بناء جسور ثقافية مع العراقيين مفتاح السلام الدائم بقلم: الحسن بن طلال

بناء جسور ثقافية مع العراقيين مفتاح السلام الدائم

تتطلب «الحرب على الإرهاب» مقاربة شاملة، وواقعية وسلسة لمفهوم الأمن إذا أريد لها ان تحقق أهدافها على المدى البعيد. ويجب النظر إليها كحملة مستدامة لكسب العقول والقلوب أكثر منها كـ «حرب» لأن هذه الكلمة الأخيرة توحي بمعالجة عسكرية صرفة للقضية.

وإذا كانت هذه حرباً فإنها يجب ان تكون حرباً نفسية تهدف إلى منع الأفراد من السقوط فريسة للأيديولوجيات المتشددة. وفي حين ان التهديد بالتدخل العسكري لا يزال يعتبر ضرورة مؤسفة في عالم اليوم، فإننا نحتاج إلى مقاربة مبنية على تفكير بعيد المدى يعززها تقدير حقيقي للبعد الإنساني للصراع. إن استخدام القوة الساحقة يمكن ان يؤدي إلى تنفير الأصوات المعتدلة وتحفيز المزيد من التشدد ولذلك يجب ان يكون هو الخيار الأخير.

وسواء كنا نتحدث عن العراق، فلسطين، أفغانستان، أو أي مكان آخر في العالم، فإن تركيزنا يجب ان يتحول إلى المقاربات الأمنية الإنسانية للعنف السياسي. علينا ان نركز الآن على بناء ثقافة المساهمة والمشاركة في منطقة لايزال المجتمع المدني فيها في طور النشوء، وفي الوقت نفسه نعالج الأسباب الكامنة للإرهاب والصراع.

الإرهاب إنما هو تكتيك وليس عدواً واضح المعالم. والإقرار بهذه الحقيقة يمكننا من تفادي الوقوع في شرك نزع السمة الإنسانية عن الآخرين، ويساعدنا في الوقت ذاته في تطوير المقاربات الأمنية السلسة والضرورية لتقويض الإرهاب.

وخلال سعينا في نهجنا متعدد المسارات لا ينبغي لنا ان نخلط بين الأمن اللين والاسترضاء وذلك لأن تفحص جذور أسباب الإرهاب لا يعني التساهل معه، بل ان هذه هي الخطوة الأولى للقضاء عليه.

لقد عانى الشعب العراقي لسنوات طويلة من العجز والمهانة والخوف، وجاء الغزو والإخفاقات التي تلته في عملية إعادة إعمار ما بعد الحرب ليؤديا الى مزيد من الأسى والذل، الأمر الذي مهد الطريق أمام وكلاء ورعاة المنظمات الإرهابية لتحقيق أهداف سهلة، أصبحت في متناولهم، فلا شيء يحرض مثل الإرهاب.

وإن من شأن بذل جهود منهجية لاستعادة الإحساس بالاحترام وإزالة مظاهر الإذلال اليومية مثل الحواجز على الطرقات وتفتيش الأفراد والغارات الليلية على المنازل، من شأن هذا كله ان يحدث فرقاً كبيراً.

وينبغي لجهود مكافحة التمرد ان تعطي الأولوية لتوفير الأمن للعراقيين بدلاً من التركيز فقط على اصطياد المتمردين، وعلى الرغم من أنه لا تزال هناك حاجة للوجود العسكري، فمن الممكن تبني معالجات أخرى.

فعمليات تمشيط الأحياء السكنية بحثاً عن الانتحاريين والأسلحة المهربة، تصبح أكثر فعالية وأقل إثارة للاستياء عندما تتم بالتشاور مع الزعماء المحليين، وهذا يتطلب إقامة اتصالات مسبقة وتوظيف أشخاص يتحدثون العربية واحترام الثقافة والتقاليد المحلية.

ويمثل الفهم الثقافي قضية محورية في هذا السياق. وتعليقاً على معضلة العراق، قال الكولونيل الأميركي المتقاعد دوغلاس ماكغريغور: «معظم الجنرالات والساسة لم يفكروا ملياً في عواقب إرغام الجنود الأميركيين الذين ليس لديهم معرفة باللغة العربية أو بالثقافة العربية، على تطبيق إجراءات فيها تعد على حرمة المجتمع الإسلامي، لقد قمنا باعتقال أشخاص أمام عائلاتهم.

وقمنا بسحبهم على الأرض وهم مصفدو الأيدي والأكياس تغطي رؤوسهم، ثم لم نقدم لعائلاتهم أية معلومات عن ذويهم المحتجزين لدينا. وفي المحصلة، قام جنودنا بقتل وإعاقة وسجن ألوف العرب، و90 بالمئة منهم لم يكونوا أعداء لكنهم الآن أصبحوا كذلك».

ويكمن جزء من التحدي في البدء بالوفاء بحاجات الناس العاديين ومخاطبة انطباعاتهم الذهنية، ويكمن تأسيس مراكز توثيق وإصغاء لبدء أعمال فحص الحقائق والتصالح والاصغاء لمطالب السكان المحليين لمعرفة تصوراتهم عن الظروف الواجب توافرها لإنهاء العنف.

ويمكن دعم السكان المحليين في جهودهم لإعادة بناء المجتمع والاستفادة من مهاراتهم المتوافرة على الأرض، وبالطبع لابد أيضاً من استمرار التركيز على استعادة سلطة القانون والنظام وعلى عملية إعادة البناء برمتها من إصلاح البنية التحتية وتوليد فرص العمل، مروراً بتشجيع إعادة البناء وتوفير حرية الوصول الى الخدمات الطبية ووصولاً إلى إعادة تأسيس النظام المدرسي .

وتمكين المرأة وإزالة العقبات التي تعيق التجارة وتشجيع الصحافة الحرة وإلغاء حظر التجول بأسرع ما يمكن. وهناك الآن إقرار واسع لدور المرأة باعتباره عاملاً أساسياً في التغيير الإيجابي، فالنساء اللاتي يشكلن 62 بالمئة من الشعب العراقي يمثلن مورداً كبيراً غير مستثمر كما ينبغي في بناء السلام.

ومن أهم عناصر عملية صنع السلام برمتها كانت عملية المساهمة والمشاركة، فلن يتوقف العنف على المدى البعيد إلا عبر المشاركة الشرعية في العملية السياسية وبزوغ الأمل في مستقبل آمن، ومن شأن مواصلة تشجيع الديمقراطية توافر تمثيل مصالح هؤلاء الذين يؤيدون الإرهاب ضمنياً، لتتقوض بذلك القاعدة الاجتماعية التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة.

والدول الديمقراطية المستقلة، تحتاج لأكثر من مجرد إجراء انتخابات، فالتحدي الحقيقي هو إيجاد ثقافة جديدة للمشاركة الديمقراطية في منطقة تتسم بالتنوع. مع الإقرار في الوقت نفسه بخصوصيات كل بلد، ومن الأهمية بمكان تشجيع التعددية وحقوق الأقليات للانتقال من الصراع الى التصالح والتطوير.

وبالطبع فإن هناك قلقاً من احتمال وصول حكومات إسلامية منتخبة إلى الحكم، ولقد أشارت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى أن هذا الخوف أدى الى سياسة اختيار أقل الضررين: الاستقرار على حساب الديمقراطية والنتيجة في هذه الحالة هي تخليد وجود الأوتوقراطيين والحكام المستبدين من جهة ونمو ردة فعل دينية متشددة من الجهة الأخرى. ورايس محقة في إشارتها إلى ضرورة كسر هذه الحلقة الخطيرة.

وثمة مظهر إقليمي للأمن كثيراً ما يتم تجاهله منذ فترة طالت أكثر من اللازم ومنطقتنا هي منطقة بالاسم فقط. نحن بحاجة لتطوير نظام للتعاون الإقليمي يتألف من مسارات ثنائية ومتعددة الأطراف ويضم مجموعات عمل مشتركة لقضايا اللاجئين، المياه، والبيئة إضافة إلى التعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي والسيطرة على انتشار الأسلحة. نحن بحاجة لمفهوم أشمل وأوسع نطاقاً لنظام دولي إنساني جديد.

ويجب إعطاء المزيد من الاهتمام والدعم لجهود دعم الاستقرار وإعادة البناء في مرحلة ما بعد الصراع وإعطاء أولوية أكبر للدبلوماسية والتنمية اللتين من شأنهما منع نشوب الصراع في الأصل.

وما لم نعمل بمفهوم المشاركة دولياً ونتحرك كمنطقة لتبني مثل هذا النهج بعيد الأمد للاضطلاع بدور أساسي في إعادة بناء حياة الناس، فلن تجدي أية أدوات قسرية أو دبلوماسية رسمية نخبوية في إيجاد سلام دائم. إن زخم الديمقراطية يجب أن يأتي من المنطقة نفسها.

ونحن المعتدلين في المنطقة يجب أن نكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، لكي نعمل مع بعضنا البعض ومع نظرائنا الغربيين لتطوير الاستراتيجيات المناسبة وتعزيز قيمنا وأجندتنا المشتركة.

ترجمة: علي محمد

عن «جينز دفنس ويكلي»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات