تتناول هذه الحلقة ما وقع من أحداث في أعقاب قيام السادات بزيارة القدس في عام 1977، حيث تداعت الدول العربية إلى عقد قمة في طرابلس الليبية أقرت مقاطعة مصر، مع أن عرفات كان يميل إلى إبقاء نافذة للحوار مفتوحة معها. وما لبثت الدول العربية أن عقدت قمة أخرى في دمشق في 1978 بعيد توقيع السادات اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل.

وبحث المشاركون في هذه القمة فرض مقاطعة شاملة على مصر، ودعم صمود الدول المنضوية في جبهة الصمود والتصدي. وشهدت نهاية القمة مفاجأة مدوية تمثلت في إجراء مصالحة بين عرفات والملك حسين بوساطة القذافي. ورغم استعداد عرفات للمشاركة في مفاوضات سلام حول مصير الضفة الغربية وغزة والقدس، منبثقة عن كامب ديفيد، إلا أن بيغن رفض إجراء هذه المفاوضات، وكان ذلك تمهيداً على ما يبدو لشن الحرب على المنظمات الفلسطينية في لبنان، فيما عرف بالاجتياح عام 1982.

عندما قام السادات بزيارة القدس في نوفمبر قررت جبهة الصمود والتصدي تجميد العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وذلك في تلك القمة الأولى التي عقدت في طرابلس في شهر ديسمبر من العام 1977. ولذلك كان الرئيس عرفات ملزماً بقطع العلاقات حسب قرار القمة، لكن الاتصالات غير العلنية استمرت وأعلن السادات في يوليو من العام 1978، دعوة إسرائيل لإجراء مفاوضات حول انسحابها من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية بعد فترة انتقالية تدوم خمس سنوات

ورد بيغن برفض ذلك رفضاً قاطعاً.

كان هذا هو السبب الذي دفع الرئيس عرفات للاستمرار في جبهة الصمود والتصدي وأعتقد أنه لو نجح السادات في فرض تلك المفاوضات لإنهاء احتلال الضفة وغزة والقدس الشرقية، لما تردد الرئيس عرفات بإرسال وفد للمفاوضات لكن الرئيس عرفات لا يطلق عصفوراً من يده قبل أن يتأكد من أن عشرة عصافير تمسك بها يده الأخرى.

رد بيغن على اقتراح السادات حول إجراء مفاوضات لإنهاء احتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية جاء بعد ثلاثة أسابيع من اقتراح السادات لكن دعوة السادات تلك أثارت قلق دول الصمود والتصدي فدعي لاجتماع قمة طارئ في الجزائر.

أراد المجتمعون أن يكبلوا الرئيس عرفات وأن يمنعوا أي نوع من التعاطي مع اقتراح المفاوضات حول الانسحاب من الضفة الغربية والقطاع والقدس الشرقية.

ولم تدم القمة طويلاً فقد حسمت الأمور جلسة مغلقة، حضرتها إلى جانب الرئيس عرفات.

كان النقاش حاداً وأراد المجتمعون أخذ تعهد من الرئيس عرفات بعدم التعاطي مع هذه الدعوة. وحاول الرئيس عرفات التخلص من أي التزام لدرجة أنه قال:

أستطيع أن أعطي أمراً الآن بإطلاق مئات الصواريخ على الجليل فمن منكم جاهز لتلقي نتائج ذلك ؟ إما أن تقاتل الأمة العربية أو أن تفاوض واتخذ قراراً بأن ترسل «م.ت.ف» مذكرة للأمين العام للأمم المتحدة تؤكد فيها عدم تخويلها لأي جهة بالتحدث أو التفاوض نيابة عنها وخرجنا من القاعة.

أمسك الرئيس بومدين بذراع ياسر عرفات من جهة اليمين، وأمسك بذراعي من الجهة اليسرى وكانت تربطني به علاقة صداقة عميقة. فهمس الرئيس عرفات لماذا هذا القرار؟

فأجاب بومدين ضاحكاً:

«لنتأكد أنك لن تتصرف بما يخالفه».

وأغلق الباب أمام فرصة لاحت لتحقيق إنجاز سياسي استناداً لما حركته حرب أكتوبر 1973، لكن الإغلاق جاء من طرف بيغن.

وعلم عندها الرئيس عرفات أن أمام الشعب الفلسطيني معارك أخرى ليقتنع الإسرائيليون بضرورة التفاوض مع الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

كل هذا كان يتم، وبرنامج «م.ت.ف» السياسي على حاله، وميثاقها الأساسي كذلك.

وفي 23 سبتمبر من العام 1978 رفضت قمة الصمود والتصدي التي عقدت في دمشق رفضاً قاطعاً، جملة وتفصيلاً اتفاق كامب ديفيد الذي وقعه السادات مع مناحيم بيغن في السابع عشر من شهر سبتمبر من العام نفسه.

في تلك القمة التي حضرت جلساتها العامة والمغلقة، دار نقاش لم يخل من الحدة حول قطع كافة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع مصر، فيما ناقش البعض حول الاكتفاء بتجميد العلاقات الدبلوماسية.

كما دار نقاش معمق لم يخل من التوتر والصراحة حول دعم صمود دول الطوق و«م.ت.ف»، وتصادم في النقاش حافظ الأسد ومعمر القذافي، وذلك حول الفجوة بين الموقف والعمل وطالب الأسد بترجمة الأقوال إلى الأفعال، أي أن الحديث عن التصدي يجب أن يترجم عملياً بالدعم المالي من الدول القادرة، خاصة الدول المنتجة والمصدرة للنفط وعلى رأسها ليبيا.

وفي جلسة مصغرة جداً ضمت اليمن والجزائر وليبيا حاول الطرف الفلسطيني التوفيق بين الطرفين كان خالد الحسن صريحاً مع العقيد معمر القذافي وقال له إن المصداقية تذوب عندما لا يتبع الكلام بالفعل.

وعندما احتد النقاش، اقترحت أن تضع سوريا لائحة بالأسلحة والطائرات المطلوبة لتقوم الدول القادرة بتمويل شرائها فأجاب العقيد معمر القذافي أريد أن أوافق عليها، سأوافق على المساهمة لشراء السلاح والطيران اللازمين.

فيما نحن نناقش محاولين ردم الهوة، قرر معمر القذافي الاستئذان لأن لديه ارتباطاً وترك الجميع يتناقشون، ولم تكن لدينا أية فكرة حول ارتباط العقيد معمر القذافي، لكن تبين أنه كان ارتباطاً مع الرئيس عرفات.

كان العقيد معمر القذافي قد أجرى اتصالاً بالعاهل الأردني، الملك حسين وأبلغه أنه يرغب في إجراء مصالحة بينه وبين الرئيس عرفات كانت العلاقات قد قطعت منذ معارك جبال عجلون في العام «1971».

ووافق العاهل الأردني وكان الرئيس عرفات بحاجة لفتح هذه النافذة في ظل الالتزام بقطع العلاقات مع مصر. وفي هذا الإطار، كان الاقتراح مفيداً جداً من الناحية السياسية فبداية إعادة العلاقات مع الأردن ستخفف ضغط يد دول كسوريا والعراق على «م. ت. ف».

عندما هبطت إلى قاعة الاستقبال في فندق شيراتون حيث عُقدت القمة، أبلغني البعض أنهم شاهدوا الرئيس القذافي والرئيس عرفات ينطلقان في موكب، بسرعة شديدة وأن الشائعة تقول بأنهما متجهان للأردن وانتشر الخبر كالنار في الهشيم، واجتمعت القيادات فوراً، قيادة فتح، الجبهة الشعبية، القيادة العامة، والجميع. وتدارس المجتمعون الأمر وقرروا إصدار بيان ضد هذه الزيارة وأهدافها وطلب البعض الانتظار لحين عودة الرئيس عرفات للتأكد من الخبر والموضوع.

وتعددت المؤتمرات الصحافية التي هاجمت الرئيس عرفات وكان أقساها ذلك المؤتمر الذي عقده أحمد جبريل أمين عام القيادة العامة «المقربة جداً من سورية». وعندما عاد الموكب، بعد إجراء المصالحة، ثارت ثائرة الجميع فيما بقي عرفات هادئاً.

وعندما هدأ المجتمعون قال الرئيس عرفات كيف تصدرون بياناً باسم «م. ت. ف» وأنا غائب أنا رئيس «م. ت. ف» وانهال بكلام هادئ على قيادات فتح التي شاركت في الاجتماع ووافقت على البيان ثم ابتسم قائلاً: لقد خطفني العقيد معمر ليصالحني مع الملك حسين أتريدون أن تبقى «م. ت. ف» والأردن في حالة خلاف دائم، أليس من مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل كامب ديفيد أن تكون له علاقات طبيعية مع الأردن.

سوف نواجه حرباً أو حروباً في لبنان ألا ترون ذلك لقد رفض بيغن فكرة التفاوض على الانسحاب من الضفة وغزة والقدس الشرقية لأنه يبيت لنا حروباً.

وساد الصمت وبدأت الأصوات هنا وهناك تتراجع وانتهى الأمر في جلسة القمة بأن أعلن العقيد معمر القذافي أنه قام باختطاف ياسر عرفات ليجري مصالحة بينه وبين الملك حسين لأن في هذا خيراً لجبهة الصمود والتصدي.

وخرج ياسر عرفات وتوجه لبيروت ليواجه أول تلك الحروب التي توقعها وكانت غزواً إسرائيلياً جزئياً لجنوب لبنان قامت به قواتها في شهر مارس من العام 1978.

* عشية الحرب

في بداية شهر مارس عام 1982 جاءني من يقول لي إن إسرائيل قررت غزو لبنان، كان شاباً في العشرين من العمر، لم يسبق لي أن رأيته حضر إلى مكاتب مجلة «الهدف» الكائنة في كورنيش المزرعة ببيروت وأبلغ سكرتيرتي أنه يريد أن يراني لأسباب مهمة جداً وضرورية.

وطلبت من السكرتيرة إبلاغه أنني سأراه بعد أن أنهي كتابة المقال الافتتاحي لمجلة «الهدف».

قادته السكرتيرة إلى مكتبي فوقفت محيياً كان مرتبكاً ويده مبللة بالعرق فابتسمت له ودعوته للجلوس وتحولت من وراء مكتبي نحو مقعد بقربه لأشعره بالاطمئنان فسألته عن اسمه فأجاب بسرعة وبتوتر «فايز».

أهلاً بك يا فايز «خيراً إن شاء الله».

قال بصوت متهدج وبتمتمة:

«لدي معلومات أن إسرائيل ستغزو لبنان، وستصل إلى بيروت وتحاصركم وتقضي عليكم».

حدقت في وجه الشاب فايز ملياً، يكاد يرتجف، وحبيبات من العرق بدأت تظهر على جبينه قلت له فايز، «هذا كلام مهم جداً كيف علمت بذلك؟».

نظر فايز حوله وكأنه يريد أن يتأكد من عدم وجود شخص آخر في الغرفة، ثم توجه إليّ ليقول لي إنه اطلع بالصدفة على أوراق وخرائط تتصل بهذا الموضوع بقيت صامتاً أنظر إليه في دعوة صامتة له أن يستمر بالكلام فلم يزد على ما قاله.

فسألته: «هل يمكن أن نحصل على هذه الأوراق»؟

قال لا أدري، سأحاول علقت فوراً وأنا أربت على كتفه يا فايز هذا موضوع مهم وكبير، وستكون قد أديت خدمة وطنية كبيرة إن نجحت في ذلك. هب فايز عن مقعده قائلاً سأحاول، وكأنه يريد الهرب.

ودعته على أمل لقاء قريب.

مر أسبوع من الزمن ولم يعد فايز فبدأت تتلاشى من ذهني أهمية الموضوع وقلت في نفسي، أي شاب ربما كان يتخيل الأمور.

ولكن بعد أسبوعين تقريباً، جاءني مدير الإدارة ليقول لي إن شاباً يدعى فايز قد حضر للمكتب، وطلب رؤيتي، وأنه طلب منه العودة مساء لأنني سأكون موجوداً في مكتبي.

أحسست بالغبطة، فقد عاد الموضوع ليحتل بسرعة مكانه في ذهني فالموضوع مهم جداً إن كان صحيحاً.

كانت الساعة تقارب التاسعة والنصف ليلاً عندما عاد فايز هذه المرة كان أكثر اضطراباً ويبدو عليه الفزع واضحاً.

هدّأت من روعه وجلست على مقعد إلى جانبه وقلت له «هل نجحت»؟.

لم يتمكن من التفوه وأخرج من جيبه الداخلي بيد ترتجف بعض الأوراق وسلمها لي صفحة كبيرة تحمل خريطة مليئة بالأسهم والإشارات وورقة ثانية تحمل رسم خريطة ساحل بيروت الممتد من الكرنتينا حتى فندق الريفييرا ومجمع الجامعة الأميركية، وكانت أيضاً محملة بالأسهم والإشارات بسطت الخريطتين على الطاولة الصغيرة أمامي ورحت أحاول قراءة الأسهم والإشارات.

الخريطتان نسختا على عجل وبيد مرتجفة وكان هذا واضحاً من عدم دقة الخطوط والتعرجات بعد دقائق أدرت وجهي نحو فايز الذي بدا أقل توتراً وقلت له:

«فايز من أين حصلت عليها؟».

تردد فايز، فأتبعت القول فوراً بطمأنته أن هذا الأمر بيد أمينة وإن علينا أن نتأكد من مدى جدية الموضوع، وأن هذا لا يمكن أن يحصل إلاّ إذا عرفنا المصدر.

قال فايز متمتماً وبسرعة شديدة خشية أن يسمعه أحد، أو حتى أن تسمع أذناه ما يقول أنا أعمل لدى أحد قادة القوات اللبنانية، وهذه الأوراق كانت على طاولة مكتبه في المنزل.

لم يترك لي فايز أي مجال آخر، فقد هب واقفاً ماداً يده للوداع صافحته وأفهمته أهمية ما قام به وسألته عند بوابة مكاتب «الهدف»: «فايز...... هل تعرف متى؟».

أجاب وهو يهرول هذا الصيف عدت لمكتبي أقرأ بشكل أدق أسهم وإشارات تلك الخرائط، من جنوب لبنان إلى بيروت، ومن بيروت الشرقية إلى بيروت الغربية.

سياسياً كان الاحتمال معقولاً ومنطقياً، فقد كانت قد وصلتنا رسائل أميركية عبر قنوات عربية متعددة، حول ضرورة سحب قواتنا من جنوب لبنان مسافة أربعين كيلومتراً شمالاً، وإلاّ فإن الولايات المتحدة لن تتمكن من منع إسرائيل من اكتساح هذه المنطقة دفاعاً عن شمال إسرائيل، الذي كان يتعرض لهجمات صاروخية بين الحين والآخر.

لكن خطة الهجوم وأبعاده الجغرافية المدونة على الأوراق أمامي تتعدى ذلك فهي تصل لصيدا المشرفة على بيروت، وجبال المتن المطلة على بيروت، ومحاصرة بيروت من كل النواحي، وغزوها من جميع نواحيها، بما في ذلك الاندفاع من بيروت الشرقية نحو الغربية عند ساحل الجامعة الأميركية.

أول من تبادر في ذهني أبو عمار وكانت تربطني به علاقات حميمة آنذاك، بالرغم من تناقض الجبهة الشعبية معه حول الموقف السياسي.

اتصلت به ولم أجده، لكني سلمت نسخة من المخطط للأخ «أبو جهاد» خليل الوزير رحمه الله وأبلغت الدكتور جورج حبش بالأمر وسلمته نسخة.

ورغم عدم قناعة الجبهة الشعبية بالأمر، كلفت رجال أمن الجبهة أن يسلموا نسخة من المخطط لمدير المخابرات السورية المكلف ببيروت، فسلمت نسخة له علمت لاحقاً أنه أرسلها فوراً للواء علي دوبا واللواء محمد الخولي.

لم أشعر أنني قمت بواجبي كاملاً، فبعد عدة أيام عشتها أفكر في الأمر بعمق اقتنعت تماماً أن الغزو قادم. ولذا كان لزاماً عليّ أن أتحدث مع أصحاب القرار حول هذا الأمر لاتخاذ الاحتياطات.

فتحدثت مع الأخ أبو عمار الذي طلب احتياطاً من المجلس العسكري الأعلى أن يضع خطة دفاع في حال قام الإسرائيليون بغزو لبنان فعلاً.

وعقدت عدة ندوات صحافية في أكثر من قطر عربي محذراً من الغزو ولم يصدقني رفاقي في الجبهة الشعبية فقد ظنوني يمينياً أسعى لتزيين التنازلات السياسية للأخ أبو عمار واعتبروا رأيهم وهو أن إسرائيل لن تغزو لبنان وانها ستوجه ضربات هنا وهناك الرأي الصحيح.

لم أعر هذا الرأي اهتماماً، واتخذت إجراءات وقائية، تفرضها مسؤوليتي المباشرة تحسباً لهذا الغزو، وأثبتت الإجراءات أنها كانت فاعلة وأنقذت الكثير من الأمور عندما بدأ الغزو.

في الرابع من يونيو 1982، قصفت الطائرات الإسرائيلية المدينة الرياضية في بيروت، وشاهدت بأم عيني سحب الدخان من مكتبي الذي كان قريباً من الموقع، وكان الإسرائيليون يظنون أن الفلسطينيين حولوا المدينة الرياضية إلى مخزن للصواريخ والعربات والذخائر، والظن بعيد عن الحقيقة.

فالفلسطينيون لم يفعلوا ذلك دمرت. الطائرات أجزاء كبيرة من المدينة الرياضية وأكواخ لاجئين هربوا من جنوب لبنان فأقاموا أكواخهم داخل المدينة الرياضية.

دعوت لاجتماع فوري، وأبلغت جميع العاملين بأن الحرب قد بدأت وأن عليهم تنفيذ الخطة التي وضعناها قبل شهرين فوراً وغادرت المكان إلى المقر الجديد.

* غزو لبنان

في الرابع من يونيو بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان ومن خلال تتبعي لسير المعارك تأكدت تماماً من صحة أفكاري فقد استغربت كثيراً خطة الغزو التي أحضرها لي فايز من حيث إنها حددت نقطة الاقتحام البري على أنها مواقع قوات الأمم المتحدة.

فهذا انتهاك للقوانين والأعراف الدولية لكن الأمر حصل واقتحمت إسرائيل لبنان انطلاقاً من مواقع قوات الأمم المتحدة وكي أكون صريحاً، فقد فاجأ هذا القوات الفلسطينية، لأن خطط الدفاع اعتمدت على أخلاقية عسكرية عالية أي استبعاد اقتحام القوات الإسرائيلية لبنان انطلاقاً من مواقع ترفع علم الأمم المتحدة، ويعسكر فيها آلاف الجنود والضباط الذين يعتمرون القبعات الزرق.

لكن شارون داس على كل القوانين والأعراف ولطخ علم الأمم المتحدة واندفع بقواته من ذلك المحور قطع الأخ أبو عمار زيارة التعزية التي كان يقوم بها للسعودية بعد وفاة الملك خالد وعاد إلى بيروت وانضممت له فوراً في غرفة العمليات رقم (5).

كانت غرفة العمليات عبارة عن طابق تحت الأرض معبأ بأجهزة الاتصال والخرائط، وأثاث بسيط، وعدد من الأسرة العسكرية، وكمية من المعلبات.

كان الرئيس أبو عمار قد طلب من اللواء سعد صايل تهيئة مجموعة غرف عمليات بعيدة كل البعد عن مراكز القيادة المعروفة ذلك أنه كان متوقعاً أن تقصف إسرائيل جواً كل مراكز القيادة المعروفة في بيروت وغيرها من المدن لذلك كانت غرفة عمليات غير مكتظة كعادة غرف العمليات المعروفة، في غرفة عمليات كان الرئيس أبو عمار يتفحص عبر الخرائط خطط الدفاع الموضوعة من قبل المجلس العسكري الأعلى، والتي كان اللواء سعد صايل يقوم بشرحها له.

خط الدفاع الأول، خط الدفاع الثاني، وبين الحين والآخر كان الرئيس يستوقف أبا الوليد مستفسراً أو معدلاً أو مضيفاً، وبين الحين والآخر كان العقيد أبو أحمد فؤاد القائد العسكري للجبهة الشعبية، الذي كان هو الآخر موجوداً معنا في غرفة عمليات يتدخل شارحاً، وكان يعد صيدا هي مركز الثقل في الدفاع.

بعد لحظات بدت لنا طويلة جداً، التفت أبو عمار إلى اللواء سعد صايل سائلاً:

هل تحصين بيروت ممكن؟ أظنه من أصعب الأمور.

فكر أبو الوليد لحظات وقال لكن لا شيء مستحيل لنحصّن بيروت.

على بركة الله بيروت هي الهدف ولما أنهى أبو عمار الكلام استأذن العقيد أبو أحمد فؤاد من الرئيس للتوجه إلى صيدا وعين الحلوة فقال له:

على بركة الله.

وساد صمت مرة أخرى، وكان الرئيس مستغرقاً في التفكير يقطع المسافة بين الحائط والحائط بخطوات بطيئة وهادئة اقتربت منه ورحت أقطع المسافة معه.

فذكرته بالخرائط التي أحضرها فايز فقال لي تذكرتها، وأرسلت من يحضرها، أظنها صحيحة.

وذكّرته بجملة كان أحد أصدقائنا الأميركيين قد نقلها لي ومفادها أن الأميركيين أعطوا ضوءاً أخضر لغزو لبنان ولكنهم أبلغوا بيغن وشارون أنه في حال فشلهم في القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها بسرعة فعليهم بعدها أن يتعاملوا معهم.

فأشار للأخ هاني الحسن الذي كان في عمليات (5) أن يقترب وقال له:

علينا أن نتذكر هذا دوماً ولا يغيب عن أذهاننا أبداً وأعاد إلى مسمع الأخ هاني الحسن تلك الجملة التي نقلت لنا من صديقنا الأميركي.

كانت الطائرات الإسرائيلية قد تعاقبت في الإغارة على منطقة الفاكهاني حيث معظم مقرات التنظيمات الفلسطينية ومنها مقر الرئيس ياسر عرفات الذي أطلق عليه ال(17) كونه معسكر حرس الرئيس الخاص (وهو الفرقة 17) كان بقرب ذلك القبو الذي حول مقراً للرئيس.

مقر الـ (17) صف أكثر من عشر مرات فتحطمت البنايات المحيطة والبناية التي ارتفعت فوق مقر الرئيس لكن المقر لم يدمر بل تحطم زجاجه، وشكل الركام تلالاً أمام مدخله الرئيس وحفرت القنابل في ذلك الشارع حفراً كبيرة تصلح أن تكون حمامات سباحة.

في تلك اللحظة وردت إشارة تفيد أن الجنرال كالاهان قائد قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان يطلب لقاء عاجلاً مع الجنرال سعد صايل، وأنه سيحضر إلى بيروت على متن طائرة هليكوبتر في أي ساعة يحددها الجنرال أبو الوليد.

وقف اللواء سعد صايل وقفة استعداد انتظاراً لتعليمات القائد.

سأل أبو عمار: أين ستلتقون؟

تداولنا الآراء ورأى الرئيس أن اللقاء يجب أن يتم في مقر (ال17) وتحديداً في غرفة قيادته المعروفة بالرغم من كل الدمار وطلب من اللواء سعد صايل تحديد موعد للجنرال كالاهان في السادسة والنصف مساء حتى يتسنى للشباب تهيئة المكان وأصدر تعليماته أن يذهب اللواء سعد صايل بصحبة الأخ هاني الحسن وأنا.

أصدر اللواء أبو الوليد رحمه الله تعليماته الفورية، وكان قليل الكلام وكانت كلماته كطلقات مسدس لا تخطئ.

أريد منكم إنجاز التالي قبل الخامسة والنصف: تنظيف المكان بشكل تام وإعادة تركيب الزجاج وتركيب كل الأشرطة الكهربائية، وأجهزة التبريد يجب أن تعمل والمقر من الداخل «لازم يلمع لمع» أريد أن أدخل المقر فأجده نظيفاً ومبرداً لا تنسوا الجنرال كالاهان يحب الليمونادة الطازجة والشاي فحضروا كل شيء.

توجهنا خارج عمليات وفي الخامسة اتصل اللواء سعد صايل ليطمئن على سير الأمور، فأعلم أن كل الأوامر قد نفذت على أكمل وجه، فعلق بنصف ابتسامة (كانت ابتسامته نادرة تماماً).

نظر إلى الأخ هاني الحسن وإليّ وقال: كل شيء جاهز؟

وفي السادسة والنصف مساءً وصل الجنرال كالاهان يرافقه اثنان من ضباط الأمم المتحدة، صافحناهم وتوجهنا نحو طاولة الاجتماع .اتخذنا مواقعنا في جانب من جوانب الطاولة اللواء سعد صايل وهاني الحسن وأنا بقينا واقفين وعلى الجانب المقابل الجنرال كالاهان وضابطاه بقوا واقفين أدى الجنرال كالاهان التحية العسكرية للأخ أبو الوليد، فبادله التحية العسكرية، لكنه لم يأذن له بالجلوس بعد، وحسب الأعراف لا يمكن له أن يجلس قبل أن يدعوه اللواء سعد صايل إلى ذلك كنت أنا وهاني كمن يفسر أحجية فاللواء سعد صايل هو من العسكريين البارزين الذين تخرجوا من أهم كلية عسكرية في العالم وهي كلية «وست بوينت الأميركية »والجنرال كالاهان يعلم ذلك وراحت طلقات مسدس أبو الوليد التي لا تخطئ تتكلم بالإنجليزية بوضوح وبهدوء، ولكن الهدوء القاسي الرزين.

«جنرال كالاهان» لقد خنت شرفك العسكري فلقد سمحت للقوات الإسرائيلية أن تمر عبر مواقعك دون مقاومة.

أطلق أبو الوليد.

أجاب الجنرال كالاهان وهو يقف وقفة استعداد:

«سيدي الجنرال، أنت تعلم الوضع على الأرض أكثر مني إن حجم الاندفاع كان كبيراً إلى الحد الذي لا يمكن لي وضباطي معه أن نتصدى له».

وأطلق سعد صايل:

«جنرال، إن شرفك العسكري كان يقتضي منك أن تطلق حتى لو رصاصة واحدة من مسدسك هكذا تعلمنا الأخلاق العسكرية أليس كذلك؟».

وطأطأ كالاهان رأسه فدعاه عندها أبو الوليد للجلوس شرح كالاهان حجم الهجوم، وأنه لم يكن يتوقع وصولهم بيروت.

وكالاهان مندهش.

قال له أبو الوليد:

«أنا أعلم أن الوقت ضيق وعلي أن أعود لغرفة العمليات لكن أريد أن أقول لك إنني بدأت بتحصين بيروت».

فردّ كالاهان على الفور:

«ولكن يا جنرال بيروت لا يمكن تحصينها».

فابتسم أبو الوليد قائلاً:

دعهم يظنون هذا «وقوفاً».

تحية عسكرية. حرس الشرف يأخذ الاستعداد وفجأة يصل الرئيس ياسر عرفات

جنرال كيف حالك بادره أبو عمار بالتحية.

أدى الجنرال كالاهان التحية للرئيس الذي كان يحمل عصا قصيرة وأجابه الوضع صعب سيدي الرئيس.

فأجابه أبو عمار بسرعة:

«سيكون صعباً عليهم لن أؤخرك، لدي جولة في المواقع كافة».

وغادر أبو عمار

وغادر الجنرال.

الأسد متحدثاً في القمة العربية 1978.