مع مرور الوقت تبلور تياران متطرفان سبّبا مزيداً من الاحتكاك والتوتر، المتطرفون في الجانب الأردني بدأوا العمل لافتعال الاحتكاك، ونشر الشائعات حول أعمال مخلة بالنظام، وأمن المواطن الأردني، يرتكبها مقاتلون فلسطينيون، ومتطرفون فلسطينيون راحوا يرفعون شعارات غير مقبولة فلسطينياً وأردنياً مثل شعار السلطة كل السلطة للمقاومة.

وشهد شهر يونيو من العام تصعيداً غير مسبوق، ودارت اشتباكات واسعة استخدم فيها الجيش الأردني الدبابات والأسلحة الثقيلة مما حدا بفصائل المقاومة الى شن هجوم مضاد، خرج خلاله المقاتلون نحو شوارع عمان وسيطروا على فندق الأردن إنتركونتننتال الذي كان مزدحماً بالأجانب والزوار والصحافيين، وقاموا باحتجاز الجميع كرهائن وهددوا بقتلهم .

ونسف الفندق إن لم توقف السلطات الأردنية هجومهاوعقد الأمين العام للجبهة الشعبية مؤتمراً صحافياً في الفندق، ليشرح أهداف العملية والمطالب الفلسطينية وتوقف القصف ورضخ الجانب الأردني للمطالب ولكن على مضض.

لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عملية اختطاف الطائرات وإنزالها في مكان من صحراء الزرقاء أطلق عليه اسم مطار الثورة مئات من الرهائن الأجانب والإسرائيليين احتجزوا في مطار الثورة، الذي كانت القوات البريطانية قد استخدمته أثناء الحرب العالمية الثانية كمهبط للطوارئ، وأطلق عليه اسم دوسون فيلد.

وتتابعت الأحداث الخطيرة بسرعة شديدة اذ قامت إسرائيل باحتجاز مئات من أقارب قادة الجبهة الشعبية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووجهت إنذاراً للأردن مفاده أن إسرائيل ستضطر للقيام بعملية كبيرة لتحرير الرهائن إن لم يقم الأردن بذلك.

وأبلغت الولايات المتحدة بذلك وبحث الملك حسين الأمر مع الرئيس جمال عبد الناصر، الذي رأى بوضوح التعقيدات والمخاطر الناشئة عن ذلك الوضع واتفق مع الملك حسين على ضرورة أن يقوم الأردن بعملية محدودة مع بذل جهود مصرية سياسية لحل الإشكالات، تفادياً لتدخل إسرائيل.

لكن العملية الأردنية كانت أوسع وأقسى بكثير مما اتفق عليه، واستنفر الأسطول السادس الأميركي خلال الاشتباكات التي حصلت لاحقاً بعد تشكيل حكومة عسكرية أردنية كانت إنذاراً ببدء الهجوم.

ما إن شكلت الحكومة العسكرية في الأردن في السادس عشر من سبتمبر عام 1970، حتى بدأ القصف المدفعي وهجوم الدبابات على مواقع منظمة التحرير الفلسطينية، والتنظيمات الفلسطينية، في مخيمات عمان وضواحي المدينة وفي المدن الأخرى.

كان الهجوم كثيفاً ومركزاً وطال القصف جميع المواقع دون استثناء لكن مواقع فتح في ضواحي جبل الحسين ومخيم الحسين، تعرضت في بداية الهجوم، لأكبر ضغط عسكري مما أدى إلى سقوط هذه المواقع واعتقال عدد كبير من قيادات فتح وكان من بينهم أعضاء من اللجنة المركزية لحركة فتح.

لكن الرئيس عرفات، الذي أخلي مكتبه، تحرك مع المقاتلين للدفاع عن المواقع، وساهم في وضع المتاريس عند دوار مكسيم الذي أصبح يسمى دوار فراس في جبل الحسين لكنه كان يعلم أن وضع المتاريس لن يؤدي إلّا إلى عرقلة مؤقتة، ستمنحه مزيداً من الوقت للتحرك لموقع امن، أو أكثر حماية.

وبالفعل تراجع الرئيس ومجموعة من المقاتلين تحيط به، ورئيس جهاز أمنه علي سلامة أبو حسن سلامة من دوار مكسيم فراس إلى مخيم اللاجئين مخيم الحسين ومن هناك هبطوا نحو شارع السلط قرب البنك المركزي عبر الدرج الطويل الذي كان يربط ذلك الجزء من جبل الحسين بشارع السلط وسط مدينة عمان القديمة.

كان شارع السلط والشوارع المحيطة به خالية من المارة والمحال مقفلة ولا وجود للدبابات أو الجنود فتحركت المجموعة بسرعة شديدة متنقلة من زقاق لآخر حتى وصلت إلى سوق الذهب الذي كان قريباً جداً من جامع الحسين الكبير الذي بني وسط المدينة عند نقطة محورية تلتقي فيها الطرق في الوادي والتي تؤدي إلى شتى أنحاء عمّان ومخارجها.

وسلكت المجموعة راجلةً طريق المطار الذي يؤدي للأشرفية ومخيم الوحدات، حيث تتمركز قوات فلسطينية للدفاع عن المخيم مع حلول الظلام وصل الرئيس والمجموعة المقاتلة، المرافقة له، إلى مركز قوات صلاح الدين في الأشرفية، وكانت تلك القوات تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ويقودها الحاج فايز جابر الذي استشهد في مطار عنتيبي باشتباك مع القوات الخاصة الإسرائيلية.

رحب به أحسن ترحيب وأحيط وصوله بكتمان شديد ووصل رسول من قوات صلاح الدين لمركز القيادة في الوحدات ليبلغ عن وصول الرئيس لمركز قوات صلاح الدين سالماً وكانت الشائعات قد انتشرت حول مقتله بعد أن اعتقل عدد كبير من القيادات وزملاء الرئيس في اللجنة المركزية لحركة فتح فتوجه عدد منا على وجه السرعة لمركز صلاح الدين، وعانقناه مهنئين بسلامته.

وفيما كنا نشرب الشاي دار حديث حول اختيار مكان ليتمركز فيه، يكون بعيداً عن القصف وغير معروف من الناحية الأمنية.

* عرفات في القبو

وأعطيت التعليمات بهذا الخصوص وبعد ساعة من الزمن أبلغه الحاج فايز قائد قوات صلاح الدين، أننا وجدنا قبواً، يصلح ليكون موقعاً مؤقتا له وتحرك الجميع، فرداً فرداً حتى لا يلاحظ الذين يراقبون الأشرفية شارعاً شارعاً، ووصلنا إلى ذلك القبو.

كان موقع القبو قريباً من مقر الإذاعة الفلسطينية وقريباً من مستوصف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في نهاية شارع بارطو الذي يفصل الأشرفية عن مخيم الوحدات.

وانتشر خبر وصول عرفات للمنطقة وأنه سليم ولم يصب بأذى وعند منتصف الليل خرج الآلاف من سكان المنطقة متوجهين لجامع أبودرويش يهللون ويكبرون ويطالبون بوقف القصف والقتال.

وفي اليوم التالي دعا الرئيس جمال عبد الناصر لقمة عربية طارئة وعاجلة لبحث المأساة المتفاقمة في الأردن.

وكان القتال قد نشب في الشمال منطقة إربد والزرقاء شرق عمان واستنفر الأسطول السادس، ووجهت الولايات المتحدة إنذاراً لسوريا التي فتحت حدودها لقوات فلسطينية معززة للتوجه لنجدة القوات الفلسطينية المحاصرة تفاقم الوضع وازداد خطورة فتحرك الرئيس عبد الناصر لعقد ذلك الاجتماع.

وتم الاتفاق على إبقاء القمة منعقدة، فيما تتوجه من بين القادة المشاركين فيها لجنة رباعية للأردن في محاولة لوقف القتال والتوصل لاتفاق ورحلت اللجنة إلى عمان.

وكان الرئيس السوداني جعفر النميري يرأسها وكان من بين أعضائها الشيخ سعد العبدالله الصباح ولي العهد الكويتي.

أجرت اللجنة اتصالات بالجانب الأردني ولم تتمكن من إجراء اتصال مع الرئيس أو القيادة الفلسطينية. وأصدرت بياناً بعد يومين تطالب فيه بحقن الدماء وتعلن أنها أدت مهمتها وستغادر عمان في تلك الأثناء بثت الإذاعة الأردنية نداءات موجهة للرئيس عرفات من بعض إخوانه أعضاء اللجنة المركزية يدعونه فيها لوقف القتال وحقن الدماء.

توجهنا فوراً إلى القبو كان الرئيس مطرقاً وغارقاً في التفكير فقلت له اللجنة ستغادر ولم تلتق بنا وعلينا أن نعلمها بأن عليها أن تلتقي بك فقال بنوع من الحدة والتوتر وكيف نُعْلمها؟

فقلت فوراً الإذاعة توجه رسالة للجنة عبر الإذاعة وتطلب منها أن تلتقي بالقيادة الفلسطينية حتى تطّلع على الحقائق من كافة زواياها وتم ذلك وراح الشباب يجمعون كما درجت العادة كل يوم كمية من المازوت لتشغيل مولدات الإذاعة ليكون الصوت واضحاً وبُثت رسالة الرئيس ورحنا ننتظر الرد ولم يأت الرد سريعاً لكن عند ساعات الفجر الأولى وصل إلى مقر قوات صلاح الدين، ضابط مخابرات مصري طلب أن يرتَّب له لقاء مع عرفات بأسرع وقت ممكن.

* اللقاء باللجنة الرباعية

رُحب به، وتحرك رسول نحو القبو ليبلغ الرئيس رحب الرئيس بذلك وطلب إحضاره وشرح الضابط باختصار وتركيز عندما سمعت اللجنة الرسالة الإذاعية قررت تأجيل السفر وبحثت عن سبل ووسائل تأمين اللقاء دون معرفة الجانب الأردني خشية حدوث مكروه وبما أن اللجنة الرباعية غير قادرة على الوصول إلى هذا المكان لأسباب عديدة، فقد أوكلت له مهمة ترتيب وصول الرئيس عرفات لمقر السفارة المصرية حيث ينتظره أعضاء اللجنة.

الطريق للسفارة كانت محفوفة بالخطر والسفارة نفسها تقع في منطقة يسيطر عليها كلياً الجيش الأردني فطلب الرئيس من أبو حسن سلامة دراسة خطة الوصول مع الضابط المصري مقدم في المخابرات وتم الاتفاق على كل التفاصيل.

اختار رجلا الأمن طريقاً بعيدة عن الشوارع الرئيسية ويتخللها الانتقال من بيت لآخر عبر الأسوار المحيطة بتلك البيوت تفادياً لأي صدام وقاما بدراسة موقع السفارة المصرية ومداخلها ومخارجها وتم الاتفاق حول مكان دخول الرئيس مبنى السفارة طبعاً لم يكن الدخول إليها من مدخلها الرئيسي وتحرك الجميع مع الغروب.

حيث كان القصف شديداً وأزيز الرصاص في كل مكان وصوت رصاص رشاشات «500» الثقيلة ينفجر في الجو متواصلاً أثناء القصف والقتال وتحت أزيز الرصاص تتغير المعالم فما كنت أليفاً معه سابقاً يصبح غريباً أو على الأقل متغيراً وينتابك شعور بالغربة فهذا المكان الذي كنت أعرفه، حق المعرفة، أصبح غريباً عني وأنا غريباً عنه حتى الوجوه تختلف ترى وجوهاً جديدة.

ويختلط القديم بالجديد وحتى الوجوه القديمة تتغير ملامحها، إما قلقاً أو خوفاً أو شراسة الكل مختبيء لا يطل برأسه من نافذة خوفاً من رصاصة طائشة أو مستهدفة الكل ينبطح أرضاً داخل المنازل خوفاً من شظية.

لن أنسى منظر أخي الصغير نائماً في حوض الاستحمام، ظناً منه أن حوض الاستحمام سيحميه من رصاصة أو شظية وكذلك تختلف مناظر البيوت التي تعرفها غريب أن الحزن كان أيضاً يكسوها فبدت قاتمة، صامتة، حزينة ومخيفة من سور لآخر قفز أفراد المجموعة يتقدمون الرئيس، ثم يشيرون له ولمن معه بأن يتبعوهم، بعد أن يتأكدوا من سلامة الموقع وعدم وجود خطر أمني.

وهكذا استمر القفز إلى أن وصل وأطل مرة أخرى ورفع يده بإشارة متفق عليها فتقدم اثنان من المرافقين يحملان سلاحهما وعبرا الشارع بسرعة وقفزا لينضما للسابقين وساد صمت مرة أخرى.

جاء دور الرئيس فالمسلحان سبقاه ليؤمّنا غطاء نارياً في حال حدوث أي هجوم وجاءت الإشارة فتحرك الرئيس بسرعة يحيط به خمسة مسلحين وعبروا الشارع بسرعة وقفزوا نحو حديقة السفارة.

كانت الحركة بعد هذا سريعة جداً دخل الرئيس مبنى السفارة يرافقه أبو حسن سلامة فقط وأغلق الباب.

دار حديث طويل ونقاش طويل وطرحت أفكار وأفكار كل هذا وأصداء القصف تهيمن على أجواء الاجتماع.

وعرضت اللجنة ما بحثه الملك حسين، وكان واضحاً أن الملك لن يقبل بأي حل يمس السيادة الأردنية المطلقة، وأن أي وجود فلسطيني يجب أن يكون منسقاً وتحت السلطة الأردنية الكاملة.

* عرفات متنكرا

في نهاية النقاش اقترح الشيخ سعد أن يتوجه الرئيس عرفات معهم إلى القاهرة لحضور القمة، وأنه من الممكن أن يتم الاتفاق في القاهرة بوجود القادة العرب وبما لعبد الناصر من تأثير كبير.

وافق الرئيس وبدأ أبو حسن سلامة بدراسة خطة خروج الرئيس ياسر عرفات مع الوفد للمطار، ثم للقاهرة، فقد كانت هذه المرحلة أخطر مرحلة إذ إن الطريق من السفارة المصرية للمطار مدججة بالآليات والمصفحات والجنود.

اقترح أبو حسن سلامة أن يتنكر الرئيس بخلع ثيابه العسكرية، واستبدالها بدشداشة كويتية والحطة والعقال الكويتيين لكن الشيخ سعد طويل وجسده ضخم فيما الرئيس رفيع متوسط القامة وانهمك أبو حسن وضباط المخابرات المصرية في ترتيب الدشداشة بحيث تبدو مناسبة قدر الإمكان.

عندما انتهى الأمر ووضع الرئيس الدشداشة والحطة والعقال، أصبح الوفد جاهزاً للتحرك، كان قد رتب للوفد ثلاث مصفحات أو مدرعات لنقلهم للمطار واستخدم الشيخ سعد والرئيس وأبو حسن سلامة الذي ناسبته الدشداشة لطول قامته وضخامة جسمه إحدى المصفحات، فيما استخدم بقية أعضاء اللجنة العربية المصفحتين الأخريين.

وسار الموكب نحو المطار الحواجز منتشرة على طول الطريق أوقفت الموكب عدة مرات، كان خلالها ضباط الحواجز يصرون على تفتيش المصفحات لكن سرعان ما كانت الاتصالات تتم ويكمل الموكب مساره أعتقد أن الأمر كان معلوماً، وأن تكثيف الحواجز كان مقصوداً لإظهار السيطرة من ناحية ولبثّ القلق في ركاب المصفحات من الناحية الأخرى.

وصل الموكب للمطار وأصدر الرئيس النميري التعليمات بالصعود للطائرة فوراً دون بروتوكولات بسبب الوضع الطارئ وللالتحاق بالقمة بأسرع وقت ممكن وصعد الرئيس للطائرة مع الشيخ سعد يتبعه أبوحسن سلامة عندما أقلعت الطائرة تنفس الجميع الصعداء. وبدأت معركة من نوع آخر معركة سياسية في القمة العربية التي اجتمعت لوقف القتال وحقن الدماء وللمساهمة في إبرام اتفاق بين الأردن ومتف.

