منذ أن أخرجت قوات الثورة من الأردن في العام 1971 يوليو ـ أغسطس وتأكد أن سوريا لا تريد تحمل مسؤولية أي نشاط فلسطيني فاعل عبر الحدود مع قوات الاحتلال، تأكد للرئيس عرفات أن جنوب لبنان هو المكان المناسب للبقاء والنشاط لفترة من الزمن، وعندما اضطر للخروج من الأردن قال المقولة الشهيرة «الجبل، الجبل يا سارية الجبل».

تدريجياً تمركزت القوات الفلسطينية في العرقوب، ثم تمددت نحو ساحل صور وصيدا وبذلك انتشرت في القطاعات الشرقي، والأوسط، والغربي من الجنوب اللبناني المتاخم للحدود اللبنانية الإسرائيلية .

وما إن تمركزت حتى بدأت العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال من القطاعات الثلاثة وتحولت جبهة جنوب لبنان إلى الجبهة الساخنة، وبطبيعة الحال بدأت إسرائيل بشن مختلف أنواع الغارات براً وبحراً وجواً، مستهدفة مواقع القوات الفلسطينية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين والقرى اللبنانية.

كما كانت الحال على الجبهة الأردنية الإسرائيلية، عندما تحولت إلى جبهة ساخنة وتركز جهد الرئيس عرفات على تمركز القوات الفلسطينية في مواقع استراتيجية، تمكنها من الصمود، وفي الوقت ذاته من شن الهجمات على القوات الإسرائيلية.

وتمكن من حل كل المشكلات الخطيرة التي برزت مع رحيل القيادة والقوات من الأردن إلى لبنان وكذلك المشكلات التي برزت بانضمام لواء من الجيش الأردني لقوات الثورة وكان ذلك اللواء بقيادة سعد صايل الذي كان من ألمع ضباط الجيش الأردني والذي تخرج بامتياز من الأكاديمية العسكرية الأميركية الشهيرة وست بوينت.

وفي العام 1972، قررت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل شن حرب إرهاب سرية ضد منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها، والمبدعين من مفكري وأدباء الشعب الفلسطيني.

وذلك إثر عملية ميونيخ التي نفذتها مجموعة أيلول الأسود وردت فتح وغيرها من المنظمات خصوصاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبر دائرة العمليات الخارجية التي كان يقودها الدكتور وديع حداد، بعمليات آلمت إسرائيل ألماً شديداً.

اغتال الإسرائيليون غسان كنفاني في 8 يوليو 1972 حاولوا اغتيال بسام أبو شريف في 25 يوليو 1972 والدكتور أنيس الصايغ رئيس مركز الأبحاث الفلسطيني والدكتور وديع حداد بإطلاق صواريخ على منزله في حي عائشة البكار، في منطقة الصنايع ببيروت الغربية ثم اغتالت في أبريل من عام 1973 القادة كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، وقامت بعملية إنزال واسعة على شواطئ بيروت الغربية.

ووصلت قواتها إلى فاكهاني في منطقة في غرب بيروت التي اكتظت بمكاتب المنظمات الفلسطينية، ونسفت عدة مقرات للمنظمات الفلسطينية ووصلت قوة إسرائيلية خاصة إلى مقر الرئيس ياسر عرفات الذي تمكن من الانسحاب من مكتبه الرئيسي في الوقت المناسب وخرج من المنطقة عبر تجمعات تلك القوات الخاصة.

وجه الرئيس أنور السادات الدعوة للرئيس ياسر عرفات لزيارة القاهرة، في شهر سبتمبر من العام 1973 وجاء في الدعوة، انها دعوة لقيادة فتح فقط وليس لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وبذلك حدد الرئيس أنور السادات طبيعة اللقاء إنه لقاء بين قيادة فتح والرئيس أنور السادات، فتوجه الرئيس عرفات للقاهرة يرافقه عدد من قادة فتح كان بينهم صلاح خلف أبو إياد وخليل الوزير أبو جهاد وهايل عبد الحميد أبو الهول ولم يعرف آنذاك مضمون المباحثات أو عناوينها.

وعندما عاد الوفد إلى بيروت دعا الرئيس إلى اجتماع مشترك لقيادتي فتح والجبهة الشعبية وكان التنظيمان قد عقدا اتفاقاً للتحالف مما أشعر الشعب الفلسطيني بأن صمود الثورة أصبح أقوى وأكثر صلابة.

اللجنة المركزية لحركة فتح والمكتب السياسي للجبهة الشعبية اجتمعا وناقشا الوضع السياسي واتخذا قرارات تتعلق بتصعيد التصدي للقوات الإسرائيلية وللموساد الإسرائيلي.

وفي نهاية الجلسة طلب الرئيس عرفات من الدكتور جورج حبش الحكيم أن يبقى لدقائق بعد خروج أعضاء القيادتين.

أمسك الرئيس عرفات بيد «الحكيم» وتوجها نحو غرفة صغيرة جانبية وباح عرفات بالسر لجورج حبش.

أبلغه أن الرئيس السادات أبلغهم أنه سيشن حرباً لإخراج الإسرائيليين من سيناء وأن الحرب وشيكة الوقوع، لكن جورج حبش شكك في ذلك قائلاً لقد أعلن السادات أكثر من مرة عن نيته لكنه كان في كل مرة يعلن ذلك يعلله برداءة الطقس أو تغيير الظروف لكن الرئيس ياسر عرفات عبر عن اعتقاده أن السادات جادّ هذه المرة وأن على الفلسطينيين أن يكونوا مستعدين على أية حال.

وانتهى الاجتماع الثنائي وسار الاثنان نحو الباب وقبل خروج الحكيم قال له الرئيس ياسر عرفات: «من يشارك في الحرب يحصد نتائجها سلباً أو إيجاباً ومن لا يشارك يبقى خارج دائرة النتائج والحصاد».

* حسابات عرفات

عقل الرئيس عرفات السياسي، ورؤيته بعيدة المدى راحا يتحركان ويتفاعلان... ها هي مصر، الدولة العربية الكبيرة تعد العدة لشن حرب... بأي هدف؟

الهدف هو إخراج الإسرائيليين من سيناء أي الأرض المصرية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 والتي طالبها قرار مجلس الأمن رقم 242 الانسحاب منها ولم تفعل.

بذل السادات جهوداً سياسية كبيرة لحث الولايات المتحدة على إقناع إسرائيل بتطبيق قرار مجلس الأمن عبثاً فقرر أن تنفيذ ذلك القرار يتطلب معركة عسكرية تجبر إسرائيل على تطبيقه.

سوريا كذلك الأمر بالنسبة للجولان.

ولكن ماذا عنا نحن الفلسطينيين؟؟

هكذا فكر عرفات: إذا أردنا تطبيق هذا الرأي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار كل الحقائق وموازين القوى، فمن الطبيعي أن نصل إلى خلاصة تنسجم مع ما يقبله المجتمع الدولي أي ما هو ممكن إن بذلت كل الجهود وشنت الحروب وهذا يعني تطبيق قرار 242 أي انسحاب إسرائيل من قطاع غزة والضفة الغربية.

وأصبح هذا في ذهن الرئيس عرفات «الممكن إن بذلت كافة الجهود» وعليه فإن منظمة التحرير الفلسطينية مطالبة بالانسجام في برنامجها مع هذا الهدف «الممكن» وعليها أيضاً أن تكون شريكاً ولو ثانوياً في المعركة حتى تحصد النتائج سلبياً أو ايجابياً.

منذ اللحظة التي عاد فيها الرئيس عرفات من القاهرة بعد اجتماعه بالرئيس السادات، كثرت زياراته للبقاع الشرقي وراح يهتم مباشرة بشؤون القوات العسكرية الفلسطينية في منطقة العرقوب. ورافقته عدة مرات إلى غرفة عمليات أنشأها في البقاع تحسباً لنشوب الحرب.

كان يستدعي الضباط ويطرح عليهم الأسئلة ويناقشهم في التكتيكات العسكرية والقدرة على استخدام الأسلحة الثقيلة بكفاءة قصوى كان يسأل عن المدى والتأثير لكل سلاح من هذه الأسلحة الثقيلة.

وقام بجولات على مواقع القوات المقاتلة في القطاعين الشرقي والأوسط من جنوب لبنان ورسم هو والعسكريون خطة لتقدم القوات فيما إذا نشبت الحرب نحو الأراضي المرتفعة في تلك المنطقة، وهي أراض فلسطينية محتلة.

واستدعى ضباط جيش التحرير الفلسطيني المرابط في سورية والخاضع للقيادة العسكرية السورية، وشد من أزرهم وطلب منهم أن يكون بلاؤهم حسناً، إذا ما نشبت المعارك.

كان يسعى للحصول على حصة الفلسطينيين السياسية.. وكان يتصرف وكأن المعركة واقعة غداً لقد صدق كل كلمة قالها الرئيس أنور السادات، رغم أن معظم الآخرين اعتقدوا أن كلامه كان مناورة جديدة.

وعندما شن الجيش المصري هجومه البطولي عبر قناة السويس، كانت فرق القوات الخاصة الفلسطينية تشن هجمات بطولية، شبه انتحارية، على كافة تلال الجولان لتسيطر عليها لفتح الطريق أمام القوات السورية لتتقدم لتحرير الجولان وتقدمت القوات الفلسطينية من العرقوب نحو التلال العالية سفوح جبل الشيخ لترابط فيها وترفع العلم الفلسطيني.

في ساعات الصباح الأولى، اتصل أحد مساعدي الرئيس وطلب مني الحضور فوراً لمقر الرئيس بعد دقائق معدودة كنت في مكتبه، وتحرك الركب نحو البقاع.. نحو غرفة العمليات.

وتوالت الأنباء والبرقيات العسكرية وأصبح واضحاً أن الصعقة الأولى نجحت وأن الجيش المصري بدأ الزحف في سيناء بعد أن حطم خط بارليف وأن قوات جيش التحرير الفلسطيني تمكنت، رغم الثمن الباهظ من السيطرة على تلال الجولان وأن القوات السورية تتقدم في الجولان.

الرئيس عرفات كان يعمل ويتصرف وكأنه يقود كافة الجبهات لكنه ركز على نقطة مركزية، إثبات مشاركة القوات الفلسطينية في المعركة عبر إنجازات ملموسة، كاكتساح سفوح جبل الشيخ الاستراتيجية، وإبراز دور جيش التحرير الفلسطيني في الجولان، ودوره على الجبهة المصرية (رغم أن الدور كان متواضعاً).

كانت الجيوش على الجبهات الثلاث تبلي بلاءً حسناً إلى أن جاء نداء الاستغاثة الذي أطلقته غولدا مائير للإدارة الأميركية:

* أنقذوا إسرائيل

جاء نداء الاستغاثة هذا، بعد أن انهار موشى دايان، وقرر أن يوجه بياناً للإسرائيليين عبر شاشات التلفزة، ليقول لهم الحقيقة، حقيقة انهيار الجيش الإسرائيلي أمام الهجوم المباغت، لكن نداء غولدا مائير كان له شق لم يعلن عنه حتى الآن.

وهو التهديد باستخدام السلاح النووي إن لم تقم الولايات المتحدة بالتدخل وحركت الولايات المتحدة أساطيلها لتقترب من شواطئ سيناء، وأنزلت مروحياتها الضخمة، وطائرات النقل، والدبابات المجهزة بالوقود والذخيرة على مقربة من أرض المعركة التي كانت تدور بين الجيوش المصرية المتقدمة والقوات الإسرائيلية المتراجعة.

ووجهت الولايات المتحدة إنذاراً للسادات، بأنها ستتدخل مباشرة إن لم يوقف زحف الجيش المصري فقرر السادات التوقف وأخرجت تمثيليات الدفرسوار وبطولة شارون ملك إسرائيل كما حلا له أن يلقب نفسه وسلمت له دبابة أميركية.

مكن وقف القتال على الجبهة المصرية إسرائيل من توجيه قوة مدرعة كبيرة لشن هجوم مضاد في الجولان. فموازين القوى تغيرت على الجبهات واستعادت القوات الإسرائيلية ما حرر من الجولان، لكن سفوح جبل الشيخ بقيت تحت العلم الفلسطيني.

واستمرت الاشتباكات في الجولان وجبل الشيخ مئة يوم بتشجيع من كيسنجر ليتمكن وزير الخارجية الأميركي من إنجاز اتفاق فك ارتباط على الجبهة السورية بعد أن أنجزه على الجبهة المصرية، وانهالت المساعدات العسكرية الأميركية على إسرائيل، لتعويض ما خسرته ولتأمين التفوق النوعي والتقني على كل الدول العربية مجتمعة.

* التراجع الفلسطيني

رغم ذلك، كان الرئيس عرفات مقتنعاً بأن حلاًّ سياسياً يطبخ على هدوء وأن عليه أن يعمل ليشمل ذلك فلسطين، ولذلك حرص على عقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة في العام 1974 فقد كان التقليد المتبع أن يفتتح دورة المجلس الوطني رئيس البلد التي يعقد فيها وكان من الطبيعي أن يفتتح الرئيس أنور السادات دورة المجلس الوطني التي عقدت في القاهرة عام 1974 وأن يتحدث عن حرب أكتوبر والآفاق السياسية لتلك الحرب.

واجتمع الرئيس السادات باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وراح يهيئها لآفاق الحل السياسي الممكن تطبيق قرار 242.

وخاض الرئيس ياسر عرفات نقاشات سياسية حادة وشائكة للخروج ببرنامج سياسي يلوح بقبول منظمة التحرير الفلسطينية لقرارات الشرعية الدولية أي إنهاء احتلال الأراضي التي غزتها إسرائيل عام 1967.

وبعد شد وجذب، وافق المجلس الوطني على برنامج النقاط العشر الذي يشير بخجل إلى قبول«م.ت.ف» بحل سياسي تقيم بموجبه «م.ت.ف» سلطتها الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية تنسحب عنه إسرائيل.

بدأت رؤية الرئيس عرفات تتخذ شكلاً ومضموناً واضحين، فالمعركة التي خاضها ويخوضها الآن على رأس الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تؤدي في أحسن الأحوال إلا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وكان عليه أن يبلور تدريجياً برنامجاً سياسياً يستهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

لكن الأمر لم يكن سهلاً لمعارضة معظم التنظيمات الفلسطينية لمثل هذا البرنامج، ولمعارضة عدد لا يستهان به من قيادة فتح له، وعاشت الساحة الفلسطينية مرحلة من التناقضات السياسية العميقة إذ إن زلزال حرب أكتوبر زلزل المعطيات السابقة وخلق واقعاً جديداً، كان لا بد للقوى الحية والجدلية من التعاطي معه لأن عكس ذلك كان يعني الاندثار السياسي.

وفي العام 1977 دعي لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني في القاهرة، وافتتحه الرئيس أنور السادات وتحدث للمجلس بصراحة أكثر حول الاتفاق السياسي الممكن.

وفي جلسة خاصة مع اللجنة التنفيذية، حضرتها رغم أنني لم أكن عضواً في اللجنة التنفيذية، طلب الرئيس السادات من القيادة الفلسطينية أن تحسم أمرها وتتخذ قرارها قبل فوات الأوان وكان صريحاً غاية في الصراحة، حين قال: «دولة فلسطينية على الضفة الغربية والقطاع هو أقصى ما يمكن أن يطمح إليه وربما أن هذا الهدف يحتاج لحرب ثانية». لكننا سنبذل الجهد إن حسمتم الأمر وتوكلتم.

وخرج المجلس ببرنامج سياسي معدل يملؤه التلميح والغموض، ولا يبت بصراحة ووضوح بالمسألة المطروحة هل يقبل الفلسطينيون دولة على الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام1967»؟.

بدأت أتشجع، لإخراج أفكاري لحيز الوجود فطالما فكرت أن الكفاح المسلح هو طريق لإبراز ضرورة التوصل لحل سياسي وليس طريقاً للانتصار على القدرات العسكرية الإسرائيلية فميزان القوى كان واضحاً جداً، وآفاقه المرئية لعشرات السنين واضحة أيضاً، خصوصاً أن هذا الميزان مرتبط بميزان قوى عالمي، تعتمد فيه الولايات المتحدة على تفوق إسرائيل العسكري في الشرق الأوسط.

عندما تفكك الاتحاد السوفييتي، تبين أن أهم الأسلحة التي صدّرت للعرب كانت أسلحة أنهت القوات السوفييتية استخدامها كأسلحة أساسية وكانت الطائرات المقاتلة التي زود بها العرب، طائرات من جيل قديم تتقدم عليه خمسة أجيال على الأقل في ترسانة الاتحاد السوفييتي وهذا بطبيعة الحال اتفاق بين الجبابرة على الحفاظ على ميزان قوى في الشرق الأوسط، يحافظ على تفوق إسرائيل العسكري.

في الوقت الذي خاض فيه الرئيس عرفات صراعاً داخلياً حول دخول المعركة السياسية المطروحة في الميدان، خاض معركة أخرى، تمثلت بالضغط الذي مورس عليه لعدم الإقدام على تلك الخطوة السياسية من قبل الأنظمة العربية المعارضة للتفاوض مع إسرائيل لتحقيق حل سياسي.

فعندما أقدم الرئيس السادات على زيارة القدس وبدأ المفاوضات مع إسرائيل، شنت عليه حرب شعواء إعلامياً وسياسياً وقد بدأت تلك الحرب عندما عقدت قمة بغداد لرفض التوجه السياسي للسادات.

وأرسلت القمة وفداً من بين قادتها، وعندما وصل الوفد مطار القاهرة أمر أنور السادات بعدم دخول وفد القيادات العربية مصرّاً على الاستمرار في الخط السياسي الذي رسمه، وقوطعت مصر وأقرت قمة بغداد مبالغ كبيرة من المال لدعم صمود سوريا والأردن وفلسطين في وجه التسوية السياسية التي قرر السادات المضي بها قدماً.

وفي نوفمبر من 1977 زار السادات القدس، وفي ديسمبر من العام نفسه دعي لقمة مصغرة عقدت في طرابلس الغرب، وأعلن بعدها عن إقامة جبهة الصمود والتصدي.

* قمة طرابلس

هيمنت على تلك القمة، ثلاثة مواضيع رئيسة:

ـ كيفية مواجهة خط السادات السياسي.

ـإعادة توحيد صفوف «م.ت.ف» التي كانت منقسمة ومتصارعة.

*ورأب الصدع في العلاقة السورية العراقية.

فشلت كافة الجهود لإقناع العراق بالانضمام لجبهة الصمود والتصدي وكان واضحاً لي أن العراق الذي اتخذ موقفاً سياسياً معارضاً لخط السادات لم يكن منطقياً، أو منسجماً مع نفسه عندما أبرز أسباب عدم موافقته على الانضمام لجبهة الصمود والتصدي.

أما على الصعيد الفلسطيني، فقد نجحت الجهود في إعادة توحيد صفوف الفلسطينيين وصدر بيان للرأي العام حول ذلك، وانضمت «م.ت.ف» لجبهة الصمود والتصدي، واتفق الجميع على مواجهة خط السادات السياسي، لكن هذه النتائج لم تكن سهلة المنال لا بل كانت صعبة جداً فقد دب خلاف حول من يحضر من الفلسطينيين جلسة القمة، الرئيس ياسر عرفات أراد أن يكون الوفد الحاضر وفد «م.ت.ف» لكن إصرار الدول مكن تنظيمات شكلت جبهة الرفض الفلسطينية، المعارضة لخط ياسر عرفات من الحضور.

وقررت أن يحضر جورج حبش وأحمد جبريل وعندما أيقن الرئيس عرفات أن هذا سيتم أصر على دعوة نايف حواتمة لحضور الجلسة وكانت الجبهة الديمقراطية قد رفضت الانضمام لجبهة الرفض وبقيت في الوسط بينها وبين الرئيس عرفات.

وأدلى الجميع بكلماتهم، جيث بدأ الدكتور جورج حبش يطرح بهدوء الخط السياسي الذي يقترحه لمعارضة السادات فقاطعه الرئيس حافظ الأسد وكانت المرة الأولى التي يراه فيها قائلاً أريد أن أسألك أنت دكتور طب أم سياسة؟ فأجابه أكثر من شخص دكتور طب، فاستمع الجميع له.

وحرص الرئيس عرفات على ترك المجال لنايف حواتمة بالحديث قبله، فبدأ كلمة طال أمدها لدرجة أن الرئيس هواري بومدين قاطعه قائلاً قل لنا ماذا تريد بالضبط.

وعلى هامش جلسات قمة الصمود والتصدي، بدأت الجهود والضغوط لتوحيد الصف الفلسطيني ولعب صلاح خلف دوراً بارزاً في ذلك وتعاونت معه إلى أبعد الحدود وطلب مني أبو إياد أن أصوغ بياناً حول إعادة الوحدة لصفوف «م.ت.ف» فنظرت إليه متسائلا « لكن هذا لم يتم بعد».

ابتسم قائلاً :سيتم.

صغت البيان، تدخل الليبيون والجزائريون ومورس الضغط فوافق الجميع. كان بيان إعادة التوحيد خالياً من أي إشارة لموافقة «م.ت.ف» على قرار 242 وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 كان يشير فقط لمعارضة منهج السادات ولم يكن الرئيس ياسر عرفات راضياً عن ذلك.

لكنه، وتحت ضغط موازين القوى الداخلية الفلسطينية والخارجية العربية رضخ دون أن يقتنع، وجاء الرئيس القذافي إلى القاعة المطلة على شرفة قصر الشعب في طرابلس حيث عقد المؤتمر وأمسك بذراع الرئيس عرفات وخرج به إلى الشرفة، وخرجت مع الدكتور جورج حبش للشرفة والتقينا.

كان الرئيس عرفات يقول للرئيس القذافي: «ألم تقل لي يوماً، عليك أن ترفع علم فلسطين المستقلة، حتى ولو على خيمة؟».

أجاب معمر القذافي ـ «نعم» ومازلت عند رأيي لكن أين الخيمة؟

فأجاب الرئيس عرفات سأجدها وسأرفع العلم وأفهم من كلامك أنك عند وعدك.

فقال «نعم».

وتقدم الرئيس معمر القذافي وأمسك بذراع الدكتور جورج حبش وذراعي وتقدم الجميع نحو حافة الشرفة المطلة على الساحة الكبيرة أمام قصر الشعب، حيث احتشد رجال الصحافة، ورفعنا الأيدي متشابكة والتقطت الصور التي تعلن إعادة الوحدة لصفوف «م.ت.ف» وانضمامها لجبهة الصمود والتصدي.

لم يقطع الرئيس ياسر عرفات الخيط وأبقى عينه على ما يدور على جبهة المفاوضات لكن موقف بيغن الرافض للمشاركة الفلسطينية المتساوية هو الذي أغلق الباب أمام الرئيس ياسر عرفات الذي لم يرد إطلاقاً إغلاقه تحت شتى المسميات.