منذ عشر سنوات خلت وفي القاعدة الجوية «رايت ـ باترسون» الواقعة في ضواحي دايتون، اجتمع القادة الذين أشعلوا حرباً وحشية طوال أربع سنوات في البوسنة، وسط منطقة متقلبة شهدت حربين عالميتين، واتفقوا على السلام.
ولم يقدموا على هذه الخطوة إلا بعد ضغط دولي شديد عسكري ودبلوماسي بقيادة الولايات المتحدة. في تلك اللحظة، توقع العالم أجمع تقريباً ان يؤول اتفاق دايتون للسلام إلى الفشل.
ومن أجل تطبيق الاتفاق، أرسلت 20 ألف جندي أميركي إلى البوسنة وذلك كجزء من قوة سلام تابعة لحلف الناتو مؤلفة من 60 ألف عنصر، لأنها كانت الطريقة الوحيدة لضمان ان يشكل اتفاق دايتون شيئاً أكثر من كلمات على ورق.
ولقد شكل سكان سراييفو طوال ثلاثة أعوام، مصدر إلهام بالنسبة لنا جميعاً وذلك من خلال شجاعتهم في مواجهة القناصة والجوع والبرد القارس وبعد عملية الإبادة العنصرية في عام 1995، التي راح ضحيتها سبعة آلاف شخص في سربرينيتشا، كان واضحاً ان الناتو فقط وبقيادة الولايات المتحدة قادر على ضمان السلام.
مع ذلك، فإن غالبية الشعب الأميركي عارضت قراري وتوقع البعض سقوط الكثير من الضحايا وخشي آخرون من دوامة حرب جديدة، في ظل بوسنة مقسمة نصفين ومن حاجة دائمة لقواتنا. وقبل يوم واحد من تاريخ دخول اتفاق دايتون حيز التنفيذ، صوت مجلس النواب بنسبة ثلاثة إلى واحد ضد نشر القوات الأميركية في البوسنة.
لكن رغم هذه المعارضة، بدا لي أنه يتعين على الولايات المتحدة التحرك لوقف الفظاعات هناك ومحاولة جلب السلام والاستقرار إلى المنطقة، ولقد أعاد الشعب الصربي بعد عشر سنوات تثبيت وضع الذين وقفوا إلى جانبه آنذاك.
اتفاق دايتون وضع حداً للحرب التي لن تتكرر مرة أخرى، فالمنطقة مستقرة ومسالمة الآن، ولم تعد تمثل المجازر الوحشية سوى ذكرى من الماضي، رغم إنها ذكرى مؤلمة بالنسبة لعائلات كثيرة فقدت أحباء لها.
وخلال هذه السنوات العشر، لم تسقط أي ضحية أميركية أو من الناتو جراء أعمال عدوانية، وتقلصت القوات حتى استقرت على سبعة آلاف جندي إجمالاً، من بينهم أقل من 200 جندي أميركي.
البوسنة بلد واحد فقط، لكن لديه كيانين مختلفين، أحدهما صربي والآخر اتحاد كرواتي مسلم، لكن من الممكن العبور بشكل حر، من خلال الخط الحدودي، حيث لا يوجد جنود ولا نقاط مراقبة على طول ذلك الخط.
ويعتمد البلد على عملة واحدة واقتصاد واحد. وكان لدى البوسنة في عام 1995 أكثر من 400 ألف مواطن من حملة السلاح، بينما لديها اليوم أقل من 10 آلاف. ولقد عاد نحو نصف المهجرين إلى ديارهم والكثيرون منهم إلى مناطق يشكلون فيها أقلية. مع أن أحداً ما كان يجرؤ على توقع نجاحات مماثلة قبل عقد من الزمان.
من الواضح أن دايتون لم يجلب سلاماً كاملاً، ومن الصعب تخيل أمر كهذا، لكنه حقق أهدافاً حيوية تتعلق بالأمن القومي. فلقد أنهى أسوأ حرب أوروبية خلال نصف قرن، هددت التكامل السلمي لأوروبا بعد الحرب الباردة.
وثبت اتفاق السلام والتطورات اللاحقة في كوسوفو قواعد دولة متعددة الأعراق، عاشت بسلام مع جيرانها خلال عقد من الزمان. كما أطلق العنان لمجريات الأحداث، التي أدت إلى اعتقال الطاغية سلوبودان ميلوسيفيتش ومحاكمته في لاهاي على جرائم الحرب التي ارتكبت.
من المؤسف انه ما زالت هناك مهمة من المهام المتفق عليها في دايتون لم تنجز بعد، رغم ان سلطات الجمهورية الصربية وفي البوسنة والهرسك قد تعاونت هذا العام في نقل عشرة من مجرمي الحرب المتهمين إلى المحكمة الدولية لجرائم الحرب، وهذا يكفي.
ويتعين على سلطات جمهورية سيربسكا إلى جانب السلطات في صربيا والجبل الأسود، مواصلة المساهمة من جانبها من أجل إغلاق هذا الفصل من التاريخ.
فمن دون اعتقال جميع مجرمي الحرب المتهمين ونقلهم، وخصوصاً رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش، لن يكون هناك واقع عادل ودول البلقان لن تتمكن من ترك ماضيها خلفها.
