تتناول هذه الحلقة من الكتاب بداية حصار بيروت وعمليات القصف الجوي والبحري والبري للعاصمة اللبنانية التي كانت تستهدف ضرب المقاومة الفلسطينية ـ اللبنانية التي تدافع عن المدينة والمناطق الأخرى، ويتطرق مؤلف الكتاب إلى الرسالة التي نقلها الإسرائيليون إلى وليد جنبلاط لكي يحملها إلى القيادة المشتركة للمقاومة وفحواها أن إسرائيل ستحاصر بيروت وتقتحمها إذا لم يخرج الفلسطينيون منها. وقد اجتمع جنبلاط بالقيادة الفلسطينية ـ اللبنانية المشتركة لتبليغ الرسالة التي وصفها وكأنها رصاصة الرحمة.

وكان رد القادة الفلسطينيين واللبنانيين هو المقاومة والدفاع عن بيروت حتى الاستشهاد. وبالفعل بدأ الحصار الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية الذي لم يكن أحد يتوقع أنه سيطول، وطال تأثيره كافة مناحي الحياة في المدينة بحيث بات الحصول على رغيف الخبز أمراً بعيد المنال لولا تدخل عرفات واصداره الأوامر بتوزيع الخبز مجاناً على المواطنين وتأمين الاحتياجات الأساسية لهم.

امتدت أيام الحصار وأصبح ليلها طويلاً وصاخباً وأطالت قذائف المشاعل عمر النهار وازداد القصف حقداً وحصداً. وراحت الطائرات تحصد البشر والإسمنت على حد سواء، وضاقت الرقعة الجغرافية التي يمكن للقيادة أن تتحرك فيها بحرّية نسبية.

وأصبح عقد أي اجتماع للقيادة قضية معقدة جداً من الناحية الأمنية. فقد دمر الطيران الحربي الإسرائيلي بنايات عديدة في منطقة الفاكهاني والمزرعة والملا وغيرها، وكانت طوابقها السفلى قد استخدمت كغرف عمليات أو أماكن للاجتماعات القيادية في تلك الفترة كانت شبكة الهاتف تعمل بانتظام مذهل رغم القصف والتدمير استمرت الشبكة في العمل، مما أعطى فرصة لا مثيل لها للعملاء لإبلاغ الإسرائيليين المعسكرين على التلال المحيطة ببيروت بمعلومات حول القوات المشتركة، أو قيادات القوات المشتركة.

فأصدر الرئيس أبو عمار أوامره لكافة القياديين بعدم استخدام سياراتهم لأنها تلفت النظر، وتجمعها في مكان اللقاء يعرض المكان للقصف والتدمير واستمر أعضاء القيادة رغم القصف الشديد في التوجه للاجتماعات بسياراتهم السوداء وسيارات مرافقيهم مما كان يلفت الأنظار ويفتح المجال أمام العملاء لتبليغ الإسرائيليين في المنطقة الشرقية من بيروت المعلومات حول مكان الاجتماع اتخذ شارون لقيادته مقراً في فندق ألكسندر في منطقة برمانا في أعالي جبال المتن التي كانت تشرف على بيروت وكان بإمكان مدفعية الإسرائيليين ومدفعية دباباتهم المتمركزة فوق تلك التلال إصابة أهداف في بيروت بشكل دقيق ناهيك عن الطيران الذي كان يتدخل لإصابة أهداف تحميها من المدفعية البنايات العالية في العاشر من أغسطس، وجه الرئيس أبو عمار الدعوة لاجتماع طارئ للقيادة لبحث آخر التطورات العسكرية والسياسية.

ولقد وزعت الدعوة باليد وطلب من الجميع الحضور إلى نقطة معينة قرب محال «سبينس» في منطقة الرملة البيضاء وعندما وصلت إلى تلك النقطة أبلغت بمكان الاجتماع، وهو بعيد كل البعد عن الرملة البيضاء فتحولت لذلك المكان كان هذا احتياطاً من الاحتياطات الأمنية إذ أن الدائرة بدأت تضيق وأصبح واضحاً أن أهداف شارون تركز في تلك الفترة على تصفية القيادة التي اتخذت مواقف شجاعة من عروض الأميركيين والإسرائيليين بالخروج من بيروت عزلاً من السلاح وتحت راية الصليب الأحمر وصلت إلى غرفة الاجتماع ولم تكن قد اكتظت بأعضاء القيادة بعد لكن سرعان ما بدأوا يتوافدون يصافحون بعضهم البعض ويتحدثون حول ما جرى اليوم ثم ساد الصمت عندما دخل الرئيس أبو عمار كان وجه أبو عمار يحمل علامات القلق والانزعاج وبادر أحد أعضاء القيادة بتوجيه سؤال للرئيس أبو عمار حول سير المفاوضات مع فيليب حبيب المبعوث الأميركي إلى لبنان لمعالجة تبعات الغزو الإسرائيلي لم يجب الرئيس على السؤال بل هبّ واقفاً مصدراً أوامره بالخروج فوراً من مكان الاجتماع علت أصوات البعض بالاحتجاج كون الاجتماع كان مخصصاً لبحث العروض السياسية والمفاوضات لكن «أبو عمار» كرر كلامه بحزم آمراً الجميع بالخروج فوراً وأسرع أبو عمار نحو المدخل ممسكاً بيدي لأرافقه وما إن جلسنا في سيارته حتى انطلقت بسرعة جنونية نحو شارع الحمراء في راس بيروت، لكن الرئيس أصدر أمره للسائق عندما اقتربنا من مبنى سينما البيكاديللي أن يهبط نحو مراب السيارات هبطنا ستة طوابق تحت الأرض وأوقف السائق السيارة منتظراً تعليمات الرئيس عندها فقط تمكنت من الحديث سألته ماذا جرى؟ لماذا أمرت بإخلاء المكان؟

أجابني الرئيس المكان معرض الآن للقصف في أية لحظة كيف عرفت؟ سألته هذه الأمور لا تأتي عن طريق المعرفة أو المعلومات إنه التحليل والإحساس، فعندما حضرت للمكان لاحظت أن عدداً لا بأس به من الناس تجمعوا لأنهم لاحظوا وصول عدد كبير من القيادات للمكان وشاهدت بوضوح أن الشرفات في البناية المقابلة تعج بالفضوليين الذين كانوا يراقبون ما يجري ومن أسهل الأمور أن يتعرف أحد هؤلاء الناس على وجوه بعض القيادات، ومن أسهل الأمور أن يبلغ أحد العملاء هاتفياً فندق ألكسندر بمكان الاجتماع والمكان مكشوف للمدفعية المتمركزة عند تلال برمانا.

لذلك طلبت إخلاء المكان فورا قبل فوات الأوان صمتُّ لأفكر في بُعد نظر هذا القائد الشجاع واحتياطاته الأمنية قد لا يتعرض المكان للقصف، لكن الاحتمال يبقى وارداً، والتصرف السليم في هذه الحالة هو عدم اتخاذ أي موقف قد يعرض القيادة للهلاك في تلك اللحظة وصلت سيارتا حماية انتشر أفرادهما في المكان، ثم وصل محسن إبراهيم الذي كان يترأس مجلس القوى والأحزاب الوطنية اللبنانية هبطنا من السيارة وراح الرئيس يتمشى على مهل في قاعة المرآب الخالية إلا من سيارته، وسيارتي حراساته، وسيارة محسن إبراهيم كان الرئيس يسير على مهل مطرقاً مفكراً وكأنه ينتظر شيئاً ما وفجأة بدأنا نسمع ونحن على عمق ستة طوابق تحت الأرض صدى قصف مدفعي، إذ قصف المكان، لكن القيادة نجت من التدمير.

عندها ابتسم الرئيس أبو عمار وأصدر الأمر بالتحرك ما إن وصلت السيارة بوابة المرآب على وجه الأرض، حتى أمر الرئيس أبو عمار السائق بالتوجه نحو منطقة رأس بيروت إلى بيت رئيس الوزراء آنذاك شفيق الوزان.

* رسالة الإسرائيليين

عندما أحكم الإسرائيليون طوقهم على بيروت واستقر شارون في فندق ألكسندر في بلدة برمانا في المتن قام مسؤولون إسرائيليون بزيارة وليد جنبلاط في قصره في بلدة المختارة في جبل الشوف بعد ذلك استدعي وليد جنبلاط للقصر الجمهوري حيث فيليب حبيب المبعوث الأميركي لمتابعة حرب لبنان، لكنه اعتذر بسبب عدم سلامة الطريق، فقرر فيليب حبيب إرسال سيارة السفير الأميركي المصفحة ضد الرصاص والقذائف.

وذات الحصانة أمام الحواجز الإسرائيلية لتحضر وليد جنبلاط للاجتماع الذي اعتبر آنذاك مهماً جداً علمنا في بيروت أن فيليب حبيب اقترح تشكيل لجنة استشارية مكوّنة من أربعة أشخاص ماروني، سني، شيعي، ودرزي والدرزي المقترح كان بطبيعة الحال وليد جنبلاط بعد أن أنهى وليد جنبلاط الاجتماع الذي عقد في القصر الجمهوري في بعبدا توجه إلى بيروت الغربية نحو منزل آل جنبلاط في المصيطبة الغربية من كورنيش المزرعة كان وليد كمال جنبلاط متوتراً جداً وقلقاً جلس على المقعد الذي كان يجلس عليه والده المرحوم كمال جنبلاط وهو يهز ساقيه بتوتر كان يفكر بما يتوجب عمله من أين عليه أن يبدأ فقد حمل رسائل غاية في الخطورة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ولرئيسها ياسر عرفات استمرت هذه الحال بوليد قرابة نصف ساعة كان غارقاً في التفكير والقصف ينهال على المنطقة من كل الاتجاهات وأخيراً هب وافقاً وطلب من مرافقه أن يتصل بالأخ محسن إبراهيم أمين سر المجلس الأعلى للقوى الوطنية اللبنانية الذي اتفق معه على الحضور فوراً لأهمية الشأن، الذي حمله وليد جبنلاط من بعيد وما إن وصل محسن إبراهيم إلى مقر جنبلاط في المصيطبة حتى أسرع صاعداً الدرج القديم المؤدي إلى غرفة مكتب جنبلاط الفسيحة والتي تملأ جدرانها مئات الكتب والمجلدات القديمة.

حياه وليد ودعاه للجلوس وتهاوى إلى ذلك المعقد الجلدي الطويل وعادت ساقاه الطويلتان تهتزان بتوتر وبدأ يروي لمحسن إبراهيم قصة ما جرى منذ أن زاره الإسرائيليون في المختارة إلى أن وصل بيته في المصيطبة أطرق محسن إبراهيم مفكراً ثم قال على عجل يجب أن تدعو لاجتماع طارئ للقيادة المشتركة كي تطرح عليهم مباشرة كل ما دار وماهية الرسالة والاقتراحات المتصلة بوضع بيروت

ودّع محسن إبراهيم وليد جنبلاط على أن يتصل به خلال ساعة لإبلاغه بما تم بالنسبة لدعوة القيادة المشتركة اللبنانية الفلسطينية لاجتماع طارئ لإبلاغهم بما حصل توجه محسن إبراهيم فوراً نحو غرفة عمليات جديدة اتخذ منها الأخ أبو جهاد مقراً مؤقتاً بسبب القصف المستمر لغرف العمليات الأخرى أو محيطها كانت غرفة العمليات تلك قبواً لبناية قرب ثكنة الحلو اللبنانية والتي كانت مقراً لقوات الفرقة وهي فرقة أمن للتدخل ضد الشغب.

كنت هناك أتحدث مع الأخ أبو جهاد حول الوضع وتوقعات محاولة شارون اقتحام بيروت، والاحتمالات الأرجح لخيارات شارون لموقع الاقتحام وكانت وجهة نظري في ذلك الحديث مرتكزة على تلك الخرائط التي حملها لنا، فايز انقطع الحديث عندما دخل محسن دخولاً صاعقاً جلس إلى تلك الطاولة التي كنا نجلس إليها وشرح للأخ أبو جهاد وللموجودين مضمون حديث وليد جنبلاط، وأنه أي محسن اقترح عقد اجتماع طارئ للقيادة المشتركة، لأن الأمر يتطلب أن تتحمل القيادة المشتركة مسؤوليتها التاريخية باتخاذ القرارات المناسبة، والتي تخدم المصلحتين الوطنيتين اللبنانية والفلسطينية.

هز أبو جهاد رأسه مؤيداً والتفت حوله ليرى مَنْ مِنْ مساعديه أو مرافقيه أقرب إليه، وأشار لأحدهم بالاقتراب كتب أبو جهاد بعض الكلمات على ورقة صغيرة موجهة للأخ أبو عمار ثم توقف قليلاً ناظرا إلى محسن إبراهيم وسائلاً أين نقترح عقد هذا الاجتماع؟ نريد مكاناً غير معروف.

فطلب محسن دقائق للتفكير ثم استقر رأيه على مكان قريب من ثكنة الحلو هو مخزن للسجاد العجمي يملكه صديق له وشرح للأخ أبو جهاد بشكل دقيق خريطة الموقع ومداخله وافق أبو جهاد ودوّن ذلك في رسالة للأخ أبو عمار.

وحدد موعد الاجتماع بعد أربع ساعات لتتسنى الفرصة لإبلاغ الجميع الذين كانوا تحت ظروف أمنية غاية في التعقيد وبعد أربع ساعات كنت أدخل مخزن السجاد، وبدأ أعضاء القيادة المشتركة يتوافدون تباعاً حتى اكتظ المكان جلست إلى جانب محسن إبراهيم الذي لم يشرح طبيعة الموضوع الذي دعوا للاجتماع من أجله، لكنه قال بوضوح إن وليد جنبلاط يحمل رسالة موجهة للقيادة من الإسرائيليين والأميركيين، وأنه يريد أن يطرحها على القيادة.

* بانتظار الحكيم

وصل وليد جنبلاط إلى المكان محيياً الجميع برفع يده ولم يجلس بل راح يتمشى في المخزن ذهاباً وإياباً والتوتر الشديد باد عليه كان بالفعل متوتراً جداً لدرجة أنه كان يقهقه بالضحك مع نفسه وهو يتمشى وكأنه يضحك على هذا الوضع ثم وصل الأخ الرئيس أبو عمار الذي جلس بعد أن حيا الجميع في رأس الطاولة ومرة أخرى تهاوى وليد على مقعد قرب الرئيس أوشك الاجتماع أن يبدأ لولا مقاطعة محسن إبراهيم، الذي طلب الانتظار قليلاً لحين حضور الدكتور جورج حبش الذي رأى محسن حضوره أساسياً لأن القرارات ستكون تاريخية ولها أبعادها على كل القوى الوطنية وتاريخ الأمة العربية أيد أبو عمار كلام محسن إبراهيم، لكنها كانت لحظات قاسية تلك التي مرت قبل أن نرى الحكيم يهبط درج المخزن متعكزاً على عصاه، أسرع أبو عمار ليمسك بيد الحكيم بحنان ليساعده على هبوط الدرج وما إن جلس الحكيم حتى بدأ الاجتماع.

التفت أبو عمار إلى وليد جنبلاط دون أن يتفوه بكلمة وكأنه يدعوه للحديث كان وجه وليد محمراً من الغضب والتوتر أمسك أبو عمار بقلم رصاص كان موضوعاً أمامه على الطاولة وراح يحدق به ويبرمه بيديه الاثنتين منتظراً كلام وليد جنبلاط. الصمت رغم انه استمر دقيقة إلا أنه بدا طويلاً اخترقه صوت محسن إبراهيم الذي قال لوليد جنبلاط الجميع يصغي إليك وليد بيك.

قال وليد بصوت متهدج جداً باختصار، مطلوب مني أن أطلق عليكم رصاصة الرحمة قال هذا وانهار بالبكاء ثم انفجر بالضحك ثم تماسك نفسه وشرح ما حمّلوه إياه يريدون من الفلسطينيين الخروج من بيروت دون شروط وتحت علم الصليب الأحمر وإنهم إذا لم يوافقوا فإن الطيران والمدفعية والبحرية الإسرائيلية ستدمر بيروت وتقتحمها.

وساد صمت مرة أخرى، هذه المرة صمتٌ دام دقائق والقلم الرصاص بقي هادئاً بين يدي أبو عمار الذي لم تفارق عيناه القلم وكسر ذلك الصمت الحكيم رافعاً يده اليسرى غير المشلولة ليستأذن بكل أدب ولياقة من الأخ أبو عمار بالحديث فأجاب أبو عمار فوراً تفضل يا حكيم تفضل. قال الحكيم بهدوء المصمم وبعمق تاريخي نضالي أرجو من الأخوان قيادة القوى الوطنية اللبنانية، أن يسمحوا لنا أن نستشهد على أرضهم، دفاعاً عن فلسطين والأمة العربية وأول عاصمة عربية يحاصرها الإسرائيليون.

* واكتفى بذلك

تتابع الكلام وأكد معظم قيادات الحركة الوطنية اللبنانية وقوفهم إلى جانب الثورة الفلسطينية واستعدادهم للاستشهاد دفاعاً عن بيروت نظرت إلى وجه وليد جنبلاط الذي كان يصغي لما يدور فرأيت هدوءاً بدأ يحل محل التوتر وكان وجود هذا الحشد من القيادات والتعبير عن إرادتهم في مقاومة الغزو قد أعاد لنفسه بعض الثقة الأخ أبو عمار بقي صامتاً عندما انتهى الكلام عبر الكل عن موقفه وراح الجميع ينتظرون تعليقاً من أبو عمار عندها رفع رأسه وفارقت عيناه ذلك القلم وقال بثبات.

أشكر إخواني على هذا الموقف القومي الرائع نحن سوياً سنمنع إسرائيل من احتلال أول عاصمة عربية طريقنا واحد وسيسجل التاريخ وقفة العز هذه لا تنسوا أننا نقاتل وحدنا أقوى جيش في الشرق الأوسط بأسلحة خفيفة هذه هي معجزة الإرادة أما بالنسبة لأخي وليد فأريد أن أقول إننا معاً وسوياً لمواجهة هذا الغزو الغاشم، وإن العمل السياسي ضروري أيضاً، وسنكون جنباً إلى جنب بعض ووقف أبو عمار منهياً الاجتماع قائلاً: يجب أن نعود لغرفة العمليات فنحن نتوقع محاولات اقتحام لابد من التخطيط للتصدي لها.

* هموم الحصار

لابد من الاعتراف أنه بالرغم من المؤشرات التي وردت حول نية إسرائيل غزو لبنان، فإن الترتيبات والاستعدادات العملية لمواجهة الغزو، لم تصل إلى حد التفاصيل الحيوية والعملية.

صحيح أن خطة الدفاع العسكرية قد وضعت، لكنني أعتقد أن القيادة لم تقتنع بأن شارون يمكن أن يذهب إلى حد حصار بيروت عاصمة لبنان لذلك لم تكن الاستعدادات قد شملت احتمال محاصرة بيروت لأسابيع وأشهر.

كان التصور الغالب على توقعات القيادتين الفلسطينية واللبنانية، وكذلك تصور القيادة السورية، هو أن الاجتياح الإسرائيلي المتوقع سوف يمتد مسافة كيلومتراً شمال الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وان إسرائيل ستشن حرب قصف جوي وبحري على كافة المواقع الأخرى، بما فيها بيروت ومواقع القيادة هناك لكن احتمال حصار بيروت حصاراً كاملاً كما حصل واقعياً لم يكن مرجحاً لدى القيادة السياسية والعسكرية.

ونتيجة لذلك واجهت القيادة الفلسطينية التي كانت تتحمل مسؤولية المواجهة والدفاع بشكل كامل عملياً مشاكل عديدة بعضها يشل حركة القوات والقيادة.

محطات الوقود في بيروت لم تتخذ احتياطاتها، لأن محاصرة بيروت كانت مستبعدة، إضافة إلى أن القيادة المشتركة لم تنبه أحداً إلى هذا الاحتمال ليتخذ احتياطاته.

وما هي إلا أيام معدودات من الحصار الكامل، حتى أصبح البنزين مادة نادرة، ويتداول التجار به في السوق السوداء بأسعار خيالية.

أما المازوت أو ما يسمى في هذه المنطقة سولار فقد كانت معالجة أموره مختلفة، فلقد أمر اللواء سعد صايل بشراء مضخات وأرسل صهاريج فارغة في ظل القصف الشديد، إلى كل المناطق التي هجرها المواطنون وسحب من الخزانات كل قطرة مازوت وأفرغها في خزانات محطات وقود كانت قد توقفت عن العمل بسبب عدم وجود البنزين أو المازوت وهكذا مشكلة المازوت في بيروت بأكملها وليس فقط مشكلة المازوت للقوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية.

ومع اشتداد الحصار وازدياد القصف، وامتداد الوقت، بدأت الأفران تبيع الخبز للمواطنين بأسعار عالية، وأصبحت بعد فترة أسعاراً مجنونة لا يمكن معها للفقراء أن يأكلوا خبزاً.

وأمر أبو عمار بتوزيع الطحين على كافة الأفران بالكميات التي كانت الأفران تستخدمها عادة، على أن يوزع الخبز مجاناً على المواطنين بعد أن يُدفع لمسؤولي الأفران أتعابهم وأرباحهم.