون للتحرك خلف الدبابات».
أبو الوليد وأبو جهاد يتأكدان من سلامة الأمور، والرئيس يقطع المسافة بين الحائط و الحائط ذهاباً وإياباً مفكراً ينظر إلى ساعته أحياناً وينتظر واستمر سمير في تزويد غرفة القيادة بالمعلومات، وقال إن الدبابات الأولى تقترب من الأسوار وتتقدم ببطء.
«عشر من دباباتهم هي الآن داخل الأسوار وتتقدم نحو الأسوار الغربية». راقبت وجه الجنرال أبو الوليد:
كان صامتاً كحد السيف ومستغرقاً في التفكير وكأنه يقارع دماغ شارون.
كان ينتظر معلومة ما من سمير.
دقائق مضت قبل أن يأتي صوت سمير حاملاً خبر هرولة عشرات الجنود خلف الدبابات المتقدمة، وأنهم أصبحوا في منتصف المسافة بين السور الشرقي والسور الغربي.
حبس الجميع أنفاسه في حركة لا شعورية، وكأن أحداً لا يريد تفويت فرصة المفاجأة.
كان الرئيس ينظر إلى ساعته.
وكذلك نظر أبو الوليد إلى ساعته ـ وكان كلاهما يقيس المسافة والزمن لتحديد موعد المباغتة.
أشار أبو الوليد لضباط غرفة القيادة أن استعدوا.
وبعد ثلاث دقائق أطلق ذلك الصاروخ الهادئ الجدي والصارم «افتح النار».
انطلقت الحمم الفلسطينية من مئات الفوهات كلها نحو نفس الهدف المتمثل في القوة المقتحمة.
بين عويل الصواريخ ودوي المدافع كان صوت سمير يحاول التسلل لآذان ضباط غرفة القيادة يصف ما يجري، وكيف تناثرت أشلاء الدبابات وسقط الجنود وهم يحاولون التراجع عبثاً فالنيران تحاصرهم.
وأمر أبو الوليد «افتح النار» وبدأت المرحلة الثانية، حيث لاحقت الصواريخ والمدافع أرتال العدو الخلفية.
ثم صدر الأمر «أوقف النار».
فتوقف الإطلاق.
سمير يقول: هدوء يسود الميدان.
ثم يقول إن جنوداً يتقدمون لانتشال من سقط على ميدان سباق الخيل.
«افتح النار» أمر الجنرال أبو الوليد فانصبّت عليهم.
واستمر المقاتلون بتسجيل الأهداف إلى أن أسدل الليل ستاره.
أصبح الجنرال شارون في حيرة من أمره بعد أن فشل فشلاً ذريعاً في اقتحام كورنيش المزرعة.
وأصبح همه الوحيد أن يلم أشلاء دباباته وجثث جنوده.
ولقن الفلسطينيون الجنرال شارون درساً يبدو أنه نسيه هذه الأيام.