وبالنسبة لنا جميعاً، نحن الذين كان لنا ميزة إدارة السياسة الخارجية الأميركية، فان مسيرة البوسنة خلال السنوات العشر الماضية منذ دايتون تذكرنا بحقيقة بسيطة مفادها ان أي شخص يستهل مبادرة ذات أبعاد واسعة سيكون قد ترك منصبه قبل ان تنهي الولايات المتحدة عملها. فالتقدم يأخذ وقته والسرعة عادة هي عدو التقدم.
وبالتالي، فإننا لا نستطيع الشروع بمبادرة من دون ان نكون مستعدين لنقلها إلى المبادرة التالية، في حين يتشكل دعم متعدد الاضراب داخل البلاد ويتم العثور على شركاء دوليين يضطلعون بالعمل عندما تكون الولايات المتحدة مشغولة بتحديات جديدة.وعلى أساس هذا الهدف، بنت حكومتي سياستها الخاصة بالحصول على دعم حلفائنا وزيادة المساعدة الدولية مع مرور الوقت.
طوال قرون من الزمن، تصادمت الامبراطوريات في البوسنة والمناطق المجاورة لها. لكن البوسنة وجيرانها يسيرون في الوقت الحالي في طريق التحول إلى جزء من أوروبا الكاملة والحرة، الأمر الذي رغب به جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ هاري ترومان.
وما كان لهذا ان يحدث لو لم تحافظ الولايات المتحدة على تحالفها مع أوروبا خلال عملية بناء السلام الصعبة، وما كان لجميع جيران البوسنة اليوم ان يقفوا على عتبة ازدهار جديد لو لم تكن البوسنة ومواطنوها يعملون بشكل جاد لتحويل اتفاق دايتون الى خطوة ناجحة.
في حين تظهر الولايات المتحدة مجدداً قدرتها على القيادة في المنطقة، فعندما دعت وزير الخارجية رايس ونائب وزير الخارجية نيكولاس بيرنز قادة البوسنة إلى واشنطن لاحياء الذكرى العاشرة لاتفاق دايتون، لم يكن الأمر يتعلق باحتفال فحسب، وإنما مثلت تلك الدعوة خطوة مهمة لتحسين الاتفاق.
وأنا أهنئهم على اتفاقهم حول تبني إصلاحات دستورية على جانب كبير من الأهمية ونحن المشاركين في المبادرة الأصلية نؤمن جميعاً بالالتزام المدعوم من جانب الولايات المتحدة بتحسين ذلك الجهد.
وبعد تركيزنا هذا الأسبوع على البوسنة، فإن الأمل يحدوني حيال العمل الجاد، الذي ينتظر مفاوضي دول البلقان والمتمثل في حل الوضع النهائي لكوسوفو. صحيح أن التأخير الطويل وشدة التوتر يعقدان المفاوضات، لكن هذه المفاوضات يجب أن تمضي قدماً بمشاركة أميركية راسخة.
وإذا نظرنا إلى الأمر بأثر رجعي، يتضح أنه كان يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها التحرك في وقت أبكر في البوسنة لكن عندما تحركت الولايات المتحدة وقامت بعمليات قصف تلتها مبادرة دبلوماسية توجت باتفاق دايتون، كانت مساهمتها حاسمة.
لكن رغم أن أياً من الجنود الأميركيين لم يقتل أو يجرح، إلا أن عملية مشاركتنا قد كلفت حياة ثلاثة من أفضل دبلوماسيينا روبرت فريزر وجوزيف كروزل ونلسون درو أثناء المحاولات الأولى للفريق المفاوض الوصول إلى سارييفو عبر طريق «مونت ايغمان» الخطر والمتنازع عليه في 19 أغسطس 1995.
وعندما اجتمعت مع عائلاتهم ومع الناجين الوحيدين من الفريق المفاوض الأصلي ـ هولبروك والجنرال ويسلي كلارك ـ في المقبرة الوطنية في آرلنغتون بعد مضي بضعة أيام، طلبت من فريق التفاوض المعاد تشكيله أن يعود على الفور إلى المنطقة لإظهار التزامنا وقرارنا الحاسم بوضع حد للحرب.
وبعد أسبوع واحد، قام الصرب بقصف سوق سارييفو بمدافع الهاون وأنا سمعت على الفور بحملة قصف جدية ومدعومة من قبل حلف الناتو، الأمر الذي لعب دوراً أساسياً ساعة دفع الأطراف للحضور إلى دايتون. لكن هل كان ذلك يستحق العناء؟ بشكل مطلق نعم.
فعلى الرغم من بقاء عمل لابد من القيام به، إلا أن اتفاقات دايتون جلبت سلاماً منشوداً لوقت طويل إلى منطقة مضطربة، حيث تشعر الأقليات العرقية الآن بأنها آمنة والأطفال يلعبون في الشوارع التي اعتادوا على الاختباء فيها من القناصة وقذائف مدافع الهاون كما أن الحلم بأوروبا موحدة وقوية تعيش بسلام لا يزال حياً.
عن «إيه بي سي» ـ إسبانيا