يستمد هذا الكتاب الجيد أهميته من أهمية الموضوع الذي يتناوله وهو سيرة حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ومن شخصية مؤلفه بسام ابوشريف، الذي شغل منصب المستشار المقرب من عرفات مما اتاح له فرصة الاطلاع على جوانب خفية من حياة الزعيم الراحل.
والكتاب يحفل بأسرار وخفايا أحداث قد تكون جديدة على الكثير من القراء، فهو يلقي الضوء على الكثير من الأحداث التي عايشتها قضية الشعب الفلسطيني ومر بها القائد الرمز، الذي ظلت شخصيته طوال حياته وحتى بعد وفاته مثار خلاف وجدل على الصعد الفلسطينية والعربية والدولية.
ولكن الامر الذي يجمع عليه كل من عرف الراحل انه كان قائداً عملاقاً استطاع ان يبقي قضية شعبه العادلة حية في وجدان الأمة وعلى أجندة السياسة العالمية باعتبارها القضية الاولى التي ترتبط ارتباطاً وثيقا بمسألتي الأمن والسلام الدوليين. وفي ضوء اهمية الكتاب حرصت «البيان» على اطلاع قرائها على ابرز محتوياته بالتعاون مع دار الريس للنشر.
توارى العملاق ياسر عرفات لكنه ظل باقيا معنا نحن، وسيبقى مع الأجيال القادمة، وسيسجل التاريخ ان ذلك العملاق، قاد الفلسطينيين من وضع التشرذم إلى وضع كيان متّحد، ليقوم الجميع بقيادته بنفخ الروح مرة أخرى في قضية شعب ظلمه المستعمرون، واعتدى عليه الغزاة فقد رسخ ياسر عرفات جذور شجرة الزيتون في الأرض المقدسة وأعاد لها هويتها الفلسطينية الكنعانية وعبر المستنقعات وحقول الألغام، قاد شعبه في مسيرة العودة الطويلة.
ياسر عرفات أصبح عملاقاً لأن شعبه عملاق أيضاً وأدار بحنكة وذكاء تلك العملية التبادلية بينه وبين شعبه، تلك العملية التي رفعت مكانته كقائد وزعيم عالمي يشار له بالبنان حتى من أعدائه، ورفع هو بقيادته الفذة وبحكمته وواقعيته من مكانة شعبة من عدم الاعتراف بحقوقه، ومحاولة طمس وجودنا لا بل أحياناً نفي هذا الوجود،
كما كان يحلو لغولدا مائير أن تفعل، نقل ياسر عرفات شعبه المناضل والمرابط إلى الاعتراف الدولي الكامل بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ( رجل شجاع، عندما) تتطلب الظروف شجاعة يصل إلى حد المغامرة، وحكيم إذا تطلب الأمر حكمة ومرونة حين تشتد العاصفة، جدلي في تفكيره، ويربط عوامل صنع الوضع السياسي ربطاً جدلياً،
مكنه من قيادة الفلسطينيين عبر المحن وتحت وطأة القصف التدميري، ومحاولة تهميش ما بناه هذا الشعب من مؤسسات، إلى شاطيء الدولة المستقلة عندما التقيت ياسر عرفات في الكرامة، قبل المعركة الأولى بعد هزيمة يونيو،
رأيت فيه ذلك الإنسان الذي يمتلك نظرة ثاقبة ورؤية بعيدة المدى، لمعنى أن نخوض معركة ضد جيش تمكن من الانتصار على جيوش مصر وسوريا والأردن في حرب 1948 ودار نقاش حول ما العمل أمام الغزو الإسرائيلي المعد للأغوار لتدمير القواعد الفدائية التي أقيمت فكان واضحاً.
يجب أن نلقن العدو درساً ونعطي أشقاءنا مثلاً مهما كان الثمن، نحن حفنة قليلة أمام جيش الجبروت لكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بدعم من الله تعالى إن قرارنا بالمواجهة سيعني الكثير، ليس على الصعيد الفلسطيني بل لكسر طوق الهزيمة الذي أحاط برقاب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج سوف نحدث التغيير،
ونعلم الجميع أن بإمكاننا أن نواجه، مهما بلغت قوة العدو العسكرية وهكذا كان، فقد شاهد المواطن العربي لأول مرة على صفحات الصحف وعبر شاشات التلفزيون الدبابات الإسرائيلية مدمرة وجنودها المقيدين بالسلاسل محترقين.
ونفضت الأمة العربية عن نفسها تراباً ثقيلاً من الإحباط والشعور بالذل والضعف، لأنها رأت في نتائج قرار العملاق بارقة أمل جديد من انتصار الكرامة انطلق العملاق ليرتفع بشعبه وليرفع مكانة شعبه في العالم.
في العام 1948 قامت العصابات الصهيونية المسلحة بدعم من إنجلترا ودول أخرى، بتهجير مئات الآلاف من أهل فلسطين نحو الدول المجاورة، وتجاوزت عن سابق إصرار قرار التقسيم تقسيم فلسطين إلى دولة لليهود ودولة للفلسطينيين الذي اتخذ عام 1947 في الأمم المتحدة،
واحتلت كل الأرض الفلسطينية باستثناء قطاع غزة والضفة الغربية، ومنذ الهزيمة التي أنزلتها إسرائيل بالجيوش العربية مصر، سوريا ، الأردن في يونيو من العام ، أتيح للفلسطينيين، ولأول مرة منذ العام 1967 أن يمسكوا بأيديهم زمام قضيتهم واصبح مركز القرار الفلسطيني بايدي الفلسطينيين
ومنذ يونيو بدأ اسم ياسر عرفات بالبروز تدريجياً حتى أصبح القائد والرمز
ففي العام 1967 برز في الاجتماعات التي عقدت في دمشق، لإنشاء جبهة فلسطينية موحدة لخوض الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعندما اختلفت قيادة فتح حول اختيار قائد لفتح،
تسلل ياسر عرفات للأرض المحتلة، وأمضى أسابيع طويلة، ينظم صفوف حركة فتح هناك، وعاد ليقود حركة فتح دون منازع ونُشر بيان مقتضب في العام 1968 ، في الصحف اللبنانية يعلن أن ياسر عرفات هو الناطق الرسمي الوحيد باسم حركة فتح، ونشرت له صورة يضع فيها نظارات سوداء تخفي عينيه.
هكذا يعرف المتابعون بداية مسيرة ياسر عرفات لكن ياسر عرفات كان قد بدأ مسيرته قبل ذلك، فقد التحق كمتطوع في حرب مع القوات المصرية، كما انضم للمقاومة المصرية أثناء الغزو الثلاثي البريطاني، الفرنسي، الإسرائيلي، لقطاع غزة وسيناء وقناة السويس.
أسس ياسر عرفات تنظيماً طلابياً، ضم الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالجامعات المصرية، واستأجر مقراً لهذا التنظيم الطلابي، ليكون خلية عمل دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني تحولت رابطة الطلبة الفلسطينيين إلى الاتحاد العام لطلاب فلسطين الذي يضم كافة الطلبة الجامعيين الفلسطينيين في شتى أنحاء العالم
وبعد نيله شهادة الهندسة،
توجه إلى الكويت للعمل هناك كما كان يفعل معظم الفلسطينيين، الذين يتخرجون من الجامعات، فقد ساهم هذا الجيل من الفلسطينيين المتعلمين في بناء الخليج العربي مساهمة كبيرة ولم تغب فلسطين عن ذهنه لحظة.
إذ نشط أثناء عمله في الكويت لتكوين حركة فلسطينية هدفها تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، كما فعلت شعوب أخرى لتحرير أوطانها، وبقي يتابع إنشاء هذه الحركة أثناء عمله في الكويت، وتنقله في البلدان العربية، لتجنيد الفلسطينيين لحركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح
وفي العام 1965 قررت الحركة بدء عملياتها والإعلان عن برنامجها، فغادر ياسر عرفات الكويت إلى المشرق العربي سوريا ولبنان، وتعرض للملاحقة والاعتقال أكثر من مرة، لكن الظروف التي ساعدت على الانطلاق الحقيقي والواسع لهذا العمل الوطني التحرري، كانت ظروف ما بعد هزيمة يونيو، إذ لم تعد أجهزة الدول العربية المحيطة بفلسطين قادرة عملياً،
ومعنوياً وسياسياً على ملاحقة الذين يعملون لتطوير الكفاح المسلح لتحرير فلسطين وكانت فرصة التقطها المناضلون ومنهم ياسر عرفات للانطلاق ولم تعد مبررات عدم التوريط قائمة فقد احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان وبهذا سقطت كل ذرائع منع العمل المسلح أو النشاط التنظيمي الرافد للعمل المسلح كما سقطت ذرائع منع نقل السلاح الخفيف إلى الجبهات.
ياسر عرفات وزملاؤه من قيادات المنظمات التي رفعت شعار الكفاح المسلح كانوا يعلمون تمام العلم أن هذه الفرصة مؤقتة، وسرعان ما تزول بإعادة بناء الدول المحيطة بفلسطين أجهزتها وجيوشها، فأصبح عامل الوقت عاملاً مركزياً في عملهم، لبناء شبكة المقاومة المسلحة داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وقواعد الإسناد خارجها حتى تلك اللحظة كانت التنظيمات الفلسطينية التي تدعو للكفاح المسلح، وتعمل لتهيئة البنية التحتية له، تعتبر خارجة عن قانون الدول العربية.
ففي العام أنشأت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني اللذين بقيا تحت سقف القرار العربي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي.
ونالت «م.ت.ف» اعتراف الدول العربية ودعمها، وتعاملت معها الدول العربية كممثل للشعب الفلسطيني، وضع ياسر عرفات نصب عينيه السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت إطاراً معترفاً بشرعية تمثيله للشعب الفلسطيني.
وكان أمر قيادة الكفاح المسلح غير محسوم في تلك الفترة فقد شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قطباً التف حوله الآلاف وكانت الجبهة الشعبية تحظى بدعم من مصر والعراق في الوقت الذي كان زعيمها الدكتور جورج حبش يرزح في سجن الشيخ حسن بدمشق.
من هنا رأى ياسر عرفات بنظرة ثاقبة أن الهيمنة على «م.ت.ف» سوف تعطي فتح دفعة كبيرة على طريق قيادة الثورة، وفي الوقت الذي كان يخطط فيه ياسر عرفات للهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية، خرجت الجبهة الشعبية بموقف يرفض الانغماس في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، الذي سينتخب قيادة فلسطينية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتقط ياسر عرفات موقف الجبهة الشعبية الثوري ليسيطر على متف،
وهكذا تحولت المنظمة الشرعية والمعترف بها إلى هيكل كبير لحركة فتح وانتخب ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي عضو كامل في جامعة الدول العربية، فأمسك ياسر عرفات بذكاء وحنكة بالموقع الشرعي والمعترف به، وبموقع الكفاح المسلح على الأرض، وتمكن في معظم الحالات والظروف من ربط الموقعين، أو الفصل بينهما بذكاء،
مما وفر له أكبر قدر ممكن من الدعم والحماية، واستخدم في اللحظات الحرجة الموقعين، الواحد ضد الآخر، ليخلق ربطاً فاعلاً، كان في معظم الحالات يمكّنه من اتخاذ القرار الذي سبكه في ذهنه، إذ كان عندما يواجه موقفاً معارضاً في صفوف قيادة فتح اللجنة المركزية،
كان يلجأ للجنة التنفيذية، ويستخدم رأيها للضغط على قيادة فتح، والعكس كان أيضاً صحيحاً، إذ عندما تعارض اللجنة التنفيذية كان يستخدم قرار فتح للضغط على اللجنة التنفيذية واحد من عمالقة العالم السياسيين بل أصبح العملاق بعد وفاة جواهر لآل نهرو، وجمال عبد الناصر، وجوزيف بروز تيتو، وأنديرا غاندي.
ونقول العملاق، لأن ما واجهه ياسر عرفات في قيادة شعبة نحو الحرية والاستقلال، لم يواجهه عملاق آخر من عمالقة العالم، رغم أن ما واجهوه صعب ومعقد وتطلب تضحية عظيمة.
كون ياسر عرفات عملاقاً سياسياً، لكون قضية شعب فلسطين القضية الأعقد في تاريخ البشرية، وينبع أيضاً من ضخامة معسكر أعداء القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وتكالب هذا المعسكر لتشتيت وتفتيت الشعب الفلسطيني وإذابة هويته الوطنية.
فقد كبر ياسر عرفات بكبر قضية شعبه ونهض شعبه بفضل قيادته وحنكته السياسية، وقدرته على عبور حقول الألغام، التي زرعت في طريق النضال الفلسطيني في كل مكان، وفي كل اتجاه.
وكلما حوصر ياسر عرفات وقوات الثورة خارج فلسطين، هب الفلسطينيون للنصرة وكلما اشتعلت نار الثورة داخل الأرض المحتلة، تتحرك قيادة الثورة لإسناد انتفاضة الشعب تناغم وتضافر ووحدة دون رابط جغرافي، صنعوا المعجزات وشقوا طريق الصخر.
المشاهدون في الغرب، عندما يشاهدون ياسر عرفات، لا يخرجون بانطباع صحيح عن شخصية هذا الرجل خاصة عندما يتحدث باللغة الإنجليزية فهو لم يدرس في إنجلترا أو الولايات المتحدة ليتقن اللغة واللهجة كما يتقنها بنيامين نتانياهو مثلاً لكن الذين قابلوا ياسر عرفات ذهلوا لأن الانطباع مختلف جدا، فشخصيته تأسر، وأدبه الجمّ وكرمه وسرعة بديهته تلعب دوراً أساسياً في رسم الانطباع عند الآخرين.
ياسر عرفات حازما وصارما عندما يبت بأمر بالمهام والعمل والإنجاز وهو دمث ولطيف ومهذب مع ضيوفه وزواره من سياسيين وإعلاميين وقادة ومواطنين حنونا على الضعفاء، يحب الأطفال ويحمي النساء اللواتي يتعرضن للظلم، ياسر عرفات مسلما ومؤمنا، لا يقطع فرضاً، لكنه منفتح الذهن ومتسامح ويؤمن بالتعايش والتوحيد، أمين على ما عهد به إليه،
ويتعامل مع المواطنين سواسية، مسيحيين كانوا، يهوداً، أم مسلمين، جريء عندما يتطلب الظرف ذلك وأحياناً تصل جرأته حد المجازفة لكنه حكيم في الوقت ذاته ويحسب للأمور حسابها شجاعته ليست موضع نقاش، فالكل يعرف أنه خاض ويخوض معارك شعبه بروحه وعقله وجسده، وهذا ما أكسبه احتراماً وهيبة لدى شعبه منذ معركة الكرامة، مروراً بمعارك سبتمبر في الأردن،
ومعارك لبنان العديدة وأهمها غزو شارون للبنان ومحاصرة قيادة الثورة وقيادة الحركة الوطنية اللبنانية في بيروت العاصمة، حسه الأمني خارق لدرجة كبيرة، ولا يعتمد في ترتيباته الأمنية إلا على نفسه وجهاز من حرسه الخاص، ينتقي أعضاءه بحذر شديد، ويخضعون لتجربة طويلة.
نجا من عدة محاولات اغتيال حاولت الأجهزة الإسرائيلية القيام بها، وكذلك الطيران الحربي الإسرائيلي وتراوحت هذه المحاولات من محاولة دس السم له في بيروت إلى قصفه في شوارع بيروت بطائرات «اف 16» إلى محاولة تدمير مقره برام الله فوق رأسه.
لكنه نجا من كل ذلك بحسه الأمني الخاص، وبسرعة تحركه، وتنقله من مكان لآخر
ياسر عرفات متواضع وخجول جداً، ونادراً ما يسمح لنفسه بالضحك فهو متواضع أمام المتواضعين، لكن كبرياء شعبه المناضل تنتصر دوماً عندما يواجه مواقف يشعر فيها أن شعبه تهضم حقوقه، أو يهان، يثور عندها لكرامة شعبه،
ويتخذ مواقف تتميز بالكبرياء والعزة، فكم من مرة رأيته يثور كبرياءً أمام رؤساء وملوك تعاملوا مع شعبنا ونضاله تعاملهم مع شعب مهيض الجناح يجلس على الأرض ليتناول الطعام مع المقاتلين، ويتصرف حسب البروتوكول على موائد الملوك والرؤساء يقاتل في خنادق المناضلين
ويتفقد حرس الشرف الرئاسي عندما يقوم بزيارة رسمية لدولة من الدول وهو خجول كما قلت ومهذب يقف دائماً عندما يصافح امرأة أو فتاة كما يركع ليعانق طفلاً أو طفلة وعندما يتجرأ أحد المساعدين على رواية نكتة من النكت، تراه يضحك بخجل واضعاً كفه على فمه،
كأنه يريد أن يخفي ضحكته يهوى رؤية أفلام الكرتون المضحكة والمسلية وكذلك المسرحيات على مائدته يحرص أن يأكل الآخرون قبله، وغالباً ما يمد لضيوفه الطعام، ويستحسن لهم أصنافاً منه وعندما يريد أن يكرم أحدهم بشكل خاص يقتطع من صحن الحلاوة الخاص به، شريحة ويقدمها لضيفه أو يناوله لقمة من خبز القمح الصافي مغمسة بالعسل الصافي، الذي يحبه عرفات.
وياسر عرفات لا يدخن، ولا يشرب الكحول، ويحافظ على نظام طعام صارم يحب تناول السمك، ومن الفواكه يحب الجوافة، وفي الصباح يتناول الخضار والذرة الصفراء بين الحين والآخر، يحب ياسر عرفات أن يتناول صحناً من الحلوى، وأهم الحلوى لديه ما يسمى أم علي،
لكنه زاهد جداً بشكل عام في طعامه ولباسه منذ أن غادر الكويت، لم يلبس ياسر عرفات سوى لباس المقاتلين إلّا عندما كان يضطر للتنكر أو التخفي، ويرفض أن يكون لباسه العسكري لباساً خاصاً، بل يختاره من اللباس الذي يوزع على المقاتلين.
وأذكر أنني أهديت له معطفاً عسكري اللون لأنه كان على وشك التوجه إلى موسكو في زيارة رسمية، ولم يكن لديه معطف حقيقي يقيه برد وصقيع موسكو احتج في بداية الأمر كون المعطف ثميناً. فقلت له إن برد موسكو شديد ولا يمكن لثيابك العادية أن تقيك من بردها وبعد تردد قرر أن يلبس المعطف، والذي حماه من برد موسكو
وعرفات لا يحب الطقس البارد ويتحاشاه، ويحب الجو الحار خاصة عندما يخلد للنوم وأذكر أننا كنا نعاني الأمرّين من حر بغداد، خاصة في الليل، فقد كان الرئيس عرفات يأمر بإيقاف التبريد المركزي عندما يتوجه لغرفة النوم، وكنا نحن نعاني بينما هو يغطي نفسه،
دون تبريد بعدة بطانيات يحب الجمال ويعجب به سواء كان جمال البشر أو الطبيعة أو الفن. كان يرتاح ويسر عندما يرى أن من يرافقونه يتمتعون بالأناقة والشكل الجيد ومصدر السرور، كما أحلله، هو أنه كان يفتخر أمام الآخرين بالشباب الفلسطيني الكفء والأنيق.
لا يحب السمنة، ولا يفلت ضابط من ضباط الجيش من تعليقه اللاذع، إذا لاحظ أن وزنه زاد عن الحد المقبول، ولا يتردد في إبداء ملاحظة حول الوزن، إذا لاحظ زيادة فيه لدى أي من مساعديه أو وزرائه أو مستشاريه ويعجب ياسر عرفات بالمرأة الجميلة ولا يتردد في إبداء ملاحظة تمدح جمالها أو أناقتها بتهذيب شديد،
فهو يعلم أن هذا المديح سوف يثلج صدر المرأة ويجعلها سعيدة قلائل هم الذين شاهدوا ياسر عرفات يمسك بالإبرة والخيط ليغلق ثقباً في جرابه وأنا أحد هؤلاء القلائل وعندما سألته لماذا تفعل ذلك؟ قال حتى لا أرمي الجراب وحتى أستخدمه مدة أطول، ولأن هذا العمل يريح أعصابي قليلاً، لأنه يبعدني عن العمل الذهني.