وتم الاتفاق على الأسس وشكلت لجنة عليا من الطرفين لوضع آلية لتنفيذ الاتفاق وخرجت القوات الفلسطينية من كافة المخيمات وتجمعت حسب الاتفاق في منطقة دبين وجمعت أسلحة الميليشيات وأقفل عليها في مخازن تحت إشراف اللجنة المشتركة.

ولم تطل الهدنة كثيراً فقد شن الجيش الأردني هجوماً ساحقاً على المناطق التي حددت للقوات الفلسطينية واضطر جزء منها وعدد من القادة كان على رأسهم الرئيس ياسر عرفات للتوجه شمالاً إذ إن مواقع الرئيس بالذات كانت مستهدفة بقصف شديد، واضطر قادة آخرون بينهم الدكتور جورج حبش للتوجه شمالاً نحو الحدود السورية.

وأسدل ستار على مرحلة من مراحل الصراع وبدأت مرحلة أخرى، هي مرحلة لبنان التي انتقل إلى جنوبها المقاتلون الفلسطينيون بعد أن عبروا من الأردن لسوريا ومنها للبنان.

* إرهاصات حرب أكتوبر

منذ أن همس الرئيس أنور السادات في أذن ياسر عرفات حول قرار شن الحرب لتحرير سيناء، أيقن ياسر عرفات أن هناك فرصة لتطبيق قرار القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1997 وذلك يعني بطبيعة الحال انسحابها ليس من سيناء فقط بل من الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان ولذلك دعا قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المكتب السياسي لاجتماع عاجل لحظة عودته إلى بيروت.

وخلال ذلك الاجتماع الذي عقد في بيت من البيوت، بعيداً عن المكاتب التي قد تكون مراقبة أو معرضة لأجهزة التنصت، تحدث ياسر عرفات عن احتمال نشوب حرب تبدأها مصر، لتحرير الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل عام.

ولم يكن الكلام مقنعاً لأحد إذ إن الرئيس أنور السادات لوح أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بأنه سيلجأ للقوة لإخراج المحتلين الإسرائيليين من سيناء لكنه كان بعد كل تلويح أو تهديد بشن الحرب لتحرير سيناء يتراجع تحت حجج مختلفة، كالطقس والظروف لدرجة أن تلويحه بالحرب لم يعد يؤخذ على محمل الجد.

لكن ياسر عرفات كان مصراً على أن السادات سيفعل ذلك، فيما شكك الآخرون بمن فيهم الشهيد أبو إياد الذي حضر الاجتماع الخاص والسري الذي عقد بين الرئيس أنور السادات وقيادة فتح بعض أعضاء اللجنة المركزية فقط.

في الاجتماع الذي عقد بين قيادتي حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعض أعضاء المكتب السياسي فقط خلص عرفات للقول وبشكل جاد، إن علينا أن نستعد لاحتمال نشوب الحرب فإن نشبت كنا مستعدين وإن لم تنشب سنعتبر الاستنفار تمريناً عسكرياً جدياً.

وأبلغ الحاضرين، أنه في حال نشوب حرب، يجب على الفلسطينيين أن يكونوا موجودين على ثلاث جبهات وأن يشاركوا مشاركة فاعلة، في الجولان من خلال جيش التحرير الفلسطيني المتمركز على الأراضي السورية، وفي سيناء من خلال جيش التحرير الفلسطيني المتمركز على الأراضي المصرية ومن الحدود الشمالية الإسرائيلية خاصة في المرتفعات الفلسطينية المحتلة.

تعامل عرفات مع الاحتمال بشكل جاد، وأمر بإنشاء غرفة عمليات مركزية في البقاع اللبناني للتنسيق والمتابعة وتحريك القوات الفلسطينية أقيمت غرفة العمليات المركزية، الخاصة بالحرب التي قد تشن وقد لا تشن، في بساتين قرية من القرى اللبنانية في البقاع الأوسط، كان أهلها من أشد أنصار المقاومة الفلسطينية وأكثرهم حماسا لتحرير فلسطين.

وفي صبيحة يوم الثامن من سبتمبر من العام 1973 اتصل بي الرئيس ياسر عرفات، وكنت حينها في مكتبي بمقر مجلة الهدف، في كورنيش المزرعة ببيروت الغربية، ودعاني للتوجه معه في زيارة للقوات الفلسطينية ولبيت الدعوة فقد كانت فرصة لي للاطلاع على الأوضاع اجتمع الرئيس ياسر عرفات بثلة من الضباط وراح يبحث معهم الخطط والخطط البديلة التي ستتبعها القوات الفلسطينية، في حال نشوب حرب كان عرفات يتحدث طوال الوقت في إطار الاحتمال النظري وليس إطار المعلومات التي باح له بها الرئيس أنور السادات.

جلست صامتاً أراقب وأستمع خرائط للمواقع وإحداثيات للأهداف ثم نقاش حول مدى المدفع الفلاني والسلاح الفلاني ونقاش حول دور القوات الخاصة والفدائيين إلخ.

كان يناقش مع الضباط مناقشة الخبير العسكري، وعندما تصطدم معلوماته بمعلوماتهم كان يتحداهم ويطلب المراجع حول خاصية كل سلاح ومداه وفاعليته، ليكتشف الجميع أنه على حق.

ياسر عرفات أيقن أنه إذا شنت مصر حرباً، وشاركت مع سوريا فإن منظمة التحرير ستكون مكشوفة الأجنحة عسكرياً وسياسياً ولذلك لابد لها من أن تشارك حتى يكون لها حضور عسكري يؤدي إلى حضور سياسي لاحق أي حصتها أي الضفة الغربية وغزة.

وعلى هذا الأساس كان يتصرف، وعلى هذا الأساس رسم الخطط، وعلى هذا الأساس خاضت القوات الفلسطينية المعارك على الجبهات الثلاث مصر والجولان وجنوب لبنان.

وبث ياسر عرفات في نفوس الضباط روح الحماسة، وطلب أن يتصرفوا كأن الحرب واقعة لا محالة وأن عليهم أن يبلوا بلاءً حسناً لاسترداد حقوق شعبنا وحريته وحرية أرضه واستقلاله.

وغادرنا الموقع عائدين إلى مركز القيادة في بيروت وسألت الرئيس أثناء رحلة العودة هل تعتقد فعلاً أن الحرب ستقع؟ نظر إلي وقال كما أراك سوف تشن الحرب لكنني لا أستطيع أن أجزم حول نتائجها لكن علينا أن نكون في الميدان.

وأضاف من لا يشارك في المعارك لا يجني ثمارها الإيجابية، إن كانت كذلك، وينال بعدم مشاركته السلبيات سواء كانت نتائجها إيجابية أم سلبية وانتبهت لنفسي فقد أصبحت فجأة أعيش جو الحرب رغم أنني كنت أشكك في ذلك الاحتمال.

لقد بعث فينا ياسر عرفات ذلك الشعور وساد الصمت فيما يسرع الموكب نحو بيروت عرفات يفكر فيما يحرك ركبتيه بعصبيته المعتادة عندما يواجه أمراً شائكاً وخطيراً كان يحسب كل الحسابات وكان يعرف الكثير عن ميزان القوى، ودون أن يقول ذلك، رجحت أنه يفكر في الحرب المتوقعة كحرب تحريك سياسي وليس كحرب تحرير فميزان القوى لم يكن خافياً على أحد.

وتفوّق إسرائيل العسكري كان مضموناً من الولايات المتحدة وكانت مصر قد أخرجت المستشارين العسكريين السوفييت، مما أدى إلى توتر كبير في العلاقات السوفييتية المصرية تحريك أم تحرير، كان قراره واضحاً على الفلسطينيين أن يكونوا في ميدان المعركة حتى لا يتركوا جانباً.