تأمل المشهد العربي طويلاً حق مشروع. غير أن الاستغراق في التردد المتعمّد إزاءه لم يعد ممارسة مطلوبة، الأجدى لجميع الأطراف التخلي عن طبع المراوغة والتحلي بالجرأة واستبدال الانحياز الإيجابي بالحياد الهروبي. تلك خطوة حتمية وذات أولوية من أجل خلع الانتهازية والانهزامية السائدتين وسط النخب العربية، بغية تحديد مواقف حادة.
المشهد العربي في حالة حراك، تلك ليست هي القضية. الأهم من ذلك ضبط وإيقاع ذلك الحراك والأكثر أهمية معرفة مسار ووجهة الحراك. الحوار يكون مثمراً بقدر ما ينجح في بلورة قناعات مشتركة. السؤال الجوهري يبحث في ماهية الحراك إذ هو سياسي جوهري وحقيقي أم مجرد مناورة تنفذها النخب المهيمنة على مقاليد السلطة والثروة لقطع الطريق أمام القوى التي تنشد التغيير.
ربما لا نختلف كثيراً وطويلاً على أن الحراك العربي يتحدث لغة مغايرة للهجات السائدة أكثر من نصف قرن. من الصعب الإجماع على أنه يمكن بلوغ الطموحات القومية الكبيرة. مع ذلك ربما نتلاقى دون عناء جهيد على أن روح الحراك تعبر بالفعل عن رغبة في تفكيك الواقع المتكلس بفعل الأنظمة الشمولية.
في ظل الموات الذي لم يثمر سوى الإحباط على مدار أجيال عربية، بفعل الأنظمة المتخشبة يصبح أي مظهر سلمي يرمز إلى إنكار الواقع هو في حد ذاته إنجاز يستوجب الاحتفاء. من هذه الزاوية تتسلط الرؤية على سلسلة من الفصول «الديمقراطية» المتناثرة على رقعة الوطن العربي. ثمة معركة انتخابية وضعت أثقالها في مصر وأخرى أغلقت صناديقها في العراق، وثالثة يحتدم أوارها في فلسطين وبضعة عروض أشبه بالتمارين في السودان واليمن.
ربما لم تذهب تلك الممارسات وفق القواعد القويمة لأصول اللعبة الديمقراطية، غير أنه ما من أحد ينكر أنها إن لم تؤشر بولوج أفق عربي جديد فإنها بالضرورة تعني محاولة جادة لحزم الحقائب ومغادرة مرحلة عربية عتيقة.
ثمة ملامح مشتركة في مجمل تلك التجارب جديرة بالتأمل وتتطلب في الوقت نفسه المعالجة الفكرية.
كما في كل المعارك المماثلة هي مواجهة بين القوى المهيمنة على السلطة والطامحين فيها، لكنها ليست كما ينبغي أن تكون مواجهة بأدوات سلمية. القوى المهيمنة على السلطة تحتكر في الوقت نفسه قسمة الثروة وهي شديدة الحرص على عدم التنازل عن السلطة أو التسليم بإمكانية مغادرة مواقعها، كما أنها مفرطة في الرغبة لمواصلة احتكار الثروة وهي بهذه القناعات تدخل ساحة المعركة وهي شديدة الالحاد في مبدأ تداول السلطة.
* بدء مخاض عسير
بما أنه لا يمكن قراءة كل حالة خارج سياقها الوطني والإقليمي والدولي، فما من سلطة عربية حاكمة ارتضت ممارسة اللعبة الديمقراطية نتيجة «مونولوج» ذاتي أو قناعات وطنية. كلنا نعايش حالة التململ الداخلي الذي يتعرض إلى تقاطعات إقليمية ودولية تشكل في مجملها قدراً من الضغوط. عدد من الأنظمة يحاول احتواء تلك الضغوط أو ربما تفريغها من قوة اندفاعها.
كل التجارب لا تثبت رفض النخب الحاكمة فقط التداول السلمي للسلطة بل أكثر من ذلك عدم التردد في استخدام كل الوسائل المتاحة أمامها، بما في ذلك الوسائل غير المشروعة من أجل الاحتفاظ بما تملك.
