بعد الاعلان عن كتابه «نهاية التاريخ» يقول الكاتب الأميركي فرانسيس فوكوياما انه من الملح الآن توطيد الدولة، ويؤكد في كتابه الأخير ان الولايات المتحدة هي سبب جميع الشرور تقريباً (فقر، ايدز، مخدرات، إرهاب).
ولقد قام الأكاديمي الشهير أخيراً بزيارة إلى العاصمة الأرجنتينية بيونس أيريس، حيث شارك مع مفكرين كبار في ندوة حول الهوة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وتحدث مع صحيفة «كلارين» عن «أخطاء» تطبيق البرنامج «النيوليبرالي» وعن الفشل في العراق وعن «قرارات كارلوس منعم السيئة» التي دمرت الأرجنتين.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ لماذا تعتقد ان سياسات ما يسمى «اجماع واشنطن» ولدت نتائج متماثلة إلى هذا الحد وأدت إلى ضعف بنية جهاز الدولة في جميع البلدان التي انخرطت فيها؟
ـ حسناً، أنا لا اعتقد ان الحالة كانت نفسها في كل الأرجاء، فلقد كانت تشيلي، على سبيل المثال، إلى حد ما البلد الأول في تطبيق جزء كبير من اجماع واشنطن في الثمانينات والتسعينات.
وكان ذلك جيداً جداً بالنسبة لها، اعتقد ان ما حدث هو انه في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات كان هناك سرعة مبالغ فيها في نزع كل ما كان ممكناً من قطاع الدولة من دون تركيز مواز على توطيد مؤسسات أخرى، كانت هناك مشكلة واضحة في التوقيت،
فلقد كان ضرورياً في تايلاند وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، ان تعمل أنظمة ناظمة قبل تحرير أسواق رؤوس الأموال وجوانب اقتصادية أخرى تتعلق بالأسلوب، وبالتالي فإني اعتقد ان بعض البلدان اساء منهم المبدأ القائل بضرورة تصغير الدولة فقط.
في بلدان أخرى، وهذا لا ينطبق كثيراً على الحالة الأرجنتينية وانما على أمكنة أكثر فقراً، كما في أفريقيا جنوب الصحراء، أعتقد ان الضغط باتجاه تقليص الدولة في برنامج الضبط الهيكلي، الذي مارسه أصحاب القروض، قد تم استغلاله من قبل تلك الحكومات لحل القطاع الخاطيء من الدولة،
حيث تمت تصفية الجزء الجيد من الدولة ـ البيروقراطية العقلانية ـ وترتيب الوضع على هذا النحو من أجل تغيير وجهة الضغط الناجم عن تبعية تلك الحكومات.
ـ هل يبدو لك أن الأمر يتعلق بأخطاء تطبيقية في بناء الدولة؟ ألا تعتقد بأن هناك أخطاء نظرية أعمق؟
ـ بالنسبة لي، شكلت الإجابة عن هذا السؤال أحد الدوافع التي دفعتني إلى كتابة ذلك الكتاب. الخطأ ليس نظرياً على وجه الدقة لأنه اذا سألت الاقتصاديين الذين وضعوا اجماع واشنطن: ألا تعتقدون بأن قدرة الدولة تتمتع بأهمية قصوى في هذه الميادين المتبقية، حيث الدولة ضرورية؟ فإن الجميع ربما يقولون: بالطبع نعم.
لكني أعتقد بأنه كان هناك بعض الخلط بين ما أسميه «مقدرة الدولة» و«قوة الدولة»، لأنه ساد شعور مبسط ينادي بتفكيك الدولة من دون ان يكون هناك، في الوقت نفسه، فهم واضح لضرورة توطيد أجزاء أخرى منها ضمن معاير الإنتاجية.
ـ أشرت أخيراً إلى نجاحات هذه السياسات المطبقة في السبعينات والثمانينات في تشيلي، كيف توضح، بشكل مقارن، حركة التطور في الارجنتين؟
ـ أعتقد بأن كل شيء مرتبط بالسياسة، فالأمور كانت ماضية على نحو جيد في الأرجنتين، حتى بدأ الأرجنتينيون يخسرون الكثير منها في نهاية التسعينات، وربما تمثل الجانب الأهم فقط في سلسلة القرارات السيئة، التي اتخذها كارلوس منعم، لاسيما محاولته للوصول الى ولاية رئاسية ثالثة.
فباستخدامه لكل رأسماله السياسي من أجل تمديد مسيرته الرئاسية الخاصة، انتهى منعم الى تبديد نظامه المالي ومن ثم دخل في منافسة استفزازية مع إدواردو دوهالدي على زعامة الحزب البيروني وبالنتيجة بدد ثروته.
وأعتقد بأن المشكلة تكمن أيضاً في البنية الفيدرالية الأرجنتينية، غير الموجودة في تشيلي، التي تمثل دولة موحدة، وبالتالي فإن كل قرار يتخذ في سانتياغو، يطبق في كل البلاد،
حيث لا يوجد مشكلة سوى مشكلة الميزانية، لكن بما أن المعونات المالية التي تقدم في الأرجنتين للحكومة الإقليمية هي دائماً موضوع قابل للتفاوض، فإن الحكام يمضون كل الوقت وهم يفاوضون، حيث تسود لعبة تفصيل الأصدقاء والحلفاء ورشوتهم.
ـ تؤكد في كتابك على أنه في ظل غياب المطالبة الداخلية بمؤسسات أفضل، فإن الحلول لا يمكن ان تأتي إلا من الخارج، تحت إصلاحات تبدأ من التعاون السياسي حتى العدوان والوصاية العسكرية، ما هو الدور الذي تلعبه السيادة الوطنية؟ أليس هناك نبرة ارتيابية في كتابك فيما يتعلق بهذه الحلول؟
ـ وجهة نظري العامة حول التطور السياسي والاقتصادي هي التالية: لا يتطور أي مجتمع على الاطلاق عن طريق الضغط الخارجي، لابد ان يأتي من داخل المجتمع وغالباً ما يتم عن طريق النخب السياسية ولكن أيضاً عن طريق ضغط المجتمع المدني أحياناً وذلك بالمعنى الأوسع. وان لم يكن لديك إرادة سياسية للقيام بإصلاحات وبناء مؤسسات، فإن ذلك لن يعمل، وبالمناسبة،
فإن الاصلاحات لن ترى النور فقط لأن البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي يدفعان بهذا الاتجاه ويجبران على فعل شيء، وكما رأينا في العراق، فإن الأمور لا تسير في مجراها الطبيعي عندما يحتل بلد بقوة الجيش، حيث يجب ان ينحصر دور القادمين من الخارج في تسهيل التحولات الداخلية، لكن اذا لم تنظم السياسات الداخلية جيداً، فإنه سيكون من الصعب التقدم.
ـ كيف تقوم الوضع الراهن في العراق؟ هل تعتقد أن العراق سيسير على درب هاييتي أو على طريق النجاح في كوريا الجنوبية؟
ـ أنا متشائم كثيراً حول العراق، لأنه يبدو لي أنه لا يوجد إجماع حول الطبيعة الأساسية للبلد. فمع أن الدستور قد تم إقراره أخيراً، إلا أنه أصبح هناك إحساس في المجتمع السني بأن الدستور ليس شرعياً.
وهذه لا تمثل دلالة إيجابية بالنسبة للمستقبل. لكني أعتقد بوجود إمكانية لإقناعهم بقبول العملية السياسية خلال هذه الأشهر، بحيث أنني لا أشعر بالقنوط في هذه اللحظة.
ـ في رد فعل إدارة بوش على كارثة إعصار كاترينا، هل كان هناك خطأ إداري، أم أن الأمر كان أكثر خطورة ومشابهاً لعيوب الإدارات العامة في العالم الثالث؟
ـ الأمر معقد. فالكثير من الأوروبيين يقول إن هذا يكشف النقاب عن إفلاس كل النموذج الاجتماعي الأميركي وأنا لا أتفق مع هذا الطرح. هناك شيء من هذا القبيل، لكن النموذج الأوروبي لديه مشاكل كثيرة أيضاً. أعتقد وبلا شك بأنه كان فشلاً على مستوى الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية،
والمقصود هو ذلك النقص في الاستعداد لهذا النوع من الكوارث، حيث كانت إدارة الأزمة ضعيفة. لكني أعتقد بأن هذا لن يتكرر في المستقبل القريب، على الأقل في هذه المنطقة. فهذه الأزمات هي من النوع الذي يحرك الناس لحل المشكلات القائمة وهذا ما نأمل رؤيته.
ـ ألقيت محاضرة هنا حول التباينات بين أميركا اللاتينية والولايات المتحدة. كيف ستتطور هذه العلاقة؟
ـ إن مصير كلا الجزءين في نصف الكرة الأرضية الغربي هو التقارب. صحيح أنه كان هناك جدل واسع في الولايات المتحدة بسبب الهجرة الأميركية واللاتينية، فهذا لا مناص منه، لكني أعتقد بأن تقاربنا الجغرافي سيعني دائماً تقارباً متنافياً. وأنا لست متشائماً كثيراً حول مستقبل أميركا اللاتينية مثل محللين آخرين.
فزعم جميع المشاكل في الأرجنتين وفي بلدان الأنديز ـ فنزويلا، كولومبيا، اكوادور، بيرو ـ إلا أني أعتقد بوجود أشياء إيجابية، كالتطور الصناعي في المكسيك والبرازيل. وأن تنجو الديمقراطية الأرجنتينية من الأزمة، فذلك مؤشر إيجابي أيضاً. لابد من الانتقال إلى المرحلة المقبلة من تطوير المؤسسات القوية. صحيح أن هذه العملية بطيئة، لكنها ستحدث ذات يوم.
ـ ذاع صيتك في العالم بأسره عبر كتاب «نهاية التاريخ». كيف تتعايش مع تلك الأطروحة؟ هل مازلت تمثل أسلوبها في التفكير؟
ـ أنا بصدد إصدار نسخة جديدة وأقوم الآن بكتابة مقدمة جديدة لطبعتها المقبلة. لكن قصدي كان دائماً توجيه سؤال أكثر من نشر إعلان. وذلك السؤال يتعلق بالتحديث وهو على الشكل التالي: هل تركز عملية التحديث على اتجاه واحد أو على اتجاهات متعددة؟ حتى الآن، أعتقد أنها تركز على اتجاه واحد، رغم أنها تتم مع اختلافات مهمة في الوسط. وأعتقد أنها مازالت هذه العملية تمثل قضية بارزة.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن «كلارين» ـ الأرجنتين