للعراق تاريخ طويل من الحضارة ساهم من خلاله هذا البلد في إثراء الإنسانية بالمعرفة وضروب الحكمة. وعلى امتداد قرون كثيرة، حصّن الإسلام العراق ضد الصراعات الدينية والطائفية وحمى شعب الرافدين من الظلم الذي كانت ترزح تحت نيره شعوب العالم القديم الأخرى.
وعلى امتداد الأجيال المتعاقبة كان العراقيون ينجحون في المحافظة على مناخ من التعايش السلمي بين الطوائف والأعراق المختلفة وذلك على الرغم من الصعوبات والتحديات التي كان يواجها هذا الشعب. وبفضل هذا الترابط كان العراق ينجح في النهوض وترتيب البيت الداخلي في أعقاب كل محنة يمر بها.
و على امتداد السنوات الـ 35 الماضية عاش العراق واحدة من أصعب فترات تاريخه، إذ خضع البلد إلى حكم حزب واحد من الأقلية زج بالبلاد إلى أتون من المغامرات غير المحسوبة التي بدورها كلفت الشعب العراقي خسائر طائلة.
وخلال الفصل الأخير من تلك الحقبة المؤلمة، ابتُلي العراقيون لسنوات طويلة بعقوبات تسببت في قتل وموت مئات الألوف من الأبرياء، معظمهم من الأطفال.
وانتهت تلك العقوبات بغزو تلاه احتلال أميركي - بريطاني في انتهاك صارخ للقانون الدولي وتشريعات الأمم المتحدة. وتذرع الغزاة بحجج تبين سريعا أنها وهمية، كانت أشهرها ذريعة البحث عن أسلحة دمار شامل.
و ساءت الأمور أكثر وأكثر في ظل الاحتلال، الذي لم تف سلطاته بأي من الوعود التي تشدقت بها من ديمقراطية وحرية وأمن ورخاء، الخ، إذ يعيش العراقيون الآن تحت وطأة الخوف والظلم والاضطهاد وفي ظل أجواء تفتقد لأي معنى من معاني حرية.
ولجأت قوات الاحتلال إلى الاستخدام المفرط للقوة وإلى أعمال القتل العشوائي والعقوبات الجماعية ضد الشعب، وحاصرت مدناً بأكملها واقتحمت كثيرا من البلدات وأشاعت أجواء الخوف والهلع والرعب بين السكان وحطمت منازلهم.
لقد أُهين العراقيون وجُردوا من أبسط حقوقهم، وخضعوا لأكثر أنواع التعذيب وحشية، كما كان الأمر في سجن أبو غريب وكما تبين من خلال معاملة الجنود البريطانيين للمعتقلين في البصرة.
و في الوقت ذاته، فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة فشلا ذريعا في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب. وارتفعت معدلات البطالة- تلك البطالة التي اُتخذت ذريعة لإرغام الشباب على الالتحاق بالجيش والمؤسسات الأمنية التي بدورها ترمي بهم إلى أتون حرب مدمرة لا أمل منها ولا رجاء.
ووجد عدد كبير من الشباب أنفسهم مرغمين على الانزلاق إلى عالم تجارة المخدرات، ذلك النشاط الشيطاني الذي أصبح العراق مرتعا خصبا له على الرغم من أن البلد كان قبل الغزو واحدا من بلدان العالم القليلة التي لا تعاني من مشكلة مخدرات حقيقية.
و قد كانت الشكوك تحوم حول سلوك ودافع سلطات الاحتلال منذ قدومها إلى البلاد، وذلك عندما شجعت تلك القوات على السرقة المنظمة للمؤسسات الحكومية والعامة .
وتركت مخازن الأسلحة بلا حراسة وسرحت الجيش العراقي وأحلت محله قوات ميليشيات لا تنسجم أجندتها مع المصالح العامة للشعب العراقي، ثم حددت نسبا لمشاركة الطوائف المختلفة في الحياة السياسية، وهي النسب التي مهدت الطريق أمام اندلاع صراع عرقي وطائفي استغلته بعض الجماعات السياسية لخدمة مصالحها الخاصة.
هذا ما آل إليه الوضع في العراق في ظل الاحتلال. إن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها يتحملون بشكل كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل ما حدث. فتلك الأطراف هي التي تسببت في الوضع الحالي بما قامت به من احتلال مخالف لكل القوانين والأعراق.
هذا هو واقع العراق اليوم. فمن نافلة القول إن استمرار هذا الوضع المخيف سيكون له عواقب مروعة ليس على العراق فحسب وإنما على المنطقة وعلى العالم بأسره.
ما هو الحل إذاً؟ إن سبب المشكلة، ومصدر المتاعب كلها هو الاحتلال الذي أتى بكل تلك المعاناة للعراق والعراقيين. يجب التخلص من هذا الاحتلال.غير أن الولايات المتحدة الأميركية تظل ملتزمة باحتلالها ولا تزال مصممة على المضي قدما في عمليتها السلمية التي ليست لها أي مصداقية تذكر.
إن رفض بعض الجماعات السياسية العراقية والسلطات الدينية التصديق على تلك العملية السياسية التي تتبناها أميركا لا يعني عدم قبولها الاتفاق السلمي، ولا يعني هذا الرفض قرارا منها بتبني خيار العنف كما تدّعي الآلة الإعلامية للاحتلال.
وإنما يعود هذا الرفض إلى قناعة تلك الجماعات بالعدل والحرية والاستقلال باعتبارها مطالب جوهرية لأي عملية سياسية. وفي ضوء عدم تحقيق تلك المطالب في الآونة الحالية، فإنه يتبين أن العملية السياسية الحالية لا تستطيع توفير السلام والأمن للشعب العراقي.
لقد كان للانتهاكات التي وقعت أثناء الانتخابات الماضية وكذلك تلك التي حدثت أثناء استفتاء صياغة الدستور أثر بالغ في إنكار إرادة الغالبية من الشعب العراقي؛ فتلك الانتهاكات لا تولد سوى الشك والريبة وتعضد من شكوك هؤلاء الذين قاطعوا الانتخابات الأخيرة. فسواء شارك العراقيون أم لم يشاركوا، فإنه لا توجد إلا قلة قليلة ترى أن تلك الانتخابات، التي ترعاها سلطات الاحتلال، هي أكثر نزاهة عن سابقتها وأنها يمكن أن تساعد في حل المشكلة التي تواجه البلاد.
ومن أجل تحقيق النجاح المرجو، فإن العملية السياسية يجب أن تسير في إطار بيئة سليمة صحية، وهي البيئة التي لن تتحقق إلا مع زوال الاحتلال. إن حل المشكلة العراقية من وجهة نظر جمعية علماء المسلمين بسيط ومنطقي ويتوافق كلية مع الشرعية الدولية ومن شأنه أن يعضد من تلك الشرعية ومن شأنه أيضا أن يضع حدا للنزيف اليومي للدماء العراقية.
هذا الحل سيضع أساس بناء دولة القانون التي يمكن أن تحمي حقوق كل مواطنيها وتسعى إلى ضمان كرامة الإنسان وإلى تأمين بديل للاحتلال كما هو مبين في المذكرة التي قدمناها إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية.
هذا الحل يجب أن يقوم أولا على إصدار إعلان من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لصياغة جدول زمني لسحب القوات المحتلة. ثانيا، يجب أن يتضمن الإعلان إحلال قوة دولية من الأمم المتحدة محل قوات الاحتلال على أن تكون المهمة الأساسية لتلك القوة الدولية هي ملء الفراغ الأمني الذي سيخلفه الانسحاب.
ثالثا، يلي ذلك تشكيل حكومة عراقية مؤقتة لمدة ستة أشهر تحت إشراف الأمم المتحدة من أجل إقامة انتخابات برلمانية حقيقية يشترك فيها كل أطياف الشعب العراقي.
وأخيراً تتولى الحكومة العراقية المنتخبة عن حق مهمة إعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية في البلاد.لن تنجح أي مبادرة في العراق من دون اقتلاع جذور المشكلة: الاحتلال يجب أن يزول.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «غارديان»
رئيس هيئة علماء السنة في العراق