راوحت تلك الوسائل من تكريس كل أجهزة السلطة وقدراتها المتاحة، وتسخير المال واللجوء إلى أشكال متباينة من أدوات وممارسات العنف، كما كان الدين حاضراً باعتباره عنصراً مشتركاً في المعارك، سواء من جانب النخب الحاكمة أو المنافسة.
ومن السمات الغالبة في التجارب الانتخابية العربية هزال الفصائل المعارضة والجأر بالشكوى من تغول الأنظمة. مع أنه لا أحد يمكن أن يدافع عن شراسة السلطات الحاكمة، إلا أ اختباء المعارضة وراء الضعف لا يشكل فضيلة، كما أنه ينم عن سذاجة إذ هي تتغافل عن فهم غالب بأن السلطات القابضة على زمام الأمور ليس لها أي قناعات بالتنازل عن أي جزء مما في قبضتها كما تكتسي كل هذه التجارب بدثار كثيف من اللامبالاة الجماهيرية يتجسد في تدني نسب المشاركة في الممارسات الديمقراطية والعزوف الشعبي عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع.
في مصر بلغت نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية بالكاد 25%. لعل هذا العزوف يعكس قدراً من القناعات على المستوى الشعبي يحرض النخب الحاكمة على البقاء في السلطة. من المؤكد أن ممارسة العنف أضاف إلى تلك القناعات دافعاً للبقاء بعيداً عن مسرح العمليات.
صحيح أن حصيلة المعارك ـ ما ظهر منها وما لم يظهر ـ لن يحفر عميقاً على الوجه الكالح الذي يفرض وجوده عقوداً عديدة غير أن الصورة لم تعد كما كانت عليه قبل عقد من السنين.
من الصعب القول إن العالم العربي ولج مرحلة التحول الديمقراطي. غير أنه ربما لا يجافي المنطق الجزم بأن ثمة تغييراً بدأ يرسم ملمحاً على المسرح العربي. هو قدر من الحراك المنظم يكسر طور التململ المتثائب ربما. أو قد يكون خروجاً عن جلد الذات الذي أمسى طقساً عربياً يمارس على مستوى الفرد والجماعة باعتباره أفضل ضروب الوعي.
لعله عزف على الأوتار الحساسة بغية إيقاظ عضلات القدرة الخامدة في جسد الأمة المترهل. ربما هو بدء التحريض على تفكيك الجمود الذي ران وتكلس على امتداد الوطن من الماء إلى الماء. لنقل انه مدخل زمن المراجعة. ربما هي حالة مخاض عسير لجنين لم يتشكل بعد في رحم الغيب.
لكن من المهم إدراك أن عملية الحفر عميقاً ورفع الحراك وإيقاظ العضلات الخامدة واستكمال التفكيك واقتحام عصر المراجعة هي مهمات تقع على كاهل الفصائل المعارضة وأنها لن تستطيع إنجاز تلك المهام دون تجاوز حالات الهزال التي تعانيها. ما لم تمتلك تلك الفصائل القوة والقدرة التي تؤهلها لإدارة الصراع في مواجهة النخب الحاكمة فإن العالم العربي لن يلج مرحلة التحول الديمقراطي.
* النظام المصري يربك خصومه
التجربة المصرية تصلح أنموذجاً للحالات العربية وهي ليست استثناء من ذلك. مصر ظلت دوماً معياراً عربياً للقياس. مصر هي الشقيقة الكبرى وهو توصيف لا يرتكز إلى الكثافة السكانية فقط أو الإرث التاريخي العتيق والثري إلى جانب ذلك بل أهم من ذلك ما ملكته من عدة وعتاد جعلها بؤرة إشعاع نافذة التأثير على امتداد الوطن.
غير أن ما يؤهل التجربة المصرية أنموذجاً للتأمل لا يقتصر على تلك المكانة التي أمست عرضة لشيء من عوامل التآكل بل أكثر من ذلك وربما أكثر أهمية هو ذلك التمازج بين عناصر الداخل والخارج على نحو أكثر حدة وتفاعلاً.
كذلك تعكس التجربة المصرية قدرة النظام على احتواء التململ الداخلي والتقاطعات الخارجية وإنتاج وصفة تبدو مقنعة للجميع دون أن تسفر عنها تداعيات جانبية يضار منها النظام.
التجربة المصرية لا تجسد فقط البقاء الطويل في سدة السلطة وإنما كذلك المهارة على الاحتفاظ بها. هي مهارة أكسبت النظام قدرة فائقة على إرباك خصومه فهو لا يملك حاسة التجاوب لالتقاط المبادرة في أوانها بل يذهب أبعد من ذلك فيستبق بها الجميع.
كذلك جاءت مبادرة تعديل الدستور بغية فتح رئاسة الجمهورية أمام الانتخابات التعددية. المباغتة وليست المبادرة في حد ذاتها شلت قدرات المعارضة وأفسحت المجال أمام الحقوقيين المهرة داخل النظام لتقديم وصفة فقهية ظاهرها ديمقراطي وباطنها شمولي.
لم يكن ثمة خيار آخر أمام جميع القوى السياسية في مصر سوى قبول تلك الوصفة فابتلعتها وعملت ـ رغم نفاد مفعولها المسبق ـ عمل السحر في تأجيج الانتخابات التشريعية التي أصبحت المعركة الرئيسية.
في أتون هذه المعركة تجلى استخدام جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة منها وعلى نحو صارخ يبطل أول ما يبطل مفعول القواعد السليمة والأساسية للعبة الديمقراطية.
فالانتخابات المصرية لم تجر تحت مظلة قانون الطوارئ وحده بل ان أهل النظام كرسوا أجهزة السلطة المختلفة لصالحهم وعلى نحو فاضح أدى في بعض الأحيان إلى منع الناخبين من ممارسة حقهم في الوصول إلى صناديق الاقتراع. في التجربة المصرية كان فساد السلطة واستخدام المال وممارسة العنف واستغلال الدين حضوراً وعلى نحو صارخ من قبل الجميع. إذا كانت المعارضة تشكو من إفراط النظام في استخدام تلك العناصر فلأن المعارضة كانت عاجزة بينما كان النظام قادراً وليس لأن المعارضة أكثر ديمقراطية من النظام.
فحيث أتاحت لها الفرصة إعمال ما تملك فعلت ذلك دون خجل أو وجل.
التجربة المصرية توضح ربما أكثر من غيرها ـ المدى الذي ينبغي ان يطويه العرب جميعاً في رحلة الانتقال من ثقافة الاستبداد إلى أجواء قبول الآخر والحوار والتداول السلمي للسلطة.
فتحت ثقافة الاستبداد الشائعة في مصر يصبح توقع انجاز ممارسة ديمقراطية حقيقية ضرباً من الخيال. فثقافة الاستبداد التي نعنيها ليست حكراً على أهل النظام بل هي سمة غالبة على مظاهر الحياة خارج أروقة السلطة ودولاب العمل البيروقراطي وتنداح في الشارع وتطبع الحياة اليومية حيث تؤخذ الفرص غلاباً.
لذلك كان يبدو من باب المألوف ان يكرس أهل النظام أجهزة السلطة فيما يصنف ب«الفساد» من أجل الاحتفاظ بالأغلبية داخل البرلمان. ليس بالغريب ان يشمل ذلك قوائم الناخبين واستقلال جهاز القضاء والشرطة والأمن إذ لم يكن النظام يعتبر تلك الأجهزة إلا أذرعاً له تدور في فلك مصالحه. وللحقيقة لم تكن المعارضة نفسها ترى غير ذلك.
العنف ليس مظهراً طارئاً على المعارك الانتخابية في مصر. الإفراط فيه على نحو يتجاوز المعهود جاء في سياق احتدام المنافسة ليس أكثر. بما ان المخيلة المصرية قادرة على الإبداع فقد ابتكرت مفردة جديدة تتمثل في «البلطجة» دخلت القاموس السياسي بمعنى واضح راسخ عبر هذه التجربة الانتخابية. هي مفردة مصرية صرفة.
* الأغلبية الصامتة والخارطة الجديدة
حضور الدين في المعركة الانتخابية في مصر ليس هو الآخر بالجديد لكن تحوله إلى شعار مثير للجدل وجاذب للأصوات على ذلك النحو الذي أسفرت عنه النتائج هو الذي يستوجب التأمل.
من الصعب القول إن الشعارات والبرامج كانت تتحكم في اتجاهات الناخبين. كما ان الأحزاب التي خاضت التجربة لم تكن تركز على جاذبية مثل هذه البرامج والشعارات ان كانت لها بالفعل برامج وشعارات، فإن الناخبين لم يبلغوا من الوعي ما يجعل لمثل تلك الوسائل فصل الحاكمية في المعركة.
ومع ذلك لا يجوز تجريد تلك الأحزاب من قواعد ذات قناعات بما تطرح غير ان هذه الحقيقة تتضاءل أمام عزوف ما لا يقل عن 75% من الذهاب إلى مركز الاقتراع. ثمة عناصر تضافرت على بقاء الأغلبية صامتة في بيوتها ربما يكون من ضمن تلك العناصر الرغبة في السلامة بعيداً عن مظاهر العنف لكن من شأن الإيمان والقناعات الحزبية ما يحرض المرء على المغامرة. هذا التحريض لن يجعل القاعدين من أجل السلامة بما يوازي ثلاثة أرباع المؤهلين للممارسة.
لا تزال التجربة السياسية العربية برمتها تعتمد على العنصر الشخصي وتلعب الكاريزما اليد الطولى في إدارة اللعبة السياسية سواء في النظام الشمولي أو خارجه في غياب تام للعمل الفكري بما في ذلك البرامج والشعارات. بهذا الفهم يصبح من العسير الجزم بأن المقاعد التي فاز بها الإخوان المسلمون تعود فقط إلى جاذبية شعارهم حتى وإن كان ذلك «الإسلام هو الحل» أو قناعات شعبيته بجدوى برنامجهم الذي خاضوا به المعركة. قد تكون فضيلة الإخوان أنهم يملكون شعاراً مؤطراً يختزل برنامجاً فضفاضاً بينما لا يملك الآخرون شيئاً من ذلك.
إذا كانت نسبة المبالين الذين آثروا العزوف والبقاء في البيت بلغت 75% فيمكن افتراض نسبة غير متدنية للمبالين الذين اختاروا التصويت لصالح الإخوان المسلمين تعبيراً عن رفضهم لاستمرار القابضين على السلطة ورفضهم للرهان على الآخرين الذين لم يثبتوا إبان المعركة أنهم يملكون من أدوات الجدية ما يجذب الناخبين.
ثمة من يرى أن عربة الإخوان تحولت إلى مستودع لأصوات قطاع كبير من الناقمين الذين يرفضون أهل النظام وأهل المعارضة التقليديين. هي رؤية جديرة كذلك بالتأمل ذلك أن فوز تنظيم محظور بما يقارب 25% عن مقاعد البرلمان في معركة تبدو غير متكافئة ليس بالأمر العادي.
فوز الجماعة المحظورة ليس انتصاراً على الحزب الحاكم وحده بل هو في الوقت نفسه هزيمة لأحزاب المعارضة المعترف بها قانونياً وسياسياً.
تلك الأحزاب المعارضة خرجت بخسارة فادحة في واقع الأمر على نحو قد يجهز عليها إلى الأبد. المعركة فضحت فقر المعارضة المصرية المدجنة على نحو جعلها عاجزة عن إدارة الصراع على أي من المستويات الانتخابية ـ هي لا تملك شيئاً من الطرح الفكري أو الرصيد المادي أو الكوادر المدربة أو القيادات ذات الكاريزما الجاذبة وليس لها من القواعد ما يعين على الاستنفار. أحزاب المعارضة تلك تعاني كل أعراض وأمراض الحزب الحاكم الذي تميز عنها بما يملك من مقاليد السلطة والثروة.
المراقبون أحصوا ضحايا العنف من القتلى والجرحى وتأملوا طويلاً مقاعد الإخوان المسلمين الـ 88 في سياق استخدام الدين وتحدثوا كثيراً عن المال السياسي في المعركة الانتخابية غير أنهم أخفقوا وسكتوا إزاء تقديم أرقام ولو تقديرية عن حجم الإنفاق الذي شهدته المعركة المصرية. لابد لمنظمات المجتمع المدني أن تقدم أرقاماً حتى يصبح الحديث في الشأن جدياً لكن الأهم من ذلك معرفة مصادر المال السياسي والقنوات التي يصب عبرها من أجل النجاح في مكافحة تلك المصادر وتجفيف تلك القنوات.
* ترويكا عراقية خارج الممارسة الديمقراطية
إذا كانت نتائج الانتخابات المصرية ستدفع بالضرورة لجهة إعادة تشكيل خارطة سياسية جديدة فإن نتائج الانتخابات العراقية لا تصب في ذلك التوجه كما يبدو.
الانتخابات المصرية جرت تحت مظلة قانون الطوارئ بينما جرت العراقية تحت وطأة الاحتلال. مع ذلك شهدت انتخابات الرافدين عنفاً أدنى عن تلك التي جرت على ضفاف النيل وهيمنة أقل من قبل السلطة في بغداد وتأثيراً خافتاً للمال السياسي لكن الدين كان حاضراً في حدته المذهبية.
كان لافتاً فوق العادة غياب مظاهر العنف التي باتت مألوفة منذ دخلت القوات الأميركية بغداد. طرح هذا الغياب سؤالاً عما إذا كان اسكات عناصر التفجير جاء بقرار سياسي وذهب السؤال نحو عما إذا كانت ثمة إرادة سياسية لها إمكان تحقيق ذلك الانجاز باعتبار أن العنف الدامي الذي شهده العراق لم يكن بفعل مصدر واحد أو من قبل جهات منظمة تحت مظلة موحدة لها فاعلية التنسيق. هذه الأسئلة التي لا تزال عالقة لم يتم التعامل معها بالجدية التي ينبغي.
فمن شأن البحث الجاد عن إجابات عن هذه الأسئلة ومثلها المساهمة في صياغة مستقبل عراقي بوتيرة أسرع وعلى نحو أفضل. الانتخابات البرلمانية فتحت الأفق أمام العراقيين من أجل الذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة في غضون السنة الحالية.
هذا رقم قياسي في الممارسة الديمقراطية، خاصة لشعب يطمع في المشاركة في صياغة مستقبله. الرصد الأمين للتجربة العراقية ومحاكمتها يقر بأنها كانت أفضل من المصرية وتبدو كذلك مقارنة مع الفلسطينية المرتقبة. هذه المحاكمة من زاوية حيثيات الأمن وتغييب العنف.
كما في الحالة المصرية تحدثت أطراف عراقية مشاركة ومراقبة عن المال السياسي والفساد الذي مارسته السلطة الحاكمة. هو كلام آخر دون أرقام محددة أو حتى تقديرية. غير أن الدين ظل ماثلاً وفارضاً حضوره ومارس فرزاً طائفياً حاداً. لعل ارتضاء السنة المشاركة في هذه الانتخابات التي عزفوا عنها في السابق جاء في سياق هذا الفرز الطائفي الحاد.
كذلك لم يستطع العراقيون الانفكاك عن الإثنية والمناطقية مع أن الشخصيات القابضة على مقاليد السلطة حديثو عهد إلا أن ذلك لا ينفي انتماءاتهم للطوائف التي أطبقت على سدة الحكم عقب دخول القوات الأميركية. هم مثل النخب العربية الأخرى لا يريدون إفساح المجال أمام التداول السلمي للسلطة.
الأسوأ من ذلك أنهم ذاهبون على الطريقة العربية الشمولية نفسها حيث التماهي بين السلطة والحزب. لعل الاحتجاجات التي انفجرت مع بدء عملية فرز الأصوات وإعلان النتائج تدلل على ذلك المسلك وتكشف نوايا القابضين على السلطة.
في كل الأحوال لم يعد الأمن الذي صاحب عملية التصويت طارئاً فقط بل بات المشهد العراقي في ضوء النتائج المعلنة وغبار الاحتجاجات المثار حولها أكثر إظلاماً. القضية لا ترتبط بعودة مظاهر العنف فذلك أمر حدث بالفعل، كما لا يقترن بالتهديدات بتصعيد العنف فذلك لن يغير في المشهد المحزن شيئاً.
مفصل الأزمة يتجسد في تفريغ العملية الانتخابية من مضامينها الجوهرية. الرهان لم يكن محصوراً فقط على برلمان يختزل كل المكونات العراقية بل يذهب أبعد من ذلك لجهة خفض نبرة الخطاب الطائفي والاثني وتعميق مسالك الحوار الوطني وصولاً إلى وحدة وطنية تذوب فيها الفسيفساء العراقية. تحقيق ذلك الرهان وحده الذي يفضي إلى حكومة عراقية قادرة على التصدي للمهام الوطنية العاجلة والملحة. من ذلك تثبيت الأمن وتكريس الوحدة وإعادة الإعمار بالتلازم مع إنهاء التواجد الأجنبي على التراب العراقي.
هذا هو السبيل الوحيد لجعل الانتخابات البرلمانية فاصلاً زمانياً يمكن الحديث عن العراق قبلها والعراق بعدها. عملية التصويت التي جرت في غياب الاستقرار السياسي والأمن الجماعي والفردي والحرية الوطنية أنعش آمالاً عراضاً إزاء إمكانية بلوغ تلك الغاية. لم يكن مستبعداً أن تعيد الانتخابات البرلمانية إنتاج «ترويكا» عراقية جديدة يتقاسم فيها الشيعة والسنة والأكراد أسنمة السلطات الثلاث غير أن البون شاسع بين «ترويكا» تأتي استناداً إلى قوى ديمقراطية وتلك التي تجيء في سياق المن السياسي من قبل أقوياء بغية استرضاء ضعفاء. هذا وضع مخل لا ينتج عنه إلا اختلال.. إذا كانت الانتخابات المصرية لم تشهد فصولاً لتدخلات أجنبية مباشرة وسافرة فإن العراقية لم تنج من هذه الآفة. قبل الذهاب إلى مراكز الاقتراع جاء الإعلان عن ضبط شاحنات تحمل بطاقات انتخابية على الحدود مع إيران. ذلك ليس أكثر من دليل مادي على تدخلات الجوار.
* انقسام الحزب الحاكم مفارقة فلسطينية
الجبهة الفلسطينية أكثر مدعاة للإحباط. الانتخابات البرلمانية المرتقبة ستجرى تحت عبء احتلال أكثر إطباقا واشد قسوة ودموية مما هو عليه الحال في العراق.
الضغوط الخارجية أكثر حدة وعلانية. ذلك ليس سوى الإطار القاتم أما الصورة المظلمة نفسها فتتماوج فيها بغلظة كل العناصر السالبة بدءاً من فساد النخب الحاكمة مروراً ببؤر العنف ومصادر المال السياسي ومظاهر استغلال الدين وانتهاء بالتدخلات الخارجية.
النخب الحاكمة أخفقت تماماً في تقديم أنموذج الانتقال الملتزم من الثورة إلى الدولة. الاتهامات بالسقوط في فخاخ الفساد تطارد العديد ان لم تكن الغالبية. الجديد في الحالة الفلسطينية يتمثل في انشقاق الحزب الحاكم على نحو أصبح يهدد بعرقلة العملية الانتخابية. الصورة الفلسطينية المغايرة لا تكتمل دون الحديث عن نهوض المعارضة منتشية من الانتخابات البلدية وبشهية مفتوحة لالتهام سلطة الحكم برمتها.
