ياسر عرفات ـ زعيم شعب ورمز قضية - الحلقة التاسعة

زايد يغيظ بلقائه «أبو شريف» الدوائر اليمينية والصهيونية المتطرفة

اعتبر شارون خروج القيادة الفلسطينية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت انتصاراً لكنه كان يعلم داخل نفسه أنه فشل في تحقيق كل الأهداف التي أعلن عنها عندما احتل مخفر بعبدا وجلس مكان ضابط المخفر، رافعاً بسطاره العسكري على طاولته.

فقد أعلن أنه جاء لتصفية القيادة الفلسطينية أو إلقاء القبض عليها لمحاكمتها كقيادة للإرهاب وأنه سيقتحم بيروت، لكنه لم يتمكن من تحقيق أي من الهدفين.

وللسبب نفسه اعتبر الرئيس ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية أن حرمان شارون من تحقيق أهدافه هو بحد ذاته انتصار للقوات المشتركة.

فقد خسرت القوات الإسرائيلية الكثير من الآليات والجنود عندما حاولت اقتحام بيروت الغربية انطلاقاً من المتحف عبر أسوار ميدان سباق الخيل واضطرت للتراجع ململمة خسائرها، وطلبت من الأمم المتحدة الاتصال بالقيادة الفلسطينية لتسمح بسحب الدبابات المعطوبة أو المدمرة من ميدان سباق الخيل.

ورغم كل محاولات الطيران الإسرائيلي التي بلغت أكثر من ثلاث عشرة محاولة لاغتيال الرئيس ياسر عرفات، والقيادة الفلسطينية، إلا أنها فشلت في ذلك فشلاً ذريعاً.ولهذا السبب قال الرئيس ياسر عرفات وهو يغادر بيروت، في وداع رسمي وشعبي إنني ذاهب للقدس.

وبما أن شارون كان يعلم بداخله أنه فشل، وأنه كبّد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة (كان يخفيها عن رئيس وزرائه مناحيم بيغن)، فلقد خان كل العهود وخرق الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة.

والذي ينص على نشر قوات متعددة الجنسيات لحماية المخيمات التي أصبحت دون سلاح أو مقاتلين يحمونها من أي عدوان، وأشرف بنفسه على مجزرة فظيعة، هي مجزرة صبرا وشاتيلا والتي ذهب ضحيتها آلاف من المدنيين (أطفالاً ونساءً وكهولاً) من اللبنانيين والفلسطينيين والأكراد لكن أغلبية ضحايا المجزرة كانت عائلات المقاتلين الذين غادروا بيروت مع القوات للالتحاق بمواقعهم الجديدة التي حددت لهم.

لقد خدع شارون الجميع ونقض كل تعهداته والاتفاقات سواء مع رئيس وزرائه بيغن أو مع الإدارة الأميركية ولذلك قرر بيغن اعتزال السياسة وعزل نفسه عن العالم تكفيراً للخطأ الذي وقع فيه، حينما صدق وزير دفاعه الذي يتعامل دائماً بلا أخلاقية مع كل التعهدات والاتفاقات والوعود وهذا ما فعله مع بشير الجميّل أيضاً.

لقد صدم العالم من هول الجرائم التي ارتكبها شارون في لبنان، ومن حجم الدمار الذي ألحقه القصف الجوي والمدفعي بمدينة بيروت ومن المجازر التي ارتكبت.

وتركزت أنظار العالم مرة أخرى على الفلسطينيين الذين خرجوا من بيروت، وظن شارون أن هذه هي نهاية منظمة التحرير الفلسطينية، حين علق قائلاً «باي باي منظمة التحرير».

لكن ما لم يستوعبه شارون، هو أن غزو لبنان واستخدام كافة الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً، والتدمير، وارتكاب جرائم حرب يندى لها الجبين، خلقت في العالم، رأياً عاماً مخالفاً تماماً لما اعتقده هو.

وأصبح الرأي العام العالمي عاملاً ضاغطاً إلى الحد الذي أجبر الرئيس رونالد ريغان، الذي أعطى الضوء الأخضر لعملية الغزو الإسرائيلي، على طرح مبادرة لحل الصراع في الشرق الأوسط وأطلق عليها اسم «الأرض مقابل السلام» كان ذلك مباشرة بعد خروج القيادة والقوات الفلسطينية من بيروت.

لقد نال حصار بيروت أعلى نسبة من التغطية الإعلامية في جميع أنحاء العالم ومع خروج الفلسطينيين خفت هذه النسبة لكن إعلان الرئيس ريغان عن مبادرة الأرض مقابل السلام، أعاد للموضوع الفلسطيني نصيباً مهماً من التغطية الإعلامية.

* الوصول إلى دمشق

كنت أسكن في غرفة صغيرة بفندق صغير في منطقة الميدان بدمشق فقد وصلنا إلى ميناء طرطوس، دون أن يكون قد رتب لأحد منا، مكاناً للمبيت، أو سكناً، وتحركنا إلى دمشق التي وصلناها الساعة الثالثة صباحاً ورحت أبحث عن غرفة في فندق متواضع.

كانت الساعة تشير للخامسة صباحاً عندما «حن» عليّ عامل فندق في الميدان، وفتح لي إحدى الغرف لأرتاح.كان يوماً شاقاً أشدّ بكثير من أحلك أيام القتال والقصف ونمت كما يقولون «كالقتيل»، وفي اليوم التالي قررت أن أبقى في هذه الغرفة إلى أن أجد بيتاً.

وصول الآلاف من الفلسطينيين رفع مستوى الإيجارات إلى حد لم تشهد له دمشق مثيلاً وأصبح من الصعب أن تجد بيتاً بإيجار متواضع، وهذه هي حالنا.

كنت أقضي معظم وقتي في اجتماعات تليها اجتماعات، تليها اجتماعات جلسات تقييم سياسي للمرحلة، جلسات تقييم لأداء القيادة في المعركة، جلسات للترتيبات الإدارية العسكرية والسياسية بعد أن انتقلت قيادة الجبهة الشعبية بغالبية أفرادها إلى دمشق.

ولم يبق في لبنان سوى عدد قليل من القيادات كان مسموحاً لهم بالبقاء كونهم من لاجئين إلى لبنان.

وبدأنا نتلمس طريقنا في دمشق وبدأ الصحافيون والسياسيون المحليون يتلمسون طريقهم إلينا ودارت العجلة فالحياة لا تتوقف، ولا يمكن أن تستمر فيها وأنت تنظر للخلف.

وصباح يوم من أيام دمشق، كنت في مقر المكتب السياسي بحي الشهبندر عندما وصل بعض المراسلين الأجانب وسأل أحدهم مسؤول الاستقبال عني فسمحت لهم بالدخول ودار بيننا حديث عادي عما يُعد له في بيروت وفي نهاية الحديث قال أحدهم إنه تسلم برقية من ديفيد برنكلي .

وهو مقدم برنامج تلفزيوني مشهور جداً في الولايات المتحدة، اسمه «برنامج ديفيد برنكلي» ويطلب موافقتك على المشاركة ببرنامجه الذي سيخصص للموضوع الفلسطيني وأنه سيكون تحت عنوان «ماذا بعد بيروت» وسيكون البث حياً وسيشارك آخرون في البرنامج.

لم أتردد إطلاقاً فأعطيته موافقتي وطلبت منه الاتصال بي لتحديد الزمان والمكان.توجهت لفندق شيراتون دمشق في اليوم التالي، في الساعة المحددة لأجد أن فريق برنامج ديفيد برنكلي قد حول جناحاً في الفندق إلى استوديو تلفزيوني للبث الحي.

ابتدأ ديفيد برنكلي البرنامج بتوجيه سؤال استراتيجي لي أنا من دون المشاركين الآخرين (الذين لم أكن أعرف من هم في تلك اللحظة).

«خرجت «م.ت.ف» وقواتها من بيروت وشردت في دول عديدة وأصبح طريقها صعباً للغاية فلماذا لا توافق المنظمة على أن يصبح الفلسطينيون مواطنين في الأردن أو مواطنين في إسرائيل؟

سؤال مهم وفي تلك الظروف كان يشكل محاولة للخروج بحل عملي طالما بالنسبة لهم أن «م.ت.ف» تلقت ضربة قاسية في بيروت.

أجبته باختصار، أن الفلسطينيين طرحوا منذ زمن طويل فكرة الدولة الديمقراطية، التي يعيش فيها العرب واليهود بحقوق متساوية وواجبات متساوية، في ظل نظام ديمقراطي علماني لكن إسرائيل رفضت ذلك، لأنهم يريدون أن تكون دولة إسرائيل دولة يهودية وليست دولة علمانية.

وأنهم يخشون أن يتحولوا إلى أقلية في دولة علمانية ديمقراطية تضم الفلسطينيين ولذلك قررنا أن نناضل لإقامة دولتنا الفلسطينية.

ورغم ذلك يقوم الجيش الإسرائيلي بملاحقة الفلسطينيين طمعاً بضم ما تبقى من أرضهم وها هو ما فعله شارون أكبر دليل على ما أقول أراد تصفية القيادة والقوات الفلسطينية ليتمكن من ضم الضفة الغربية وقطاع غزة لم أكن أدري حينها أن شارون مشارك رئيسي في البرنامج نفسه كذلك لم أكن أدري أن الملك حسين كان مشاركاً رئيسياً في البرنامج.

وجاء جوابي على الشق الأردني قاسياً جداً وبعيداً كل البعد عن أي تكتيك سياسي منطقي فشرحت له ما جرى في سبتمبر وأننا واجهنا معركة تصفية أيضاً لذلك نريد استقلالنا.

استمع شارون والملك حسين لإجابتي وجاء دورهم في الرد.

فقال الملك حسين إن السيد أبو شريف مخطئ، فما حصل في سبتمبر كان خلافاً عائلياً ونحن نعتبر الفلسطينيين أخوة لنا.

فيما أصر شارون على أن «م.ت.ف» منظمة إرهابية لا بد من ملاحقتها وتصفيتها.

وأصبح اسمي في الملفات الأردنية اسماً ممنوعاً وأغلق باب أي علاقة عادية أو إيجابية مع الملك حسين.

وأبلغني أحد الذين كانوا يجلسون في استوديو التلفزيون الأردني، الذي استخدم لإجراء المقابلة مع الملك حسين، أنه كان منزعجاً جداً وغاضباً من الطريقة التي أجبت فيها عن السؤال.

* لقاء مع الملك

بعد خمس سنوات من تلك المقابلة، وأثناء وجودي في لندن أبلغني ضابط البروتوكول الذي يرافقني ويدعى سايمون أن جلالة الملك حسين سيصل إلى لندن، وأنه يكلف عادة بمرافقته، ولذلك فإنه يعتذر وعرفني إلى شخص آخر سيتولى هو المرافقة حماية.

وخطرت لي فكرة شكرت سايمون على جهوده ورحبت بالضابط الجديد وقلت لسايمون أود أن ألتقي بالملك حسين، فهل لك أن تبلغني لاحقاً عن طريق للاتصال به؟ وعد بذلك وغادر.

بعد يومين، اتصل بي سايمون وقال لي إن مديرة العلاقات العامة لصاحب الجلالة هي السيدة إليزابيث كورك، وأعطاني رقم تلفونها الخاص وقال إنها هي المسؤولة عن ترتيب مواعيد صاحب الجلالة.

اتصلت بها وشرحت لها من أنا وأنني سأكون سعيداً إذا رتبت لي موعداً مع صاحب الجلالة دونت المعلومات ورقم الهاتف وقالت سنتصل بك.

في صبيحة اليوم التالي استيقظت على رنين جرس الهاتف فالتقطت السماعة وأنا في الفراش وسمعت صوتاً على الطرف الآخر يقول:

صباح الخير، أنا حسين، هل الأخ بسام موجود؟

فسألت من يتكلم؟

قال مرة أخرى أنا حسين.

وصحوت كلياً فجأة إنه صوت الملك حسين.

وقلت صاحب الجلالة، صباح الخير، أنا بسام.

وسألني بكل تهذيب وتواضع هل أنت مرتبط في الحادية عشرة؟

فأجبته فوراً كلا أنا تحت تصرفك.

وقال أهلاً وسهلاً بك، البروتوكول المرافق يعرف أين سيكون اللقاء وأنا متشوق لرؤيتك.

شكرته وقد هزني تواضعه وقلت سأكون هناك.

جلست في فراشي أفكر كم كان متواضعاً وكم كان ودوداً، وكم كنت سعيداً لاتصاله السريع وتفاءلت خيراً في إصلاح ما انعطب في العلاقة، وفي فتح صفحة جديدة من العلاقة الإيجابية.

اتصلت بالرئيس لأبلغه باللقاء المرتقب، فأجابني على بركة الله.

في العاشرة من صباح اليوم التالي حضر ضباط البروتوكول وأبلغوني بأنهم سيعلموني في اللحظة المناسبة، لننطلق نحو مقر الملك حسين لنكون هناك في الموعد المحدد.

وهكذا حصل.

وصلنا إلى منزل الملك حسين، وعبرت السيارات البوابة الخارجية وأنزلوني أمام المنزل ثم استداروا وعادوا أدراجهم.

استقبلني ضابط من التشريفات قائلاً أهلاً وسهلاً بك صاحب الجلالة يتوقع قدومك. وأشار لي لأدخل المنزل ثم أشار لي لأتوجه نحو قاعة الاستقبال.

كان كل شيء متواضعاً وعلى درجة عالية من الذوق الأثاث بسيط اللوحات بسيطة كلها كانت تنم عن تواضع وذوق.

قال لي الضابط تفضل إنها ثوان صاحب الجلالة قادم.

وخرج من القاعة وأغلق الباب وراءه.

وفجأة فتح الباب ودخل الملك حسين مرحباً.

وطلبنا القهوة كان الملك من المدخنين وكذلك أنا كان يدخن روثمانز بينما كنت أدخن مارلبورو.

بادرت أنا بالاعتذار عن برنامج ديفيد برنكلي واعترفت له بأنني كنت غير موضوعي وربما جارحاً أيضا.

فابتسم وقال لقد فوجئت أنا بالجواب فأنا أعرف أنك من القادرين على استغلال تلك الفرصة لحشر شارون في الزاوية أكثر مما حشرته.

على كل حال، قال الملك، اعتبر الموضوع منتهياً وعدنا نتحدث عن الحاضر والمستقبل امتد حديثنا ساعة كاملة ووجدنا نقاط اتفاق وتوافق في التحليل والتوقعات السياسية وكان ذلك مصدر اغتباط لدي، لأن اللغة السياسية المشتركة هي إحدى أقصر الطرق لإقامة علاقة صداقة متينة.

عند منتصف النهار، نظر الملك إلى ساعته فأسرعت بالقول:

أنا أعلم كم من المشاغل لديك، سوف أغادر وأملي أن نلتقي باستمرار.

فأجابني وهو يقف:

بكل سرور وأنا ارغب في تبادل الرأي فما نواجهه معقد والعقل الجماعي أنجع في معالجة الوضع.

صافحته وهممت بالخروج من قاعة الاستقبال لكنه أصر بتواضع كبير على أن يرافقني للباب.

وبطبيعة الحال كان ضباط البروتوكول يقفون بالانتظار فحياهم الملك ثم ودعني مرة أخرى فأسرعت الخطى نحو السيارة.

وأثناء عودتي، انغمست في التفكير بكل ما قيل، وبعد مراجعة بيني وبين ذهني تأكدت من أنه يرغب فعلاً بفتح صفحة جديدة وهذا ما حصل.

كانت تلك الفترة هي فترة المراحل الأولى من معالجته مما ألم به من مرض فقد ذكر لي أنه سيغادر لندن إلى مصح خارج العاصمة البريطانية لإجراء فحوصات طبية وأنه سيعود إلى لندن بعد خمسة أيام. فتحدثت للرئيس هاتفياً وأبلغته باختصار أنه تم اللقاء وأن اللقاء كان إيجابياً جداً.

بعد ستة أيام من ذلك اللقاء اتصلت بالسيدة إليزابيث كورك وسألتها عن إمكانية ترتيب لقاء مع صاحب الجلالة للاطمئنان عليه.

وجاءني الجواب سريعاً وأبلغتني السيدة كورك أن صاحب الجلالة يدعوني لتناول الغداء معه.

وكما حصل في المرة السابقة قام ضباط البروتوكول بتوصيلي إلى بيت الملك في لندن لتناول طعام الغداء معه.

وفوجئت بأن الغداء أعد لنا نحن الاثنين فقط، وفي غرفة طعام صغيرة مجاورة لغرفة نوم الملك في الطابق الثاني من المنزل كان غداء بسيطاً ومتواضعاً، وتخلل الغداء حديث حول نتائج الفحوصات، والتطورات السياسية والتوقعات. وفي نهايته أبلغني أنه سيعود للأردن وأمل برؤيتي هناك أو في أي مكان آخر. ودعني فتوجهت عائداً للمنزل وغادرت إلى تونس في اليوم التالي.

بعد شهرين من تلك الزيارة للندن، أبلغني سفير بريطانيا في تونس السيد داي آنذاك أن وزير الدولة للشؤون الخارجية يرحب بي في لندن للتباحث حول آفاق عملية السلام في الشرق الأوسط.

وأبرزت أجهزة الإعلام البريطانية هذا اللقاء وبطبيعة الحال هاجمته بعض الأقلام الصهيونية المتطرفة.

اتصلت بالرئيس، إثر اللقاء، ولخصت له ما دار في الاجتماع، فكان مرتاحاً للنتائج وهنأني على هذا الإنجاز وسر أيضاً عندما أبلغته أنني وجهت دعوة للوزير والدغريف لزيارة تونس للقائه والأخوة المسؤولين وكنا قد اتفقنا على تحديد موعد وبرنامج الزيارة في وقت لاحق بعد أن قبلها الوزير (بعد استشارة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر).

* في حضرة زايد

في تلك الفترة بالذات كان الشيخ زايد بن سلطان يلبي دعوة الملكة لزيارة بريطانيا زيارة رسمية وكما هي التقاليد، حل الشيخ زايد ضيفاً على الملكة في قصر بكينغهام الشهير.

وبعد استشارة الرئيس، اتصلت بالوفد المرافق للشيخ زايد وطلبت منه موعداً بهدف إطلاعه على آخر المستجدات السياسية والميدانية.

تابعت برنامجي المكثف وفي مساء ذلك اليوم كانت الليدي بولومبو السيدة حياة مروة قد رتبت لي رؤية عدد من اللوردات ذوي النفوذ في حزب المحافظين.

وكان اللقاء الأول في منزلها بلندن بعد نصف ساعة تقريباً استأذن ضابط البروتوكول سايمون ليبلغ أن طاقم البروتوكول المرافق للشيخ زايد اتصل وأبلغ أن موعدي مع الشيخ زايد في مقره بقصر بكينغهام، في التاسعة مساء أي بعد نصف ساعة واعتذر بكل تهذيب أمام اللورد وقال إن بوابة القصر ستفتح الساعة التاسعة بالضبط ثم تغلق فإذا تأخرنا لن نتمكن من الدخول.

نظرت إلى اللورد الذي قال اذهب فوراً فهذا موعد مهم ويمكن لنا أن نتابع فيما بعد.

استأذنت، وخرجت مع ضابط البروتوكول الذي أسرع الخطى ليكسب الوقت أسرعنا نحو قصر بكينغهام: وصلنا في التاسعة تماماً وعبرت السيارة بوابة القصر الخارجية وتقدمت ببطء نحو مدخل المبنى الذي يشغله ضيف الملكة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان.

كانت الإضاءة أمام ذلك القصر قوية ومدت سجادة حمراء من مدخل القصر إلى حيث تتوقف سيارات الزوار.

هبطت من السيارة واستقبلني مسؤول التشريفات وآخرون كانوا يلبسون الدشاديش البيضاء ويضعون الكوفيات على رؤوسهم والصحافة كانت هناك أيضاً.

دخلنا إلى بهو القصر حيث طلب مني الجلوس وخرج الجميع ليعودوا في الوقت المحدد للقاء.

أثناء الانتظار، انتهزت الفرصة لأجول بنظري في اللوحات والزخارف والتحف التي امتلأ بها ذلك البهو الواسع.

كان بهواً مبهراً ويكاد يكون متحفاً.

بعد دقائق دخل رئيس التشريفات، ودعاني لمرافقته للقاء الشيخ زايد بن سلطان وقبل أن يفتح باب الغرفة التي يجلس فيها الشيخ زايد قال لي أخ بسام، حدّد لك عشرين دقيقة، لأن برنامج سمو الشيخ مكتظ هذه الليلة عانقت الشيخ زايد الذي دعاني للجلوس إلى جانبه.

ورحت ألخص له قدر الإمكان المستجدات، وشرحت الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا تحت الاحتلال وكان يقاطعني بين الفينة والأخرى ليستفسر حول تفاصيل معينة تتصل بأوضاع شعبنا فيما بدا الألم على وجهه.

فالشيخ زايد رجل عربي صادق في مواقفه القومية ولفلسطين في قلبه مكانة كبيرة وخاصة.

نظرت إلى ساعتي لأتأكد من عدم خرقي لبرنامجه. كانت الدقائق العشرون قد انتهت وفي تلك اللحظة بالذات دخل رئيس التشريفات، وانحنى ونظر إلى ساعته فأشار الشيخ زايد بيده يأمر رئيس التشريفات بالخروج فخرج وأغلق الباب.

اعتذرت قائلاً لا أريد أن أشوش برنامجك سمو الشيخ فأجابني بحزم فلسطين أهم.

استمر الحديث الذي تخللته أسئلة الشيخ زايد ساعة كاملة مما أذهل مسؤولي التشريفات وأربكهم.

وفي النهاية ودعني الشيخ زايد واعداً بمساعدة شعبنا، حاثاً على الصمود والاستمرار في النضال لتحرير القدس الشريف.

خرجت من بوابة القصر الداخلية ووُدعت كما استُقبلت، وخرجت السيارة من بوابة خارجية مختلفة غير التي دخلنا منها.

صباح اليوم التالي فوجئت أن دخولي قصر بكينغهام أحدث دوياً كالقنبلة في لندن.

ونشرت صحيفة يمينية عناوين بارزة أقلها.

إرهابي في بكينغهام.

وتيقنت لحظتها كم أغاظت تلك الزيارة الدوائر اليمينية والصهيونية المتطرفة وكم كانت تلك الزيارة مهمة ولماذا مدد الشيخ زايد مدة اللقاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات