في الخامس من يونيو 1967 ألحقت إسرائيل بالدول العربية هزيمة كبيرة. فقد دمرت ـ خلال ساعات ـ السلاح الجوي لكل من مصر وسوريا والأردن، واجتاحت دون عقبات، سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة واحتلتها.
وساد في العالم العربي جو من الكآبة والإحباط والشعور بالذل، وراحت إسرائيل تتباهى بعدوانها واحتلالها للأراضي العربية، وطأطأ العرب رؤوسهم خجلاً وحنقاً.
وحاولت الجماهير العربية التعبير عن هذا الحنق، والشعور بالذل بالخروج بمظاهرات عارمة، استهدفت السفارات الأميركية والبريطانية في الشرق الأوسط، وذلك تعبيراً عن قناعتها بأن هذه الهزيمة ما كانت لتلحق بمصر وسوريا والأردن، لولا مساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا لإسرائيل.
كنت آنذاك كادراً من كوادر حركة القوميين العرب، التي أسسها الدكتور جورج حبش ولفيف من زملائه، منهم الدكتور وديع حداد، والدكتور أحمد الخطيب «الكويت» وكانت معهم قيادات من ليبيا ومصر والمغرب والجزائر والأردن واليمن والسعودية.
وإثر تلك الهزيمة، اجتمعت اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب في بيروت، في شهر يوليو من العام 1967 لتناقش الوضع الخطير الذي آلت إليه الحالة العربية.
واتخذت قرارات عديدة كان أهمها قرار تحويل الحركة من حركة مركزية التوجيه إلى حركة لا مركزية، تتولى قيادة كل إقليم «في ظل النظام الجديد» أمور الإقليم، ورسم برامجه، ووضع الآلية المناسبة لتنفيذ البرنامج القطري.
وان تتولى أمانة عامة يرأسها الدكتور جورج حبش التنسيق والتعاون والدعم المتبادل بين قيادات الأقاليم والأقطار. وعليه فقد صدر الأمر من اللجنة التنفيذية للحركة بفرز شامل في صفوفها، بحيث يلتحق كل عضو بإقليمه، وتم ذلك من القاعدة للقمة، كانت الخلايا عربية الطابع، أي كنت تجد مثلا في خلية من خلايا حركة القوميين العرب «بحرينياً وقطرياً وفلسطينياً ومغربياً».
* القيادة على أرض المعركة
وبعد قرار اللجنة التنفيذية أصبح لزاما على القطري أن يلتحق بخلية قطرية لتنفيذ برنامج قيادة إقليم قطر، وهكذا. وفرز الفلسطينيون لخلاياهم الفلسطينية، وأصبح لزاما على قيادة إقليم فلسطين أن ترسم برنامج عمل وتضع آلية تنفيذه.
وكانت حركة القوميين العرب قد فكرت بالكفاح المسلح منذ النكبة، وأنشأت عدة تنظيمات لم يكتب لها النجاح، مثل كتائب العودة في أوائل الخمسينيات، لكنها بدأت بالتحضير الجدي للكفاح المسلح منذ عام 1964، فأنشأت تنظيم «شباب الثأر».
وتنظيم «أبطال العودة»، لكن التنسيق مع الرئيس الخالد جمال عبدالناصر، أبقى هذه التنظيمات ضمن شعار «فوق الصفر تحت التوريط»، ذلك أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، صارح قيادة الحركة بأن مصر غير جاهزة لمواجهة حرب مع إسرائيل في تلك الظروف .
وفي ذلك الزمن، فاكتفت الحركة بتدريب الكوادر والأعضاء عسكرياً «معظمهم في معسكرات تدريب في مصر وسوريا»، وبالاستطلاع وتخزين الذخائر والسلاح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستشهد خلال تلك العمليات الاستطلاعية والتخزينية عدد من الشباب.
لكن هزيمة 1967 غيرت كل الموازين وألقت بشعار «فوق الصفر تحت التوريط» جانباً.. وتسلم قيادة إقليم فلسطين الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد.
وبدأت عجلة العمل تدور.. آلاف من الشباب دربوا ويعرفون كيف يستخدمون السلاح، وبدأ البحث يدور حول الشكل الذي سيتخذه الاقليم الفلسطيني لبدء القتال ضد الاحتلال.
وتم الاتفاق على الدعوة لتوحيد كافة الفصائل الفلسطينية التي رفعت وترفع شعار الكفاح المسلح طريق تحرير فلسطين، وتم ذلك بعقد اجتماع نهاية شهر يوليو من العام 1967 في دمشق، وشارك آنذاك في الاجتماع: فتح، شباب الثأر، أبطال العودة، وجبهة التحرير الفلسطينية «بقيادة أحمد جبريل».
* توحيد الفصائل
وبدأ الحوار لتوحيد كافة التنظيمات في جبهة فلسطينية واحدة لمواجهة الاحتلال. ونجحت الفصائل في وضع برنامج عمل مشترك، وحدد موعد لاجتماع نهائي، يعلن بعده قيام الجبهة الوطنية الفلسطينية لتحرير فلسطين.. وفي الموعد المحدد لذلك الاجتماع، لم يحضر ممثلو فتح.
فأعلن عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ضمت جبهة التحرير الفلسطينية «أحمد جبريل» وشباب الثأر وأبطال العودة وترك الباب مفتوحاً لكل من يرغب في الانضمام للجبهة الجديدة.
ما الذي جرى؟ لماذا لم يحضر ممثلو فتح ذلك الاجتماع؟
في تلك الأيام عاشت قيادة فتح «اللجنة المركزية» صراعات داخلية حول القيادة ومسؤوليات أعضاء القيادة.
فهزيمة 1967، منحت قيادة فتح الفرصة لتظهر للعلن بعد أن كانت سرية ومطاردة من معظم الدول العربية، خشية ان تورط تلك الدول في حرب مع إسرائيل.
وما إن بدأت اجتماعات التوحيد بين الفصائل في دمشق، حتى برزت مشكلة لم يفكر بها أحد من قيادات فتح، عندما كانت سرية الطابع.
من هو المسؤول؟؟
كانت فتح ضمن نظامها الداخلي، تعتبر أعضاء اللجنة المركزية سواسية ومتكافئين، ولهم نفس الحقوق والواجبات، وكان هذا ملائماً جداً في مراحل العمل السري منذ عام 1965.
لكن الظروف اختلفت، وأصبح من الضروري ان يكون لفتح قائد، أو رئيس للهيئة القيادية وأصبح هذا ضرورياً، بشكل خاص، بعد ان طلبت المجموعة القيادية الصغيرة العدد، من فروع فتح «أساساً الخليج» إرسال مرشحيها للقيادة، وذلك لتوسيع صفوف القيادة، كي تكون قادرة على تحمل المسؤولية ومتابعة العمل الذي أصبح ضخماً ومتشعباً.
ياسر عرفات كان الأنشط والذكي والقادر على القيادة، لكن ذلك لم يتم بسهولة فقد رفض أعضاء في القيادة تسليمه الدفة، وفي اجتماع عاصف سبق اجتماع الفصائل للوحدة الوطنية بيومين، غضب ياسر عرفات وخرج من الاجتماع. وفي اليوم التالي، حاول زملاؤه الاتصال به عبثاً. وراحوا يبحثون عنه. فوجدوا في الغرفة التي كان يشغلها بدمشق ورقة صغيرة كتب عليها ياسر عرفات:
* القيادة في الميدان
أي ميدان؟ الأرض المحتلة طبعاً.
في تلك الليلة، اتخذ ياسر عرفات قراراً أمام مواقف بعض زملائه في القيادة، للأرض المحتلة. وكان القرار هو التسلل. كان ياسر عرفات قد فكّر بذلك، حتى قبل نشوب خلاف حول من يقود فتح. فعبر الحدود للأردن، والتقى بإخوة له قرب مدينة إربد، ومن هناك توجهوا جميعاً نحو غور الأردن. واقتربوا من نهر الأردن.
كان إخوته قد اختاروا له منطقة، كان بها غاطس نهر الأردن سطحياً وليس عميقاً. وعبروا جميعاً للجانب الآخر من غور الأردن سطحياً وليس عميقاً. وعبروا جميعاً للجانب الآخر من غور الأردن ـ الضفة الغربية من النهر، ولم يقفوا لحظة لالتقاط الأنفاس.
فقد كان معلوماً أن السير من تلك النقطة إلى طوباس أو جوارها، يستغرق على الأقل عشر ساعات، وكان عليهم أن يختبئوا في مغاور معروفة للفلسطينيين، مرتسمة على طول تلك الطريق التي تتلوى من الغور (تحت سطح البحر) إلى جبال نابلس. وحث الجميع الخطى.
وكلما تهالك أحدهم تعباً وطلب بعض الراحة، كان عرفات ينظر له ويقول «الفدائي لا يتعب ـ شد حيلك قاربنا على الوصول». بعد عناء وتعب شديدين، وصلت المجموعة لنقطة الاتصال مع قيادة تنظيم فتح في الضفة الغربية.
أخذ الجميع قسطاً جيداً من الراحة، وتناولوا الطعام، ثم انهال ياسر عرفات تخطيطاً لاستغلال الوقت، فقد كان يعلم أن الإسرائيليين سيعلمون بوجوده آجلاً أم عاجلاً، وأن عليه أن يستغل كل دقيقة لربط التنظيم وشده ومعرفة حاجاته وبالطبع لإعلامه أنه القائد.
تنقل ياسر عرفات من منطقة لأخرى، ومن قرية إلى أخرى، ونام في المغاور والبيوت وتحت الأشجار، وأوشك على استكمال عمله بعد ثلاثة أسابيع.
وفي ليلة من الليالي، كان عرفات نائماً في إحدى المغاور قرب رام الله، عندما هزت سقف المغارة جنازير مصفحة إسرائيلية، فهب هو ومن معه من النوم وراحوا ينصتون ـ كلام بالعبرية وأوامر تصدر وجنود يتحركون. أشار ياسر عرفات للمجموعة بوضع إصبعه على فمه، طالباً منهم عدم الكلام. وانتظروا. وبدت الدقائق ساعات طويلة.
واستمر هذا الوضع قرابة ساعتين ومصفحات إسرائيلية، تقف على أرض هي سقف المغارة التي يختبئ بها ياسر عرفات.
وبدأت أصوات الجنود تتلاشى وهدير جنازير مصفحاتهم يختفي.
إنهم يغادرون.
رغم ذلك أشار ياسر عرفات للمجموعة بألا تتكلم.
وراح ينظر لساعته.
وبعد مضي نصف ساعة على مغادرة المصفحات والجنود ذلك الموقع أشار ياسر عرفات لأحد الأخوة (الذي كان من أهل البلد) أن يخرج ليراقب ويتأكد من عدم وجود أحد ففعل.
عاد أحمد للمغارة وقال: تجولت في المحيط، لا يوجد أحد فقد غادروا. ابتسم ياسر عرفات، ونظر إلى أخ آخر كان يفهم اللغة العبرية وسأله (رغم الاطمئنان) هامساً، هل فهمت ماذا كانوا يقولون؟
فأجاب: لقد فهمت معظم ما قالوه. كانوا يبحثون عن قائد تنظيم المخربين ولديهم أوصافه.. إنه أنت؟؟
* التوجه للقدس
ابتسم ياسر عرفات مرة أخرى وقال:
يا إخوان «علينا أن نتوجه للقدس».
«القدس» صرخ الجميع بهمس.
أجاب نعم «القدس» ويجب أن أغادر الضفة. لقد استكملت عملي وأتمنى لو كان بإمكاني البقاء هنا. لكن واجبي يفرض علي أن أهييء لكم العدة ورباط الخيل.
بحث الأخوة بين بعضهم البعض أفضل الطرق للوصول للقدس واختاروها.
قال ياسر عرفات: «هل نتوكل»؟
قالوا: أجل. وتحرك الركب للقدس.
لم تسلك المجموعة الطرق الرئيسية، بل توجهت للقدس عبر طرق فرعية ملتوية، وعبرت مجموعة من القرى المحيطة بالقدس.
وصلوا في ساعة متأخرة من الليل مخيم عناتا الذي أقيم في قرية عناتا (إحدى القرى التي تشكل مدخلاً من مداخل القدس).
كان المخيم هادئاً وأنواره مطفأة ولا أحد في أزقته.
كان الجميع نياماً.
سارت المجموعة في زقاق الأزقة يؤدي بنهايته لشارع جانبي يقودهم للقدس. وفجأة سمع الجميع صرير نافذة تفتح ببطء مفاصلها صدئة.
وأطل نصف رأس من فتحة النافذة وهمس: من أنتم؟؟
فأجاب أحد الأخوة: «أصدقاء».
عاد الصوت يهمس: «هل تحتاجون لمساعدة؟».
فجاءه الجواب: كلا شكراً.
ثم تذكر ياسر عرفات شيئاً فقال له: هل تعرف كيف نصل لبيت أبو يوسف؟
فأجاب: إنه جاري.
عندها فتح الشباك كاملاً وأشار صاحب الرأس المطل من الشباك إلى بيت مقابل بيته. شكره الجميع وتوجهوا للبيت المقابل.
استقبلهم أبو يوسف بالترحيب بعد أن بدت عليه علامات الدهشة والمفاجأة عندما رأى ياسر عرفات، عانق ياسر عرفات عناقاً حاراً وأغلق الباب وراءهم بسرعة.
ابتسم ياسر عرفات وقال لأبو يوسف: جاهز يا أبو يوسف؟
سنبدأ العمل قريباً، أريد همتك وهمة الشباب.
فأجاب أبو يوسف: كلنا جاهزون.
ونظر إليه ياسر عرفات قائلاً:
الموضوع جاهز؟؟
فأجاب أبو يوسف: «طبعا».
وأخرج من جيبه الداخلي هوية.
هوية القدس..
إنها هوية ياسر عرفات.
الصورة لياسر عرفات وباقي التفاصيل لقريب من أقاربه من سكان القدس.
شكره ياسر عرفات وقال: «في الصباح نتوكل على الله».
وهكذا كان. في الصباح الباكر تحركت المجموعة باتجاه أريحا، وعبر ياسر عرفات نهر الأردن شرقاً، مستخدماً تلك الهوية التي لم يشك بها الإسرائيليون الذين كانوا يسهلون خروج الفلسطينيين من الضفة، ويصعبون دخولهم أو عودتهم.
وصل ياسر عرفات إلى دمشق بعد شهر من مغادرته له، إثر ذلك الاجتماع العاصف. فقد أمضى في الأردن بضعة أيام لتنظيم الأمور، والإعداد لمرحلة جديدة من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد كان واضحاً لجميع الفصائل أن نهر الأردن سيكون المعبر الرئيسي للمقاتلين، والسلاح، والذخائر للأرض الفلسطينية المحتلة.
وعندما وصل إلى دمشق أبلغ زملاءه من قيادة فتح بوصوله من الأرض المحتلة فأسرعوا للسلام عليه وتهنئته بالعودة سالماً.
وقام ياسر عرفات بشرح مفصل لما قام به داخل الأرض المحتلة، وعن احتياجات التنظيم في الداخل وعما رتبه في الأردن. وقال لهم: حان وقت الجهاد، علينا أن نعمل بلا كلل.
كرس ياسر عرفات قيادته لفتح.. وفي اليوم التالي لذلك الاجتماع، نشرت الصحف في لبنان خبراً من عدة أسطر مع صورة صغيرة لياسر عرفات يضع نظارة سوداء.
كان الخبر اعلاناً بأن ياسر عرفات هو الناطق الرسمي الوحيد باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). وبدأت مهمته الصعبة، وبدأ المشوار الطويل.
وكانت الخطوة الأولى البحث عن الأسلحة والذخيرة التي تركت في الجولان بعد أوامر الانسحاب التي صدرت للقوات السورية اثناء الحرب.