مثلما هي العادة فان الساحة الفلسطينية رغم ضيق مساحتها تتقاطع عليها خطوط إقليمية ودولية متعددة لذلك فان العملية الانتخابية لم تنج من التدخلات الخارجية.
توغلا في المفارقة عن الحالات العربية فان السلطة الفلسطينية تبادر أو تبارك التدخلات الخارجية. كذلك على نقيض المزاعم بإطلاق الممارسة الديمقراطية في الوطن العربي فان الدول الغربية وفي مقدمتها أميركا تمارس ضغوطاً من أجل تحديد مسبق لنتائج الانتخابات. وإمعانا في هذا التوجه المناقض للحديث الفصيح والمثالي عن الإصلاح الديمقراطي فان أميركا وحلفاءها الغربيين يمارسون الضغوط بغية كبح المعارضة الفلسطينية ومنعها من الدخول إلى أروقة صنع القرار. وهي تذهب في هذا الطريق حد المساندة لرفض إقامة العملية الانتخابية وتهدد بإغلاق صنبور المساعدات عن الشعب الفلسطيني. ربما تكون هذه أوضح صورة لاستخدام المال السياسي ابان الانتخابات في الوطن العربي.
* مناورتان سودانية ويمنية
انتخابات اتحاد المزارعين ونقابة المحامين السودانيين جاءت بمثابة مناورة للمعركة التي ستخوضها القوى السياسية السودانية بعد نحو ثلاثة أعوام. المعارضة خرجت خاسرة في انتخابات المزارعين والمحامين، كأنما أصبح حديث المعارضة عن أكثريتها المطلقة مقابل أقلية الإسلاميين القابضين على السلطة في الخرطوم دعاوى باطلة لايسندها الواقع.
إذا لم تعترف المعارضة بهذه الحقيقة فإنها لا تستطيع المجادلة إزاء حقيقة أخرى فضحتها تجربتا المزارعين والمحامين اللتان جاءتا على عتبة المرحلة الانتقالية. تلك هي حقيقة ضعف بني المعارضة وهشاشة تنظيماتها وعجزها عن استنفار قواعدها الخامدة وعدم القدرة على الاصطفاف في جبهة موحدة لخوض معركة قصيرة الأمد.
من المؤكد أن الجبهة الحاكمة لن تتردد في استخدام كل الأسلحة المتاحة بما في ذلك غير المشروع للاحتفاظ بهيمنتها على النقابات وتنظيمات المجتمع المدني التي ستشكل إبان المرحلة الانتقالية.
من حق تلك الجبهة العمل ما وسعها من أجل عدم التفريط في السلطة ولذلك ستكون كل العناصر السالبة التي دمغت التجربة المصرية نافدة في الانتخابات البرلمانية السودانية في الربع الأخير من المرحلة الانتقالية التي فرضتها اتفاقات السلام.
سيكون النظام متأهباً لإعداد خارطة انتخابية تضمن له الغلبة البرلمانية وستتضمن تلك الخارطة توزيع الدوائر وإعداد القوائم ولن يكون النظام مثالياً في ذلك، ولن يدخر جهداً في استخدام العنف لقمع خصومه إذا استدعى الأمر ذلك ولدى النظام ميليشيا مسلحة جاهزة لإرهاب المنافسين وتدرك المعارضة تلك الحقيقة ولدى النظام كل الجرأة على استخدام المال السياسي لحسم المعركة حتى إذا لم يستدع الأمر اللجوء لهذا الخيار فهو وحده يملك السلطة والثروة. أما استخدام الدين في المعركة فذلك ليس بالشأن الطارئ الذي ينتظر المعركة الانتخابية بل هو خبر سياسي يومي.
وحدها فصائل المعارضة التي يعوزها المال والكوادر التي يمكن أن تنهض في وجه الميليشيا الحكومية ولا تملك من مقاليد السلطة ما يعينها على إبطال توجهات النظام أو مخططاتة لإعادة صياغة الخارطة الانتخابية على هواه.
في اليمن بدأ الحزب الحاكم الإعداد لمعركة انتخابية يشكل انتخاب الرئيس محورها وبدأت المعارضة حديثاً عن تغيير شكل الجمهورية من رئاسية إلى برلمانية لكنه يظل كما في كل الحالات العربية حديث العاجز.
ذلك ليس المهم في الحالة اليمنية فالمؤتمر العام للحزب الذي انتهى للتو يختزل تغييب الحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية إذ حجب المؤتمر المناصب القيادية في الحزب عن المنافسة وفرضت مراكز القوى خياراتها على المؤتمرين فيما يسمى عادة بالتراضي أو التزكية.
ذلك نهج لن يخرج الديمقراطية في اليمن من فخاخ القبلية والمناطقية وهي تجربة لن تغادر هيمنة قبيلة السلطة والمال السياسي والعنف ما لم يتم استبدال قواعد اللعبة. ليس النظام اليمني هو المكلف بتغيير تلك القواعد.
النظام اليمني ليس استثناء عربياً. إذا كانت ثمة قناعة بحتمية إنجاز إصلاحات سياسية فينبغي الاتفاق على أنه لا يمكن انتظار تحقيق ذلك الإنجاز من قبل الأنظمة الحاكمة. ذلك منطق مضاد لمفهوم الصراع على السلطة حتى عبر وسائل التداول السلمي بما في ذلك الممارسة الديمقراطية. عبء إنجاز تلك الإصلاحات يقع على كاهل أحزاب المعارضة النهوض به ليس لأنها فقط الطرف الطامع للسلطة بل لأن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يؤمن لها تحقيق ذلك الطموح. صحيح أن من يملك مفاتيح السلطة هو من يستطيع العمل لكن ليس من طبيعة الإنسان والأشياء ان يفعل من يملك كل ما من شأنه أن يجرده مما يملك لصالح منافسه.
الاستنفار الجماهيري هو الوسيلة الأكثر بلاغة في التأثير على الأنظمة لأحداث تلك الإصلاحات. مالم تكن الأحزاب المعارضة قادرة على ممارسة ضغط جماهيري مكثف فإنه لا سبيل لحمل تلك الأنظمة على فتح آفاق التداول السلمي للسلطة. العملية الديمقراطية ـ الانتخابية خاصة ـ ليست غاية في حد ذاتها بل هي آلية للعمل السياسي وهي آلة زيتها ووقودها الجماهير. وفي غياب الاستنفار الجماهيري تفقد هذه الآلية فعاليتها وجدواها.
النخب العربية مطالبة بتجاوز خطاياها السياسية التي أدت إلى تكريس النظام الشمولي ولا سبيل إلى ذلك دون التطهر من الجنوح إلى الخلاص الفردي الذي يكرس انتهازية فجة.
كما أنها مطالبة بصياغة خطاب سياسي مبرمج بقيمة التحول الديمقراطي من منطلق أن الديمقراطية عملية متكاملة لا تقبل التجزئة أو الانتقاء من البيت إلى ذروة السلطة الحاكمة إذ لا يمكن لحزب لا يمارس الديمقراطية داخله العمل من أجلها كما أنه لا يمكن إنجاز مهام هذه العملية بالإنابة عن الشعب بل إشراكه فيها هو الفريضة. من هنا يصبح استنهاض الجماهير هو الركن الأساسي في هذه العملية. عند استكمال هذه المهمة لابد من العمل على فصل الحزب عن الدولة. هذا أقصر الطرق لتجريد النخب الحاكمة من استقلال السلطة والثروة في العملية الانتخابية.
إصلاح القوانين هو المدخل الرحب لبلوغ التحول الديمقراطي فلابد من تأمين انتخابات وبسن قوانين تحكم اللعبة تتساوى فيها فرص التنافس بعيداً عن مظاهر الفساد.
القضاء الشريف المستقل لا يمثل الحارس الأمين للدستور والقانون بل الساهر على سلامة التجربة الديمقراطية بأسرها. عندئذ يمكن اللجوء إلى مرجعية تبطل ممارسات تزوير الإرادة والقوائم وتقمع أشكال الفساد وتجفيف بؤر العنف.
متابعة عمر العمر: