أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية مقابلة صحافية مع الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو تحدث فيها الأخير عما يراه تحسناً في أحوال البلاد منذ قيام الثورة البرتقالية على الرغم من إدعاءات البعض بخلاف ذلك. وألقى الرئيس الأوكراني كذلك الضوء على علاقة بلاده بروسيا، خلال الفترة الأخيرة بجانب الوضع على الساحة الداخلية في ضوء الخلافات الناشبة بين قادة الثورة. وفيما يلي نص الحوار:

ـ بعد مرور عام على تغيير الحكومة في كييف يشعر عدد كبير من الأوكرانيين بخيبة أمل. قادة الثورة البرتقالية يتناحرون فيما بينهم. النمو الاقتصادي انحدر بشكل دراماتيكي والحزب الذي يقوده منافسك في الانتخابات الرئاسية، وهو رئيس الوزراء السابق فيكتور يانكوفيتش يتقدم عليك في استطلاعات الرأي. ماذا حدث؟

ـ ماذا تعني بخيبة الأمل؟ يتعين عليك أن تكون عادلاً، في غضون عشرة أشهر، زادت معدلات الدخل الحقيقي بنحو 25% وارتفعت الرواتب بنسبة 35%. هل هناك دولة أخرى في أوروبا يمكنها الإدعاء بأنها حققت مثل تلك الزيادة؟ ما حدث هو بفضل الثورة البرتقالية التي تخلصت من اقتصاد الظل. ولتأخذ مثالا آخر فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية. فالعائلات التي تعول عدداً كبيراً من الأطفال والأمهات بغير أزواج أو من ذوي العاهات والإعاقات الجسدية يتلقون مساعدات مالية كبيرة. لماذا في الأساس قامت تلك الثورة؟ لأن الشعب أدرك أنه من الممكن العيش بشكل مختلف.

ـ يرى بعض الخبراء الذين يطالبون بإصلاحات هيكلية أن الزيادة في الفوائد والبدلات الاجتماعية في الفترة الأخيرة هي مجرة دعاية من أجل الانتخابات البرلمانية في مارس المقبل؟

ـ فلتنظر إلى الاقتصاد، نحن لدينا ميزانية متزنة ونتوقع 4% زيادة في معدل النمو للعام المنصرم 2005. في ألمانيا هناك خلاف على ما إذا سيتم تحقيق زيادة 1% أم لا.

ـ العام الماضي حققتُ زيادة 12%.

ـ عندما تقضي دولة عاماً كاملاً في التعامل فقط مع الانتخابات الرئاسية الجديدة والفضائح، وهو ما حدث لنا في 2004، فإنه تكون هناك بعض الانتكاسات. منذ تلك الانتخابات مررنا فقط بصعوبات في قطاع الاستثمار الذي شابه بعض التوتر والآن بدأ يرجع ليستعيد زخمه مرة أخرى. لقد انتهيت لتوي من مقابلة مجلس إدارة البنك الألماني «دويتشة بنك» والذي وافق مسؤولوه على منحنا قرضا بقيمة 8,1 مليار دولار. هذا أمر جديد على دولة مثل أوكرانيا. لقد أوجدت تلك الثورة مجموعة جديدة من القواعد والآن بدأ الموقف يأخذا إطاراً طبيعياً.

ـ الواقع الأوكراني يبدو بشكل أو بآخر معقدا أمامنا. لماذا هذا التناحر الموجود بين قادة الثورة البرتقالية الآن؟

ـ فريقنا كان جيداً ولكننا لم نتعلم إلا كيف نناضل ضد شيء وليس من أجل شيء. لقد وفيت بوعودي ، وأدخلت أهم أفراد الثورة ضمن فريق عمل الحكومة. ولكن الأمر بدا صعباً على البعض الذين لم يستطيعوا القيام بالرحلة من ميدان الثورة في كييف إلى المكتب الوزاري. وقد أتينا بعناصر أكثر اتزانا وشجاعة بدلا من هؤلاء. كان الأمر مجرد فصل في الثورة وليس مأساة.

ـ ما مدى الخطر الذي تتعرض له سمعتك إذا ثبتت تهم الفساد الموجهة ضد ممول الثورة وكذلك رئيس مجلس الأمن الأوكراني بيترو بوروشينكو الذي يعتبر الأب الروحي لأطفالك؟ وأيضا ما مدى أثر هذا الخطر على سمعتك عندما يقول مضارب بورصة كبير في كييف ان حكم القانون لا يزال غير موجود في البلاد ولا يوجد سوى كثير من الفساد؟

ـ يتعين علي أن أصوبك في هذه النقطة. لم يكن هناك حكم قانون في البلاد منذ14 عاما ولهذا السبب قامت الثورة. الفساد ليس بسببنا وهو هنا لا يفوق ما يحدث في روسيا البيضاء وروسيا، على الرغم من أنه أمر جد خطير. وليست المعارضة هي التي ادعت أن الفساد موجود في دائرتي ولكن رئيس الوزراء.

ـ يوليا تيموشينكو، التي قمت أنت بعد ذلك بإقالتها؟

ـ ولهذا السبب هناك تحقيق برلماني وآخر تقوم به وزارة الداخلية. ولم يثبت أي تحقيق من تلك التحقيقات أن المتهمين قاموا بأي وقائع فساد. غير أن هؤلاء الذين لفقوا الاتهامات من أجل تسوية حسابات خاصة بهم يتعين عليهم الاستقالة. لقد كان هؤلاء من بين الذين جلسوا بجانبي في ميدان ميدن وهم تيموشينكو وبوروشينكو وزينشينكو.

ـ ..ورئيس هيئة الأركان؟

ـ لقد تضارب سلوكهم مع مصالح الدولة.

ـ هل تشعر أنك في عزلة الآن؟

ـ لا يوجد فراغ سلطة. الحكومة الجديدة ليست حكومة أزمة. وقد بدأت الحملة الانتخابية للبرلمان. وأنا لدي قناعة بأن كتلتنا «ناشا أوكرانيا» ستتصدر صناديق الاقتراع، وأن الأحزاب الديمقراطية ستحصل على أكثر من 50% من الأصوات.

ـ إذن ليست هناك فرصة لحزب رئيس الوزراء يانكوفيتش الذي حصل على مناصرين جدد أخيرا أهمهم على الإطلاق كان الملياردير رينات أخميتوف؟

ـ قوى الانتقام كما نطلق عليها لن تحصل حتى على ثلث الأصوات.

ـ عدد كبير من الأوكرانيين محبطون أيضا بسبب ما يشاهدونه من صراع مستمر، الآن يتحدث النائب العام الذي قمت بإقالته عن تقديم إجراء رسمي ضدك يتهمك فيه بالخيانة والتقصير على خلفية أن الملياردير الروسي بوريس بيرنوفسكي يقال إنه قدّم لك 31 مليار دولار العام الماضي؟

ـ لم أحصل على مال من أي طرف، لدي صندوق رسمي لتمويل الحملة الانتخابية تم فحصه بالكامل وبشكل دقيق وكان كافيا لتمويل حملتي. علاوة على ذلك لم أستطع أن أقوم بإعلانات دعائية في أوكرانيا ولم تكن محطات التلفاز لتذيع أحاديثي، فتقريبا هناك نحو ثلثي الشعب لم يتنبه إلى ما أقوله في حملتي الانتخابية. في أي أوجه كان بإمكاني أن أنفق الملايين؟ ما أُنفقه خلاف ذلك لم يكن له علاقة بالحملة الانتخابية.

ـ هل يمكنني السؤال عن حالتك الصحية الآن؟

ـ فلتحكم أنت بنفسك. عندما يكون هناك شخص يقاوم ضد التسمم طوال 14 شهراً، وهي حالة من التسمم لم ينج منها أحد من قبل سواي ولا يعرف ما هيتها أحد سواي. لك أن تعلم مدى الألم ومدى ما يتطلبه منك الأمر لاسيما عندما يكون عليك أن تخوض حملة انتخابية ولا تقضي سوى أسابيع قليلة في المستشفى ثم تكثر بعد ذلك حولك التكهنات.

ـ هناك شائعات تفيد أن القوات الروسية هي التي تقف وراء حالة التسمم التي ألمت بك وأن التحقيق في الأمر لا يقدم شيئا لأن أي كشف يمكن أن يضر بالعلاقات مع روسيا التي هي في الأساس معقدة للغاية؟

ـ (بعد فترة صمت طويلة) أعتقد أن الخطأ أولاً وأخيراً يقع على كاهل النائب العام الذي لم يكن يتمتع بالكفاءة اللازمة والذي لم يمض بالتحقيق قدما، إنما استخدمه لأغراض سياسية. المشكلات الأخرى يسهل تفسيرها. ليس هناك إلا القليل من المعلومات بشأن أثر ذلك السم. فالاختبارات التي جرت في معامل خاصة في ألمانيا وبلجيكا وبريطانيا لم تنته إلا من أسبوعين فقط. ولكن إحقاقا للحق قام الأطباء خلال الأشهر الماضية بعمل عظيم بشكل أمين ومخلص وحازم.

ـ يوليا تيموشينكو تريد أن تعود إلى رئاسة الوزراء بعد انتخابات مارس المقبل. وبشكل مفاجئ تريد الآن موسكو، التي كانت حتى وقت قصير لديها أمر اعتقال ضدك، أن تتحدث إليك وذلك في الوقت الذي اندلعت فيه بالفعل حرب حول سعر صادرات الغاز الروسي إلى أوكرانيا. هل يريد الرئيس الروسي بوتين أن يزرع إسفينا بين قادة الثورة الأوكرانية حتى يرفع من وتيرة الضغط على زميله غير المحبب يوشينكو؟

ـ ليس من الواضح إن كان هذا صحيحا أم لا. فإذا كان التعامل معنا من ناحية الأسعار يأتي بشكل مقارب لما يتم التعامل به مع بولندا وجمهورية التشيك ومولدوفيا وأذربيجان أو جورجيا، فإن المسألة ستكون اقتصادية. وفي حال أن تبقى أوكرانيا هي الاستثناء بشكل غير مفهوم ويتعين علينا في تلك الحالة أن ندفع أكثر من الآخرين، فإن هذا سيكون أول علامة من علامات الضغط السياسي.

ـ إذا حدث لأي سبب أن وجدت نفسك مضطرا إلى الاستقالة في المستقبل القريب، هل سيكون لديك الشعور بأنك قد بدأت أمرا لا يمكن التراجع عنه؟

نعم أعتقد ذلك. خلال الأحداث التي نُطلق عليها مسمى الثورة البرتقالية، أضحت أوكرانيا دولة مختلفة. الآن لا يوجد من لديه أمل في أن يصعد إلى السلطة من خلال تزوير الانتخابات ولم يعد يمكن لأحد قهر الصحافيين. لا عودة للأمس.

ترجمة: حاتم حسين

عن «دير شبيغل»