كان ذلك المصدر الأول للأسلحة والذخيرة قام عدد من الاخوة بهذه المهمة بعد ان دشن ذلك ياسر عرفات بسيارته «فولكسفاغن» ليبث الحماسة في عروق الاخوة لجمع أكبر كمية ممكنة من السلاح، والذخيرة، ونقلها إلى غور الأردن ليتم تهريب الجزء الأكبر منها للضفة الغربية المحتلة، والاحتفاظ بجزء منها لقواعد الارتكاز في الأغوار.
* معركة الكرامة
بعد تصاعد العمليات الفدائية الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية، انطلاقاً من غور الأردن وعبر نهر الأردن، قررت القيادة الإسرائيلية شن هجوم بري وجوي واسع النطاق، لتدمير مواقع الفدائيين الفلسطينيين التي امتدت من شمال غور الأردن لجنوبه.
وجاءت نتائج هذه الحملة (معركة الكرامة) عكس ما توقع الإسرائيليون، فقد خسرت إسرائيل المعركة ودمرت دباباتها وشاهد المواطنون العرب، ولأول مرة منذ هزيمة يونيو 1967، دبابات إسرائيلية مدمرة.
هزيمة يونيو ومناظر الطائرات الحربية العربية المدمرة فوق مدارجها، ومناظر الدبابات العربية المدمرة، وصور الجنود العرب الأسرى، هذه المناظر التي كانت تبث على مدى أشهر منذ الهزيمة، لإحباط الجماهير العربية ولكسر معنوياتها واشعارها في كل لحظة بذل الهزيمة.
لكن المناظر التي بثت لميدان معركة الكرامة أعادت جزءاً من كرامة العرب لهم. فها هي حفنة من المقاتلين المسلحين تسليحاً خفيفاً تلحق الهزيمة بالجيش «الذي أسمته أجهزة الإعلام الغربية: الجيش الذي لا يقهر».
وبدأ سيل عارم من المتطوعين الفلسطينيين والعرب وأحرار العالم، في التدفق على معسكرات الثورة الفلسطينية للالتحاق بالقتال ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية. وكان هذا مصدر قلق شديد للحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي. فقد تصاعدت العمليات حتى وصلت إلى معدل عشر عمليات فدائية يوميا، استهدفت الآليات العسكرية الإسرائيلية وجنود الاحتلال الإسرائيلي.
فقامت بشن حملة اعتقالات في جميع انحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة وقررت اللجوء لأسلوب القصف الجوي، بدلاً من الحملات البرية التي كلفتها سابقاً الكثير.
الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة لم تقتصر على قصف مواقع وقواعد الفدائيين الفلسطينيين، بل استهدفت كافة القرى والبلدات القريبة من تلك المواقع في أوساط المدنيين ليمارسوا الضغط على الفدائيين للرحيل من مواقعهم القريبة من تلك القرى والبلدات. وصعدت إسرائيل غاراتها الجوية، وكثفتها وصارت حدثاً يومياً.
وفي مواجهة ذلك خففت فصائل الثورة الفلسطينية من حجم القواعد القتالية وعدد المقاتلين، وتراجعت نحو التلال والجبال المطلة على غور الأردن، لكنها استمرت في شن عملياتها، التي أصبحت أكثر صعوبة لان المسافة التي أصبح على الدوريات القتالية قطعها، مشياً على الاقدام، نحو نهر الأردن أطول بكثير، ولان نقاط المراقبة الإسرائيلية، أتيح لها مزيد من الوقت لاكتشاف الدوريات القتالية المتقدمة نحو نهر الأردن عبر المزارع.
وازداد حجم المقاتلين الذين تمركزوا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في عمان العاصمة وغيرها من المدن وأصبح للفصائل الفلسطينية مكاتب علنية ومقار قيادة في مدينة عمان مما بدأ يثير قلقاً لدى السلطات الأردنية، لان هذا قد يعني ان تستهدف الغارات الإسرائيلية في المستقبل القريب عمان العاصمة ومخيماتها.
وبدأت حوادث الاحتكاك بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الأردني تتابع، رغم النجاح في حل المشاكل الناجمة عن هذه الاحتكاكات، إلا ان التراكمات أدت إلى توتر شديد، واصرار رسمي أردني على تنظيم العلاقة بحيث تحرم إسرائيل فرصة توجيه ضربات جوية لعمان.