عقب صعود انجيلا ميركل مستشارة لألمانيا انتخب الحزب الاشتراكي الديمقراطي مايتثياس بلاتزيك زعيماً. والزعيم الجديد مثل المستشارة ينتمي إلى الشطر الشرقي من ألمانيا وكلاهما على عتبة العقد السادس وكلاهما أكاديميان في العلوم وينحدران من عائلتين ذواتي خلفية بروتستانتية. لعل هذا يؤشر إلى ملمح من ملامح التغييرات السياسية التي بدأت تشتعل في ألمانيا وبلغت ذروتها بالتحالف الاستثنائي بين القطبين المتنافسين الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد المسيحي.

هذا الائتلاف الاستثنائي الذي يعد الأول من نوعه منذ 30 سنة نجم عن النتائج غير الحاسمة للانتخابات التشريعية الأخيرة والتي أصبحت إحدى أبرز تداعياتها كتابة نهاية أحد زعيمي الحزبين المتنافسين. وبالفعل أدت إلى خروج غيرهارد شرودر من الحلبة السياسية جريحاً.ذلك لم يكن الانتصار الوحيد الذي حققته انجيلا ميركل إذ أصبح في رصيدها أنها أول امرأة تنزع منصب المستشارية من الرجال وهي كذلك أول شخصية سياسية تنتمي للشطر الشرقي تحظى بذلك المنصب عقب الوحدة الألمانية.

ليس بالجنس وحده أو الانحدار من الشطر الشرقي تتميز ميركل عن الرجال السبعة الذين تبوأوا منصب المستشار في ظل الوحدة، فهي كذلك أصغرهم سناً، وأصلبهم عقلية ليبرالية، فالمستشارة الجديدة لا تؤمن فقط بضرورة كنس العقبات التي تعرقل انطلاقة أكبر دولة اقتصادية في أوروبا للنهوض بهذا الدور الفعال، إنما هي في الوقت نفسه متأهبة لخوض كل المغامرات السياسية المحتملة لبلوغ تلك الغاية.

الائتلاف الاضطراري

وتحظى المرأة الشرقية بالترحاب من حيث المؤهلات الذاتية والقيم التي تنادي بها، لكن الخوف من أن ينتهي الترحاب الألماني عند هذا الحد، ربما يكون أحد مصادر هذا الخوف يتجسد في الائتلاف الاضطراري الذي فرضته نتائج الانتخابات، غير أن التجربة الوحيدة الماثلة في الذاكرة الألمانية المعاصرة وهو ائتلاف العام 1966 لم يكن كله إخفاقاً بل على النقيض فقد حقق انجازات مضيئة. لكن لا أحد يجرؤ على إنكار ضغط الحرب الباردة والانشطار الألماني على السياستين آنذاك.

وبغض النظر عن مدى المصداقية فإن الثابت الذي لا يحتمل الجدل أن لدى الألمان حالياً رؤية متشائمة إزاء الائتلاف الذي تقوده ميركل إزاء إمكانية تحقيق انجازات جوهرية ذات جدوى على المدى البعيد.هذا التشاؤم يعود في أحد جوانبه إلى حقيقة سياسية مطلقة تتمثل في أن الشريكين في ائتلاف يجمع النقيضين التقليديين من اليمين واليسار عادة ما يتبنى الخيارات السهلة في معالجة القضايا الحيوية ولا يميل إلى المعالجات المكلفة كما يجنح إلى البت في القضايا المضمونة ويراوغ عمداً المسائل الحساسة في سبيل بناء رصيد شعبي للانتخابات التالية، ائتلاف ميركل لن يكون استثناء.

محنة هذا الائتلاف أنه يواجه واقعاً ألمانياً اقتصادياً مأزوماً يتطلب جراحات عاجلة، وقد يكون بعضاً منها جذرياً. ميركل تدرك ذلك لكنها تدرك في الوقت نفسه أن شريكها لن يذهب معها في خوض مغامراتها المحتملة من أجل علاج تلك الأزمات.أحد أهم الأسباب أن الاشتراكيين الديمقراطيين على النقيض تماماً مع برنامج ميركل الاقتصادي، كما أنهم لن يمنحوها انتصاراً مسبقاً على طريق النجاح المحتمل لمعالجة ذلك الواقع المأزوم وفق البرنامج المسيحي المطروح، ومع ذلك فالطرفان يدركان جيداً أن عليهما العمل دون تسديد »ضربات تحت الحزام« أو »طعنات في الظهر« خاصة على الجهة الاقتصادية.

التحدي يتمثل في كبح البطالة

بينما يدرك الاشتراكيون الديمقراطيون أن جميع الألمان يعلمون الحاجة الملحة لإحداث إصلاحات على الوضع الاقتصادي فان المسيحيين اليمينيين يدركون جيداً كذلك أن هذه الحكومة الائتلافية لن تذهب ابعد مما مضت إليه حكومة شرودر، بمعنى ألا تتخذ تدابير اقتصادية تزيد آلام الألمان على نحو موجع فهي مطالبة بالاتزان في خطواتها بغية احتفاظ كل معسكر برصيده الجماهيري على الأقل وإلا يتيح لخصمه الانتزاع من ذلك الرصيد وللحفاظ على الائتلاف نفسه ما لم يتأكد جازماً من أن فض تلك الشركة سيتيح له الغلبة على الحليف عند اللجوء إلى أي انتخابات مبكرة.

الواقع يفترض محاولات الشريك المسيحي للجنوح لجهة اتخاذ إجراءات لا تخلو من الإيلام لكنه سيعمل على دفع الشعب الألماني من مأزقه المحيط عن طريق إثبات أن ولوج العولمة يفتح الآفاق أمام فرص حقيقية للتقدم ولا يفتح نوافذ التهديد والقلق.دون الدخول في تفاصيل أجندة البرنامج الذي طرحته ميركل لمعالجة الأزمة الاقتصادية فيما يتعلق بزيادة ضرائب الدخل وتحرير ماكينة الإنتاج من القيود البيروقراطية ورفع الحواجز أمام الاقتصاد الحر فان المحك الرئيسي يتمثل في كبح البطالة التي يبلغ معدلها الحالي 11.2 في المئة.

في المقابل يدرك الشريك الاشتراكي أن عليه إبقاء الوضع في حالة حراك لكنه سيسعى جاهداً لتحديد مسار ذلك الحراك على النسق الذي يراه اقرب إلى مصلحته. هذا ما ابتدره شرودر منذ ان أيقن بخسارته أوراق اللعبة فقد قبل التسليم لمنافسته بحقها في منصب المستشارية غير انه انتزع لحزبه ثماني وزارات بينها حقائب ذات ثقل حقيقي. وجاء قبول ميركل من منطلق القناعة بأنه لا مناص من تقديم التنازلات في سبيل استثمار الفرصة التاريخية التي لاحت، هذا هو بالضبط التكتيك الذي سيتبناه الائتلاف الألماني إلى حين.

ربما من سوء طالع ميركل أنها تتسلم زمام السلطة في برلين وألمانيا تواجه هذا المأزق المزدوج بين ركود اقتصادي بكل تداعياته الاجتماعية وجهود الاندماج الإبداعية تتصاعد على الصعيد الأوروبي، لكن محنة المرأة الشرقية الحقيقية أنها تتسلم زمام السلطة في غياب سند برلماني مريح يتيح لها تطبيق برنامجها المطروح إبان المعركة الانتخابية.

الواقع أن هذا التفويض المنقوص الذي حصلت عليه ميركل لا يجافى كثيرا حالها داخل الحزب، فرغم صعودها هرم الحزب والسلطة في غضون خمسة عشر عاماً فقط متقدمة على العديد من الساسة المخضرمين إلا أن هناك قناعة ثابتة بأن ميركل تفتقر إلى الكريزما اللازمة لمن يتصدى للقيادة في مثل ظروفها الحالية. طوال المعركة الانتخابية كانت هناك شكاوى داخل المعسكر المسيحي من عدم قدرة ميركل على الاستقطاب الجماهيري سواء من ناحية الشكل أو المضمون.

فقد انصبت انتقادات مكثفة على أسلوبها في انتقاء أثوابها وأسلوب تصفيف شعرها كما كانت المقارنة بينها وبين شرودر من حيث موهبة الخطابة واللعب على الكاميرا التلفزيونية لصالح خصمها، غير أن لا أحد ينكر أن صعود شخصية سياسية إلى القمة يحدث دون توفر قدر من المؤهلات المطلوبة للزعامة. البعض يعتقد أن المرأة تعلم جيدا حجم التحدي الذي يواجهها ومن ثم فإنها لن تدخر جهداً لإثبات جدارتها.

هناك من رأى في اختيار الاشتراكيين بير شتاينبروك وزيرا للمالية استعداداً من جانبهم للتجانس مع الشريك الحكومي ذلك أن شتاينبروك البالغ من العمر 58 سنة الذي كان يشغل المنصب نفسه في ولاية فيستفاليا الواقعة في الراين الشمالي يعتبر أحد أنصار التحديث الاقتصادي ونجح في كبح العجز في موازنة الولاية وخفض المديونية وإصلاح الجهاز الضريبي فيها وبنى له ذلك رصيدا من الشهرة باعتباره إصلاحياً متحمسا وان كان هذا الرصيد لم يكفل له الفوز في الانتخابات الأخيرة. كما أن توليه حقيبة المالية يضعه على المحك الفيدرالي.

محور باريس ــ برلين ــ موسكو

منذ عهد فيلي برانت أصبح المستشار الألماني الصانع الرئيسي للسياسة الخارجية والمتحرك الأساسي على المسرح الدولي، وطبع شرودر المستشارية بطابعه الشخصي حد منحها مظهر الرئاسة بإحكام قبضته على القضايا الخارجية كما الداخلية.فبنهاية سنوات حكمه السبع لم يترك شرويدر لحليفه يوشكا فيشر زعيم الخضر الذي شغل منصب وزير الخارجية متسعاً للتحرك فيه باستثناء الصراع العربي الإسرائيلي في الشرق الأوسط. إذ تولى شرويدر بنفسه العلاقات الألمانية مع الولايات المتحدة، فرنسا، روسيا، الاتحاد الأوروبي والصين.

هي العلاقات نفسها التي من المفترض أن تضع عليها ميركل بصماتها وفق رؤيتها الجديدة وهي رؤية مغايرة تماما لما كان عليه حال ألمانيا في سنوات شرودر وهو الأمر الذي عزفت عليه ميركل إبان معركة الانتخابات.ربما يكون الموقف الألماني إزاء انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يشكل مفرق الخلاف الكبير بين الشريكين إذ أن ميركل لا تؤيد فتح أبواب الاتحاد كاملة أمام الأتراك ومنحهم العضوية بل تريد حصر ذلك القبول في شراكة خاصة.

هناك تباينات على عدد من المحاور الأخرى بين الاشتراكيين والمسيحيين غير أنها ليست على ذلك النسق من الحدة بين شرودر وميركل تجاه تركيا فعلى المحور الفرنسي تؤمن ميركل بعلاقات حميمة مع باريس ولكن ليست على النحو الذي يجعل العواصم الأوروبية تشعر بأن تلك العلاقات تجتز رقابها، فلدى ميركل إحساس بأن ألمانيا وفرنسا كانتا تعملان على عهد سلفها شرودر من أجل الهيمنة على أوروبا، بينما كانتا يقسمانها وترى ميركل أن الاتحاد الأوروبي ليس بديلاً للحلف الأطلسي.

كما تعتقد ميركل أن روسيا شريك مهم لكن الولايات المتحدة تظل الحليف الأكثر أهمية لألمانيا وهي تصنف الدول وفقاً لعلاقات برلين معها من منظور أن الشراكة الأطلسية تحتل مكانة القلب في ذلك التصنيف. وفي ضوء ذلك فإن استعادة دور محور برلين ـــ باريس ـــ موسكو محاولة غير مقنعة وليست مبررة. فالعلاقات الحميمة الخاصة التي كانت تربط شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت تثير قلق بل مخاوف البولنديين وشعوب أخرى شرقي ألمانيا وليس ثمة ما يدعو لذلك.

ميركل تفضل الإيقاع الأميركي

أكثر من ذلك ترى ميركل أن الجهود التي بذلها شرودر بالتضامن مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بغية حمل الاتحاد الأوروبي على رفع حظر السلاح المفروض على الصين اصطدمت بمصالح العديد من حلفاء ألمانيا فالمستشارة الألمانية تؤمن بأن القضايا المتعلقة بالسلاح يجب البت فيها داخل الحلف الأطلسي وله الأولوية على صعيد الاتحاد الأوروبي.كما أن المستشارة الألمانية على قناعة بأن الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن مطلب جدير بالتقدير ولكن ليس على ذلك النحو الذي دأب عليه شرودر بحيث أصبح مطلباً ملحاً وجارفاً حد الإصرار الشخصي.

من الواضح والجلي أن لدى ميركل رغبة في بناء علاقات حميمة مع الولايات المتحدة غير أن المراقبين في برلين يتشككون في المدى الذي يمكن أن تذهب إليه إدارة ميركل في حميمية العلاقات مع أميركا. بل إن هؤلاء يشككون أصلاً في حجم التغييرات الذي يمكن أن يطرأ على السياسة الألمانية الخارجية في ظل الحكومة الائتلافية. ثمة قناعة لدى قطاع عريض من هؤلاء المراقبين بأن نبرة جديدة ستطرأ في الخطاب السياسي المتعلق بالشؤون الخارجية غير أن هذه النبرة تظل مسألة في الشكل لا تنفذ إلى الجوهر.

ربما يرى العديد من المهتمين بالسياسات الخارجية أن مواقف شرودر الرافضة لحرب العراق أكلت قطاعاً من شعبيته وأن الواقفين على هذا القطاع تمنوا بالفعل فوز ميركل لكن هؤلاء واهمون إن اعتقدوا أن تغييراً جوهرياً سيطرأ على السياسة الألمانية الخارجية بعد فوز ميركل. هذا هو رأي كارستين فويجت منسق العلاقات الألمانية الأميركية في وزارة الخارجية الألمانية.

ويرصد الخبراء سلسلة من العناصر التي تصب في هذا الاتجاه أحدها تطور العلاقات الثنائية منذ انفجار الخلاف بين واشنطن وبرلين إزاء الحرب في العراق ذلك التباين في المواقف لم يهز القناعات المتبادلة إزاء مجموعة من القضايا المحورية مثل الحرب على الإرهاب، الجهود المبذولة لمنع إيران من التحول إلى قوة نووية، والمساعي لتحقيق سلام في الشرق الأوسط. حتى بالنسبة للأزمة الناجمة عن حرب العراق، فقد ساهمت ألمانيا بجهد لدعم أميركا مثل تدريب الشرطة العراقية في دول خليجية.

لكن الأهم من ذلك أن الشؤون الخارجية لن تكون كلها في قبضة ميركل منفردة وفق منطق الائتلاف الحكومي والذي يبقي وزارة الخارجية في يد الاشتراكيين الديمقراطيين.ومما يزيد الأمر تعقيداً أن حقيبة الخارجية يتولاها فرانك والتر شتانيمير الذي كان كبير موظفي المستشارية إبان سنوات شرودر وكان أحد اللاعبين النافذين في إدارة شرودر وصديقاً حميماً له منذ مطلع التسعينات ويعتبر أحد المهندسين الأساسيين في رسم سياسات برلين تجاه العالم، وشخصية لها كل هذا الرصيد والثقل لن يكون من اليسير تمرير توجهات فوق رأسه أوردت قناعاته.

فرغم ميول ميركل الواضحة لجهة واشنطن إلا أنه يظل من الثابت أنه ليس ثمة توقع بأن برلين ستفعل في ظل هذا الائتلاف ما لم تكن ترغب في تحقيقه أيام شرودر، فكما قال فويجت فإن ميركل لم تكن لتجرؤ على إرسال قوات ألمانية إلى العراق رغم تأكيدها على الاهتمام بالأمن في العراق ذلك أن شرودر عندما اتخذ ذلك الموقف الرافض لإرسال قوات إلى الخارج كان أسير شعور شعبي طاغ ويتقيد بقناعات وجدانية ثابتة في ضمير شعبه.

كما أن المستشارة الجديدة لن تستطيع قطع العلاقات مع باريس وكل اللمسة التي يمكن أن تضيفها على هذا المسار لن تتعدى تخفيف الانطباع الذي يوحي للبعض ببناء محور برلين ــ باريس في قلب أوروبا وبمساندة روسية وان ذلك المحور يستهدف أميركا.وكانت باريس المحطة الخارجية الأولى التي زارتها ميركل تأكيداً لنهج سياسي تقليدي جعل كل المستشارين الألمان لديهم علاقات خاصة على نحو أو آخر مع ساكني الإليزيه في باريس ولم يكن شرودر استثناء في ذلك وكذلك لن تكون ميركل.

كما انه لن يكون في وسع المستشارة الجديدة إلغاء ما يصفه المراقبون بالتغيير الأساسي الذي استحدثه شرودر على الجبهة الخارجية، ذلك المرتبط بالتصميم على إنهاء سلوك ألمانيا المترسب عن الهزيمة التي لحقت بها في الحرب العالمية الثانية ومن ثم التصرف باعتبارها دولة تعمل من أجل مصالحها. كانت ألمانيا أرسلت قوات لتدعم العملية العسكرية بقيادة أميركا في كوسوفو في عام 2001، كما أن القوات الألمانية الموجودة في أفغانستان هي القوى الثانية الكبرى هناك، غير أن شرودر ظل يتمسك بالندية في التعامل مع أميركا.

خليفة شرودر يعبر جسر الجواسيس

عدد من الأسئلة صاحبت لجوء شرودر إلى خيار الانتخابات المبكرة، ومعظم تلك الأسئلة ظلت بلا أجوبة حتى عندما اضطر الرجل إلى مغادرة المسرح السياسي. ورغم أن شرودر سعى إلى إسدال الستار الأخير بشروطه هو إلا أن ذلك لم يخفف من وقع الهزيمة التي مُني بها.وحاول الرجل البالغ من العمر 61 سنة منح حزبه فرصاً متساوية مع الحزب الفائز في التشكيل الوزاري بعد خسارته، ما بات يعرف بـــ »حرب المستشارية« عندما أصرّ على الاحتفاظ بمنصبه في الائتلاف الجديد، لكن اضطر للتنازل عن ذلك قبيل النزول من على خشبة المسرح.

وكان كعب أخيل شرودر في الواقع داخل حزبه الذي عانى انشقاقاً قبل الانتخابات، بل لعل ذلك كان أحد دوافع شرودر للمناداة بالذهاب إلى صناديق الاقتراع مبكراً. وكان هناك جناح داخل الحزب يعيب على المستشار تعجّله في إنجاز خطته للإصلاح، غير أن هذا الانشقاق التأم في مرحلة المفاوضات مع الاتحاد الديمقراطي لبناء الائتلاف الاضطراري باستثناء العناصر، وبينها قياديون بارزون، التي هجرت الحزب وأسس بعضها حزباً جديداً.

وقد اختار الاشتراكيون الديمقراطيون ماثياس بلاتزيك زعيماً للحزب وهو مثل ميركل قادم من الشطر الألماني الشرقي، وكلاهما يصغر شرودر بعشر سنوات. ولم يكن هذا الأكاديمي في العلوم معروفاً للعديد من الموفدين البالغ عددهم 500 مندوب شاركوا في مؤتمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي أو يعرفون أنه قضى 36 من سني عمره في مدينة بوتسدام التي تقع على الطرف الآخر من جسر غلينسيك الذي يبعد مسافة 18 كيلومتراً من مدينة برلين ويشكل حاجزاً مادياً يفصل بين شطري ألمانيا إبان الحرب الباردة ولم يكن مسموحاً لأي ألماني من الشرق أو الغرب عبوره بل كان معبراً يتبادل عليه السوفييت والغرب الجواسيس والسجناء. كان ذلك محور التعريف الذي قدم به الرجل نفسه للمؤتمر فانتزع به على نحو عاطفي تأييد 99.8% من الأصوات.

وقد ولد خليفة شرودر في بوتسدام نفسها التي اكتسبت شهرة في عالم الفن السابع باعتبارها عاصمة صناعة السينما في ألمانيا الشرقية وأصبح الرجل المولود في العام 1953 رئيساً لوزراء ولاية براندينبيرغ.في خطبته الافتتاحية في المؤتمر لم يتعرض زعيم الاشتراكيين الجديد للائتلاف الحكومي كما لم يتحدث عن الإصلاح الاقتصادي أو دور ألمانيا في أوروبا. في الواقع لم يطرح الرجل اقتراحات جديدة غير أنه شدد على وحدة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وقال إنه لا يرغب في حزب تتصارع فيه القوى والفرق على القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

بتسلم ميركل زمام السلطة في برلين وصعود ماثياس إلى منصة المعارضة يحدث تغيير جوهري على الخارطة السياسية الألمانية إذ تسنم الزعامة فيها وجهان من الشطر الشرقي ويطويان صفحات عتيقة من التاريخ الذي كانت القيادات السياسية مشبعة بغبار الحرب الباردة وروح التشطير وبصعود هذا الثنائي الشرقي تنتهي حقبة جسدها كل من هلموت شهين وهلموت كول وكانا رمزين لجيل من السياسيين الذين قادوا ألمانيا في خضم الحرب الباردة إلى مرحلة التوحيد.

كما انقضى زمن الساسة الجدد الذين مثلهم شرودر وحليفه يوشكا فيشر الخارجين من وسط الجيل الذي تشكل وعيه وطموحه السياسي في سياق ثورات الشباب في عقد ستينات القرن الماضي وهما اللذان هيمنا على المسرح السياسي الألماني في السنوات السبع الأخيرة.لكن البدلاء الجدد ليسوا على ثقة مطلقة نظراً لأنهم قادمون من الخارج ومن ثم ليس في رصيدهم مثلما للسابقين وهذا ليس سوى ملمح واحد من ملامح الفوارق بين القادة السابقين والجدد في برلين.والقادمون من الشرق يتميزون بأن لديهم أسلوبا براغماتياً في الانجاز واعتادوا التقلبات الكبيرة مما يجعلهم أقل جنوحاً للتردد إزاء مواجهة التحديات التي تجابههم.

متابعة: عمر العمر