خلال السفرات البعيدة، ينام ياسر عرفات ملء جفنيه في الطائرة، ولا يستيقظ حتى حين تهتز اهتزازاً مقلقاً ويستيقظ قبل الهبوط بنصف ساعة ليستعد للعمل وأذكر أننا أقلعنا للجزائر من تونس في جو عاصف جداً وكان المرحوم عبد الرحيم أحمد ضمن الوفد المرافق للرئيس الذي أخلد للنوم على مقعده اهتزت الطائرة اهتزازاً شديداً، وفجأة هوت الطائرة عشرات الأمتار مما أفقد الجالسين توازنهم وعندها فتح ياسر عرفات عينيه وقال ماذا حصل؟
أبلغوه بأن مطباً هوائياً كبيراً واجهنا، وأن الأمور الآن على ما يرام فأغلق عينيه ثانية وأخلد للنوم. وقرر عبد الرحيم أحمد ألّا يعود على نفسها الطائرة الصغيرة إلى تونس وأن يتوجه بطائرة تجارية كبيرة.
وعرفات مثقف ثقافة عالية من خلال مطالعاته وخلفيته العلمية كمهندس، والأحب له ربط معلوماته وثقافته ربطاً مفيداً بالواقع السياسي، وبالصراع دولياً وإقليمياً ومحلياً، فمعرفته بالتاريخ كبيرة، ومعرفته بتفاصيل بعض فصول التاريخ مذهلة وكنت أستمتع بالإصغاء له عندما يسرد قصصاً تاريخية ترتبط بالبلدان التي نطير فوقها،
ونحن متوجهون في زيارة لبلد ما سرد لنا مرة تاريخ الأسطول اليمني حضرموت وكيف وصل إلى إندونيسيا وسنغافورة وتحدث عن وسط مدينة سنغافورة وكيف أن اليمنيين حولوه إلى وقف يمني حتى لا يشتريه الصينيون الذين كان يدفعون بموجات بشرية كبيرة نحو سنغافورة، وبقيت مباني وسط المدينة في سنغافورة حتى اليوم وقفاً إسلامياً يمنياً
وتحدث حول موزامبيق ولماذا يطلقون عليها هذا الاسم؟ فالقائد العربي الذي نزل إلى شواطئها كان يدعى موسى بن شفيق ومع الزمن لفظ اسم موسى بن شفيق موزامبيق.لم أكن أعرف هذه المعلومات ودهشت وسررت لسماعها.
واكتشفت أن ياسر عرفات كان يلم بعادات وتقاليد كل بلد من البلدان التي زارها، وأنه كان يلم بوضعها الاقتصادي، ومشاكلها الاجتماعية والطائفية والسياسية.
وعلى سبيل المثال كان يلم إلماماً كاملاً بتاريخ وتقاليد القبائل الأفغانية، وتناقضات أفغانستان الطائفية وتناقضاتها القبلية، وكان يلم بأسماء أمراء القبائل ومنافسيهم، أو صلات القربى بينهم كان مدهشاً بالفعل.
يلم ياسر عرفات بتاريخ اليهود، ومدارس الفكر الصهيوني، إلماماً كاملاً عبر التاريخ الطويل ويدهش في كثير من الأحيان زواره من اليهود بعمق معرفته هذه.
وبطبيعة الحال يلم ياسر عرفات بتاريخ فلسطين إلماماً كبيراً جداً، ويعرف تفاصيل نضال هذا الشعب على مدى قرون وكيف واجه هذا الشعب الغزوات الكبرى التي تعرضت لها فلسطين.
هذه الصفات المميزة، والمعرفة الواسعة، والخلفية العلمية لدى ياسر عرفات مكنته، استناداً لنضال شعبه، من أن يصبح عملاقاً من عمالقة الحرية والتحرر في العالم.
وحافظ ياسر عرفات دائماً على العلاقة الوثيقة بصفوف الشعب، وقدرته القيادية على اتخاذ قرارات حاسمة وإن لم يعجب بها الشعب لفترة من الوقت مكنته من الصمود والاستمرار.